تباعد مخارج الحروف
ولسنا نعني بذلك أن
[ ٣٤ ]
المتقارب المخارج لا يكون حسنًا ولا جيدًا، بل نعني بذلك أن الغلب على المتباعد المخارج من الألفاظ الجودة والحسن، والغالب على المتقارب المخارج الرداءة والقبح. ألا ترى أن (الجيم والشين والياء) لها مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان، بيته وبين الحنك، وتسمى ثلاثتها الشجرية، فإذا ركبنا منها شيئًا من الألفاظ يجيء حسنًا رائقًا فإن قلنا: (جيش)، كانت لفظة محمودة، وأن قدمنا الشين على الجيم فقلنا: (شجي) كانت أيضًا لفظة محمودة. فهذه مخارج متقاربة، وقد ركبنا منها هاتين اللفظتين، وجاءتا في غاية الحسن والرونق. وهذا يكون نادرًا في المتقارب المخارج وإنما الأكثر والغالب يجيء في المتباعد المخارج. فاعرف ذلك.
وحيث انتهى بنا القول إلى هاهنا فلنبدأ بوصفه، في هذا الموضع، بذكر الأصوات والحروف، وذكر الخارج وانقساماتها، قبل ذكر السبب في حسن المتباعد، وقبح المتقاربة، فتقول:
اعلم أن الصوت عرض يخرج مستطيلًا متصلًا، حتى يعرض له، في الحلق والفم والشفتين، مقاطع، تثنيه عن امتداده واستطالته، فيسمى المقطع إن عرض له حرفًا. وتختلف أجراس الحروف يحسب اختلاف مقاطعها. ألا ترى أنك تبتديْ من أقصى الحلق ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، وتجد له جرسًا ما، فإن انتقلت منه راجعًا عنه، أو مجاوزًا له، ثم قطعت أحسست عند ذلك جرسًا غير الجرس الأول، نحو (الكاف) فانك إذا نطقت بها سمعت هناك صدى، فإذا رجعت إلى (القاف) سمعت غير ذلك الصدى فإن جزت (إلى) الجيم سمعت غير ذينك الأولين. وشبه بعضهم الحلق والفم بالمزمار وما أقريه شبها به. والسبيل إلى
[ ٣٥ ]
معرفة ذلك أنك إذا أردت اعتبار هذا: تأتي بالحرف ساكنًا لا متحركًا، لأن الحركة تقلقه عن موضعه ومستقره، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن
الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: (إكْ) (إقْ) وكذلك سائرها.
واعلم أن (الحروف) تطلق باعتبارات، فالأول: اسم لهذه الحروف المعدودة؛ وذلك مأخوذ من تسمية الحد والناحية حرفًا، لأن الحروف هي جهات للكلمة ونواحيها. الثاني: تطلق على أدوات الكلام نحو (من وعن، وغيرهما). الثالث: كقول النبي (ص) (أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي سبع لغات لا تختلف ولا تضاد، كما يقال: (هذا في حرف أبي) و(وهذا في حرف ابن مسعود). الرابع: يقال ناقة حرف: أي ضامرة. وقال أبو العباس المبرد: إن الهمزة لا صورة لها في الخط. وهذا فاسد؛ إذ الاعتبار باللفظة لا بالخط، فإن الخط لو لم يكن لما كان ذلك مانعًا من كون الهمزة من جملة الحروف.
فأما ترتيب الحروف على نسق المخارج فهي (همزة، ألف، ع، (هـ) ح، غ، خ، ق، ك، ج،
[ ٣٦ ]
ش، ي، ض، ل، ن، ر، ط، د، ت، ز، س، ظ، ذ، ث، ف، م، و، ب). وستة أحرف فروع مستحسنة، وهي همزة بين بين، والنون والخفيفة، والألف الممالة، وألف التفخيم، والشين كالجيم، والصاد كالزاي. وثمانية أحرف غير مستحسنة وهي: الكاف بين الجيم والكاف، والجيم كالكاف، والجيم كالشين، والفاء كالباء، والضاد الضعيفة، والصاد كالسين، والطاء كالتاء، والظاء كالثاء. وذكر قوم أربعة أحرف هي: السين كالزاي، والجيم كالزاي، واللام المفخمة، والقاف كالكاف: فصار الجميع سبعة وأربعين حرفًا.
فأما انقسام المخارج فإنها ستة عشر مخرجًا: ثلاثة حلقية وهي الهمزة والألف والهاء. هذا على ترتيب سيبويه، وأما على ترتيب أبي الحسن الأخفش فإن الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها، ومخرجان يليان هذه الثلاثة المذكورة وهما العين والحاء، ومخرجان آخران فوق ذينك من أول الفم وهما الغين والخاء، وحرف من أقصى اللسان، وهو القاف. وأسفل من موضع القاف قليلًا مخرج الكاف، وهذان
الحرفان - أعني القاف والكاف - يدعيان لهويين: من اللهاة. وثلاثة أحرف من وسط اللسان: وهي الجيم والشين والياء، وتسمى الشجرية. ومن أول حافة اللسان وما يبنهما من الأضراس مخرج الضاد، ويسمى المتفرد المستطيل. ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه مما بينها وبين ما يليها من الحنك، فويق الضاحك والناب والثنية والرباعية مخرج اللام، ويسمى المتحرف. ومن طرف اللسان، بينه وبين ما فويق الثنايا السفلى، مخرج النون. ومن مخرج النون، غير إنه أدخل في ظهر اللسان قليلًا، لا انحرافه إلى اللام مخرج الراء. وهذه الأحرف الثلاثة: اللام والراء والنون تسمى الذليقة. وقال سيبويه
[ ٣٧ ]
إن الأصول الخماسية لا تخلو من أحدها البتة. ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا ثلاثة أحرف وهي الطاء والدال والتاء، وتسمى النطعية. وثلاثة أحرف مما بين طرفي اللسان وفويق الثنايا وهي: الصاد والسين والزاي وتسمى الأسلية. وثلاثة أحرف مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا وهي: الظاء والذال والتاء، وتسمى اللثوية. وحرف واحد مما بين باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى وهو الفاء. وثلاثة أحرف مما بين الشفتين وهي الباء والميم والواو، وتسمى الشفهية. وحرف واحد من الخيشوم وهو النون، ويسمى الخيشومي. فهذه جميع مخارج الحروف.
وحيث انتهى القول بنا إلى هذا المقام وأتينا على ذكر الأصول والحروف وانقسام المخارج فينبغي حينئذ أن تذكر السبب في حسن ما تباعد من المخارج، وقبح ما تقارب منها، فتقول:
قال أبو محمد بن سنان الخفاجي في كتابه: (إن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجري الألوان من البصر، ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا اجتمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة؛ ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة، لقرب ما بينه وبين الأصفر، وبعد ما بينه وبين الأسود). هذا
حكاية كلامه بعينه. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا ثبت لك أن الألوان المتباينة في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة فكيف يلزم على هذا أن نقيس عليه السمع ونجريه مجراه؟ فإن قال في الجواب عن ذلك (إني إنما قست السمع في أصوات الحروف المتباعدة على البصر في الألوان المتباعدة، لأن السمع حاسة والبصر أيضًا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب). قلنا له: إنما يستقيم لك ما ذكرته من هذا القياس أن لو توقف في عرفان جودة اللفظة على سماع أصوات مخارجها، كما يتوقف في عرفان حسن الألوان على إبصارها ورؤيتها، وإنما قد يعلم جودة اللفظة، ويعرف حسن تركيبها، من غير أن يسمع لها صوت؛ وذلك أن المتأمل للكلام
[ ٣٨ ]
مكتوبًا من غير تصوت به، ولا نطق، إذا عرضه على طبعة السليم، وفكره المستقيم، عرف جودة ألفاظه، وعلم حسن تركيبها من قبحه. ولا خلطة للسمع في ذلك ولا مشاركة. فقد ثبت بهذا الدليل فساد ما ذكرته من قياس السمع على البصر، واختلال ما أشرت إليه من ذلك.
وإنما القول السديد في حسن اللفظ المتباعد المخارج، وقبح اللفظ المتقارب المخارج، ما سنورد هاهنا: وهو أن الفائدة في الأشياء المركبة، إنما هي اختلاف أجزائها وتباين مفرداتها، ليؤثر التركيب عند ذلك شيئًا لم يكن؛ إما حسنًا وإما قبحًا.
فأما إذا كانت أجزاؤها مشابهًا بعضها البعض، فإنه لا يكون لتركيبها حينئذ كبير فائدة، وهذا مما لا نزاع فيه؛ لوضوحه وبيانه.
وحيث كانت الحال في الأشياء المركبة كذلك، قسنا عليه تركيب مخارج الحروف. وذلك أن من المخارج ما هو مختلف ونعني بالمختلف هاهنا: المتقارب؛ كالراء، واللام، والطاء، والسين وغير ذلك، مما يجري هذا المجري. فمتى كانت الكلمة مركبة من حروف متباعدة المخارج، أثر التركيب فيها أثرًا؛ وهو الحسن والجودة
في الغالب. ومتى كانت الكلمة مركبة من حروف متقاربة المخارج، جاءت بخلاف ذلك في الغالب أيضًا.
فإن قيل: أما قولك: إن الكلمة، إذا ركبت من حروف متباعدة المخارج، أثر التركيب فيها أثرًا مسلم إليك ذلك. وأما تخصيصك ذلك التأثير بالحسن والجودة، فهذا تحكم محض أنت مطالب بإثباته.
[ ٣٩ ]
وكذلك قولك في الكلمة: (إذا تركيب من عدة حروف متقاربة المخارج)، ألا ترى أن مخارج الحروف جميعها، إذا اعتبر كل واحد منها على الانفراد، لا يوجد له حسن ولا قبح؟ وهذا لا نزاع فيه. فمن توهم شكًا في ذلك أو لحقه أدني ارتياب، فليعرضه ويعتبره، منصفًا من نفسه، فإنه يعلم صحة ما ذكرناه، ويعرف حقيقة ما أشرنا إليه.
وإذا كانت الحال كذلك، فمن أي وجه تكسب اللفظة الجودة والحسن إذا تركبت من حروف متباعدة المخارج؟ ومنأى وجه تكسب الرداءة والقبح، إذا تركبت من حروف متقاربة المخارج؟
الجواب عن ذلك، أنا نقول: إنها اكتسبت حسنًا عند تركيبها من حروف متباعدة المخارج، واكتسبت قبحًا عند تركيبها من حروف متقاربة المخارج؛ لأن النطق إذا أتى على مخارج حروف اللفظة، وهي متباعدة، ليجمعها ويؤلفها، كان له في ذلك مهلة وأناة؛ لأن بين المخرج إلى المخرج فسحة وبعدًا، فتجيء الحروف عند ذلك متمكنة في مواضعها؛ غير قلقة ولا مكدودة. وإذا أتى النطق على مخارج حروف اللفظة وهي متقاربة، ليجمعها ويركبها، لم يخلص من مخرج إلا وقد وقع في المخرج الذي يليه؛ لقرب ما بينها فيكاد عند ذلك يعتبر أحدهما بالآخر، فتجيء مخارج حروف اللفظة قلقة مكدودة، غير مستقرة في أما كنها ولهذا لم ترد العين مع الحاء، ولا الغين مع الخاء، ولا الطاء مع التاء، ولا القاف مع الكاف، ولا
الذال مع الثاء، ولا مع الظاء؛ وذلك لقرب مخارج هذه الحروف بعضها من بعض.
ومن أدل الدليل على أن المخارج المتباعدة أحسن تأليفًا من المخارج المتقاربة، أن العرب من
[ ٤٠ ]
شأنهم وعادتهم، أن يعدلوا في كلامهم عن الأثقل إلى الأخف؛ طلبًا للاستحسان، وهذا شائع عنهم، وكثير في لغتهم، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه. وتراهم قد خالفوا عادتهم وعدلوا عن الأخف إلى الأثقل، طلبًا لبعد المخارج؛ حيث هو أسهل على اللسان، وهربًا من تقاربها؛ حيث هو أشق وأصعب على اللسان. وذلك نحو (الحيوان) ألا ترى أن أصل هذه الكلمة، بإجماع من علماء العربية: (حييان) لأنها من مضاعف الياء، إلا إنه لما ثقل عليهم عدلوا به عم الياء إلى الواو، مع علمهم بأن الواو أثقل من الياء، لكنه لما تباعد الحرفان ساغ ذلك؛ لأجل الاستخفاف. فلما رأينا أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد نقضوا عادتهم، ورفضوا سنتهم، في العدول عن الأثقل إلى الأخف؛ طلبًا لتباعد مخارج الحروف، علمنا أن ذلك أهم عندهم، وأكثر تقدمًا في نفوسهم. وكفى بهذا دليلًا على أن تباعد المخارج أحسن تأليفًا من تقاربها، فاعرف ذلك.
واعلم أن تباعد المخارج ليس بكاف في حسن اللفظة، ولا مقنع في جودتها؛ فإنه قد تأتي لفظة مؤلفة من حروف متباعدة المخارج، ولكنها تكون مبنية من حركات ثقيلة، أو تكون وحشية، أو غير ذلك من الصفات الذميمة، فيعارض ذلك الوصف المحمود هذا الوصف المذموم فيذيله ويذهب به.