في الطريق إلى صناعة النظم والنثر
اعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا، أنا مارسنا هذه الصناعة، وبيناها من طرف كثيرة، وأبواب متعددة، وخبرنا ما ينفع المتدرب من ذلك، وما يكون أعون له، وأجدى عليه وأقرب إلى تعليمه وإفادته، فلم نجد ما هو أسهل مأخذًا، وأقرب متناولًا، سوى طريق واحد نحن ذاكروه في هذا الكتاب، فنقول:
يجب على المبتدئ في هذا الفن والمترشح له إذا آتاه الله ﷿ طبعًا مجيبًا، وقريحة مواتية، وكان مستكملًا لمعرفة ما يجب على المؤلف معرفته، مما أشرنا إليه في صدر هذا الكتاب، أن يأخذ رسالة من الرسائل، أو قصيدة من الشعر، يقف على معانيها، ويتدبر أوائلها وأواخرها، ويقرر ذلك في قلبه. ثم يكلف نفسه عمل مثلها، مما هو في معناها، ويأخذ تلك الألفاظ التي فيها، ويقيم عوض كل لفظه لفظة من عنده، تسد مسدها، وتؤدي المعنى المندرج تحتها، ولا يزال كذلك، حتى يأتي على آخرها. ثم بعد فراغه منها يشتغل بتنقيح ألفاظها وتجويدها. وارتباط بعضها ببعض، فإذا استتم عمله انتقل منه إلى غيره، وفعل فيه فعله أولًا، ولا يزال
[ ٢٦ ]
على هذه القدم، يد من في معارضة الرسائل، أن كان كاتبًا، أو في معارضة القصائد، ان كان شاعرًا، حتى يحصل له بذلك الدربة الوافرة، وتتمرن قريحته عليه أو يعتاد خاطره هذا الأمر اعتيادًا زائدًا، ولا ينبغي له أن يكون قانعًا من ذلك بالقليل، ولا راضيًا بمعرفة الطريق، دون سلوكه إياه، مرارًا كثيرة،
وخبر ته بسهله وحزنه، وقريبه وبعيده، فإذا تدرب واعتاد، وصار ذلك له خليقه وطبعًا، تفرعت عنده المعاني وانقدحت في خاطره، فتسهل عليه حينئذ صياغتها، وإبرازها فيما يليق بها من اللباس. وهذا انفع الطرق وأكثرها فائدة، لمن يروم الدخول في زمرة الكتاب والشعراء، لا تجد أيها المنتصب لهذه الصناعة طريقًا يجدي عليك من النفع ما يجديه هذا الطريق، فاعرفه.
[ ٢٧ ]