في أدوات التأليف
اعلم أيها المنتصب لهذه الصناعة، إنه يجب عليك إذا أردت تؤلف شيئًا من الكلام، منثورًا كان أو منظومًا، أن تأخذ من نفسك، ساعة نشاطك وفراغ بالك، وإجابتها لك، فإن قليل تلك الساعة أجدى عليك بما يعطيك يومك بالكد والمطاولة. وإياك والتوعر فإنه يسلمك إلى التعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، وسنبين لك فيما يأتي من هذا الكتاب ما تتوقي به ذلك؛ فإذا حاولت أمرًا بديعًا فالتمس له لفظا يناسبه، فإنه جدير بالمعنى الشريف أن يكون لفظه شريفًا. وإذا وجدت ذلك فهو الدرجة التي لا أمد وراءها، والمنزلة التي لا مطلع فوقها. وعليك بتنقيح الألفاظ وتحسينها، فإن الخطب الرائقة والأشعار البارعة، لم تعمل لا فهام المعاني فقط، لأنه لو قصد بها الإفهام فقط لكان الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد في الأفهام، وإنما عملت الخطب والأشعار لأجل الإتيان ببداعة اللفظ، وأحكام صنعته. ولسنا نعني بذلك أن يجعل المؤلف همته مقصورة على تجويد الألفاظ، ويهمل المعاني المنوطة تحتها، وإنما المعني به أن تكون المعاني المقصودة ذات ألفاظ حسنة رائقة، وسنذكر معرفة اللفظ الجيد من الرديء، والفرق بينهما، فيما، يأتي من كتابنا هذا.
واعلم أن المعنى هو عماد اللفظ، واللفظ هو زينة المعنى. والمعاني بمنزلة الأرواح، والألفاظ بمنزلة الأجساد، فأول ما يجب على المتكلم أن لا يؤلف كلامه من ألفاظ رديئة. ثم إن ألفه من
[ ٢١ ]
ألفاظ جيدة حسنة، فإنه لا يكون لها مزية ورونق إلا بإيداعها معنى شريفًا واضحًا؛ لأن الألفاظ لا تراد لنفسها، وإنما تجعل أدلة على المعاني، فإذا عد مت الذي يراد منها لم يعتد لها بالأوصاف التي تكون لها. ألا ترى أن قولك (فعولن مفاعلين. . .) ليس له من الحلاوة والرونق ما لقولك:
تَضَوَّعَ مِسكاَ بَطْنُ نَعْمانَ إذ مشتْ به زَيْنَبٌ في نِسْوةٍ خَفِراتِ
وذلك لخلوه من المعنى المفهوم؟ وهذا مما لا يحتاج فيه إلى زيادة في القول، لبيانه ووضوحه. ومن المعلوم أن جماعة العقلاء من الخاصة والعامة يعرفون المعاني، ويصيبون فيها، إلا أنهم لا يقدرون على إبرازها في لباس أنيق مناسب لها، لعدم الطبع المجيب إلى ذلك. ألا ترى إنه حكي عن المبرد، وهو من أكبر علماء العربية وأفخمهم شأنًا، وصاحب قول ومذهب، إنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسي لعلم الناس بي، إنه ليس أحد يختلج في قلبه مسألة مشكلة إلا لقيني بها، وأعدني لها؛ فأنا عالم ومتعلم، وحافظ ودارس، لا يخفي علي مشتبه من الشعر والنحو، والكلام المنثور، من الخطب والرسائل، ولربما احتجت إلى اعتذار من قلة إلى بعض الأصدقاء، أو التماس لحاجة، فاجعل المعنى الذي أقصده نصب عيني، ثم لا أجد سبيلًا إلى التعبير عنه بما أرتضيه. ولقد بلغني أن عبيد الله بن سليمان ذكرني بجميل، فحاولت أن
[ ٢٢ ]
أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أموري، فأتعبت نفسي يومًا في ذلك، فلم أقدر على ما أرتضيه، فكنت أحاول الإفصاح عما في ضميري فينحرف لساني إلى غيره.
فإذا كان هذا قول المبرد - مع علو منزلته، وارتفاع قدره -، فما ظنك بمن لم يستنشق رائحة هذه الصناعة؟ ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خير وزيادة الأدب على المنطق هجنة. فاعرف ذلك وقس عليه.
ولأجل تجويد الألفاظ وتهذيبها كان الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخطية، والشاعر في القصيدة، بعد الفراغ من معانيها يشتغل بتنقيح ألفاظها، والتأنق في تجويدها، ليدل بذلك على براعته والتقدم في صناعته. ولو كان قصد هؤلاء القوم إفهام المعاني فقط اطرحوها، وربحوا كدًا كبيرًا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبًا زائدًا. فينبغي لمؤلف الكلام حينئذ أن تكون ألفاظه رشيقة لائقة، متصفة بالصفات التي
يرد ذكرها في هذا الكتاب. ويكون معناه صوابًا فيما قصد له. وإذا كان حسن التأليف لا يواتيك، ولا تصل قدرتك إليه وتجد اللفظة لا تقع موقعها، ولا تصير إلى مركزها، ولا تتصل بسلكها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير مواطنها، فإنك إن لم تتعاط صناعة التأليف من المنظوم والمنثور لم يعبك على ذلك أحد. ولو تكلفت ذلك ولم تكن حاذفًا به، ولا محكمًا له استحققت عند ذلك العيب، واستوجبت الذم وجعلت نفسك غرضًا لسهام الملام. وإن كانت قريحتك لا تسمح لك، وتعصي عليك، بعد إجالة الفكر، وإطالة النظر فلا تعجل واترك نفسك في تلك الحالة، ثم عاود أمرك عند نشاطك وفراغ بالك؛ فانك لا تعدم حالة الإجابة من خاطرك، والمواتاة، إن كان لك قلب مجيب. وأعلم إنه ينبغي أن تستعمل في كتابك، إن كنت كاتبًا، مخاطبة كل فريق من الناس، على قدر طبقاتهم في الفهم. والدليل على ذلك أن رسول الله - ﷺ -
[ ٢٣ ]
لما أراد أن يكب إلى أهل فارس، كتب إليهم ما يمكنهم ترجمته، وهو (من رسول الله ﷺ إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإن محمدًا عبده ورسوله، وأني رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم. وإن أبيت فإثم المجوس عليك). ألا ترى كيف سهل الألفاظ غاية التسهيل، بحيث إنها لا تخفى على من له أدنى تشبث باللغة العربية؟ ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب خاطبهم على قدر قوتهم وعادتهم لسماع مثله، فكتب لوائل بن حجر (من محمد رسول الله إلى الأقيال العباهلة أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ على التبعة شاة
[ ٢٤ ]
والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ومن أجبى فقد أربى وكل مسكر حرام).
فانظر أيها المتأمل لهذا الكلام، كيف خاطب هؤلاء القوم بالضد مما خاطب أهل فارس. وليس سبب ذلك إلا ما ذكرناه من مخاطبة كل فريق من الناس على قدر معرفتهم. فاعرف ذلك وقس عليه.
[ ٢٥ ]