في الكلام على المعاني
اعلم أن المعاني على ضربين: أحدهما يبتدعه صاحب الصناعة، من غير أن يكون له فيه إمام يقتدى به، أو رسوم قائمة، في أمثلة يعمل عليها. وهذا الضرب مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الظارئة؛ والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم، ورسم سبق. وينبغي للمؤلف أن يطلب الإصابة في كلا الأمرين، ويتوخى فيها الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة. ولا يتكل فيما يبتكره من المعاني على فضيلة السبق، ولا يغتر بمزية الإبداع، فيتسامح في تهجين صورته. فإنه إذا فعل ذلك ذهب حسنه، وانطمس نوره. ويكون فيه إلى الذم أقرب منه إلى الحمد. وينبغي أن يستيقن المؤلف ويتحقق، أن المعاني أشرف من الألفاظ؛ والدليل على ذلك ما أذكره: وهو أنا لو خلعنا من هذه الألفاظ دلالتها على المعاني، لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، بل كانت بمنزلة أصداء الأجسام والأصوات الناشئة عنها؛ ويزيد ما ذكرناه وضوحًا، أن هذه الصناعة من النظم والنثر، التي يتواصفها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها مراتب البلاغة، إنما هي شيء يستعان عليه بتدقيق الفكرة، وكثرة الروية والتدبر. ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكرة، وينعم فيه النظر، إنما هو المعنى دون اللفظ؛ لأن اللفظ يكون معروفًا عند أرباب صناعة التأليف دائرًا فيما بينهم، والمعنى قد يبتدع؛ فيذكر
[ ٦٨ ]
المؤلف معنى لم يسبق إليه، وذلك إنما يكون تحادثًا عن الفكرة الصحيحة، والطبع
السليم، فإن الذي تخرج فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك هو المعنى. ولهذا كان جماعة المؤلفين يشتركون في معرفة الجيد من الألفاظ، وإنما التفاوت يقع بينهم في المعاني. لأن الألفاظ الجيدة يستعملها جميعهم، ولا يكاد أحدهم يفوت الآخر فيها. وأما المعاني فإنه قد يبتكر المؤلف المعنى من نفسه، وينتحله من ذاته؛ وذلك كثير لا يحصى. فصح من هذا الوجه، أن المعاني أشرف من الألفاظ وأنبل.
واعلم أن شرف المعنى وعلوه، وسقوطه واستفاله، من نتائج علو الهمة وسقوطها. وقد حكي أن أشرف كلام قالته العرب: (القتل أنفى للقتل). ومن المعلوم أن هذا الكلام ليس فيه من الألفاظ البديعة الرائعة ما يرفعه إلى منزلة يكون بها أشرف كلام قالته العرب؛ حتى إنهم جعلوه في مقابلة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة). لا بل في لفظه من الثقل، بسبب تكراره مالا خفاء به. ومع هذا فأنا نجد من كلامهم ما ألفاظه تطرب الأسماع، وتأخذ بمجامع القلوب، وذلك أكثر من أن يحصى، وهو لا يكون بمنزلة قولهم: (القتل أنفى للقتل) فصح حينئذ أن فخامة هذا الكلام، وعلو منزلته، إنما هي لأمر يرجع إلى جلالة المعنى المندرج تحته، وشرف قدره.
وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة، يجعلون همهم مقصورة على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها. وإذا قال أحدهم سجعتين أو ثلاثًا، يعتقد إنه قد أنى بأمر عظيم، فإذا أنكرت هذه الحال عليهم، يقولون: لنا أسوة بالعرب، الذين هم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، فإنهم اعتنوا بالألفاظ، ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءهم بها. ألا ترى إلى جهل هؤلاء القوم، فانهم لم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه من ذلك، حتى إنهم ادعوا أن العرب مثلهم، فصارت جهالتهم جهالتين.
[ ٦٩ ]
ولنذكر هاهنا ما إذا تأمله الناظر في كتابنا هذا عرف ما يوثقه، ويذهب به (في)
الاستحسان كل مذهب فنقول: إن العرب لما كانت تعتني بألفاظها، فتصلحها، وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالنظم تارة بالنثر أخرى، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها وأفخم قدرًا في نفوسها. فأول ذلك عنايتها بألفاظها لأنها (لما) كانت عنوان حاجتها، وطريقًا إلى إظهار أغراضها أصلحوها ورتبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد. ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعًا (لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعًا) لم يأنس به أنسه (في) حالة السجع. فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، ورققوا حواشيها، ونمقوا أطرافها، وصقلوا غروبها، فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وإحكامه، وإنما المبغي بذلك الاحتياط للموعى، لئلا يتغير جوهره، فأنا قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما نجد من طلاوته. وبلادة لفظه تضع من رونقه لسوء العبارة عنه، فإن قيل: إنا نرى من ألفاظهم ما قد نمقوه. وزخرفوه وربجوه، ولسنا نرى مع ذلك تحته معنى شريفًا، فمما جاء منه قول بعضهم:
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسَّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ، ومائه وصقاله، وتدبيج أجزائه!؟ ومعناه مع ذلك ليس مدانيًا له مقاربًا، فإنه إنما هو (لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين، وتحدثنا على ظهور الإبل. . .) ولهذا نظائر كثيرة، شريفة الألفاظ مشروفة المعاني. وفيما أشرنا إليه كفاية
[ ٧٠ ]
للمتأمل. الجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته. وهو أن في قول هذا الشاعر (كل حاجة) مما يستفيد
منه أهل السبب والأهواء والرقة والمقة ما لا يستفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم. ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة، فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به. فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه، يقوله في آخر البيت (ومسح بالأركان من هو ماسح) أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجار في القرية من الله تعالى مجراه، أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت، من التعريض الجاري مجرى التصريح. وأما البيت الثاني فإن فيه (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وفي هذا ما نذكره لتراه فتحجب ممن عجب منه، ووضع من معناه، وذلك إنه لو قال: (أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك) لكان فيه معنى بكيره أهل النسب، وذلك أنهم قد شاع عنهم وانسح في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الألفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين. ألا ترى قول بعضهم:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني جنوبًا فزدني من حديثك يا سعد
وقول الآخر:
وحديثها السحر الحلال لو إنه لم يجن قتل المسلم المتحرِّزِ
فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله: (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وذلك أن في قوله: (بأطراف الأحاديث بيننا) وحيًا خفيا ورمزًا حلوًا؟. ألا ترى إنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من
[ ٧١ ]
التعريض والتلويح والايماه، دون التصريح. وذلك أحلى وأدمث وأغزل، وأنسب من أن يكون كشفًا ومصارحة وجهرًا. وإذا كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب موقعه ولذ سمعه. نعم، في قول هذا الشاعر (وسالت بأعناق المطي الأباطح) من
الرشاقة واللطافة مالا خفاء به فالعرب إنما تحلي ألفاظها وتدبجها، وتوشيها وتزخرفها، عناية منها بالمعاني التي تحتها، أو توصلا بها إلى إدراك مطالبها. فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك.
[ ٧٢ ]