في الحقيقة والمجاز
اعلم أن الحقيقة: هي (اللفظ) الدال على موضوعة الأصلي. وقيل: هي اسم مشترك، يراد به ذات الشيء وحده، ويراد به ما استعمل بازاء موضوعة اللغوي. وأما المجاز: فهو ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، اتساعًا، وقيل: هو ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، بسبب مشابهة بين محل الحقيقة ومحله، في أمر مشهور.
واعلم أن المجاز ينقسم إلى أقسام، وقد أودعنا كتابنا هذا منها ما سنح لنا، وهو أربعة عشر قسمًا: (الأول) ما جعل للشيء بسبب المشاركة في خاصة، كما يقال للبليد حمار، وللشجاع أسد (الثاني) الزيادة في الكلام لغير فائدة كقوله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) فما هاهنا زائدة لا معنى لها أي (فبرحمة من الله لنت لهم) (الثالث) النقصان الذي لا يبطل به معنى الكلام، لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كقوله تعالى (ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا) يريد شخصًا بريئًا. وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله تعالى (واسئل القرية) أي أهل القرية. وللنحاة في ذلك اختلاف. قال سيبويه: إن القياس ممتنع في حذف
[ ٢٨ ]
الموصوف وإقامة الصفة مقامه، فلا يجوز في جاءني رجل طويل (جاءني
طويل) وقال الفارسي وغيره من علماء العربية: القياس جائز في حذف المضاف إليه مقامه. وسيبويه لم ينص في ذلك بشيء. وقال أبو الحسن الأخفش تارة إنه ممتنع، وتارة إنه جائز. والقوي عنده أن لا يقاس، وغيره لا يمنع القياس، (الرابع) تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كقوله تعالى (إني أراني أعصر خمرًا). وإنما كان يعصر عنبًا. (الخامس) تسمية الشيء باسم مجاوره كقوله للمزادة (راوية) وإنما الراوية الجمل الذي يحملها. (السادس) تسمية الشيء بكله كقولك في جواب (ما فعل زيد): القيام. والقيام إنما هو جنس يتناول جميع أنواعه. (السابع) تسمية الشيء بجزئه كقولك لمن تبغضه: (أنعد الله وجهة عني) تريد بذلك عامة جسده. (الثامن) تسمية الشيء بدواعيه كتسميتهم الاعتقاد قولًا نحو قولك (هذا يقول بقول الشافعي) أي يعتقد اعتقاده. (التاسع) تسمية الشيء باسم أصله كقولك للآدمي (مضغة). (العاشر) تسمية الشيء باسم فرعه كقول الشاعر:
وما العَيْشُ إلا نَومةٌ وتَشرُّق وتمر على رأس النخيل وماءُ
فسمى الرطب (تمرًا). (الحادي عشر): تسمية الشيء باسم ضده كقولهم للأسود والأبيض (جون). (الثاني عشر) تسمية الشيء بمكانه كقولهم للمطر (سماء) لأنه ينزل منها. (الثالث عشر) تسمية الشيء بفعله كتسمية الخمر مسكرًا. (الرابع عشر). تسمية الشيء بحكمه كقوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي. . .) الآية.
[ ٢٩ ]
فسمي النكاح هبة. فهذه ضروب المجاز التي وقعت. فاعرفها.
وأما الفرق بينه وبين الحقيقة، فهو أن الحقيقة جارية على العموم في نظائره، ألا ترى أنا إذا قلنا (فلان عالم) علمًا صدق على كل ذي علم واحد صدق على كل ذي علم، بخلاف (واسئل القرية) لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض، لأن المراد أهل القرية، لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال
(واسأل الحجر أو التراب). وقد يحسن أن يقال (واسأل الربع أو الطلل).
واعلم أن كل مجاز فله حقيقة، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز؛ وذلك أن من الأسماء قسمين لا مجاز فيهما:
(الأول) أسماء الأعلام، كأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.
(الثاني) الأسماء التي لا أعم منها، كالعلوم والمجهول والمدلول، وغير ذلك، مما أشبهه.
واعلم إنه قد صار المجاز في تعارف الناس بمنزلة الحقيقة، بل هو أقرب إلى التعريف من الحقيقة، وأولى بالاستعمال منها، وأحق بالافهام؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة، التي هي الأصل، أولى منه حيث هو فرع عليها. ألا ترى أن قوله تعالى (والصبح إذا تنفس) أبلغ من أن يقال (إذا انتشر) لأن التنفس يعطي من الدلالة ما لا يعطيه الانتشار؛ وذلك لما فيه من بيان الروح على النفس، عند إضاءة الصبح، فجعل ظهور الصبح وانتشاره من خلال الليل، شيئًا فشيئًا، كالتنفس؛ لأن أول ما يبدو الصباح ثم ينمي في انتشاره بالتدرج، كإخراج الإنسان نفسه.
واعلم إنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز لمعان ثلاث وهي: الانساع والتشبيه والتوكيد، فإن عدمت هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة؛ فمن ذلك قوله تعالى (وأدخلناه في رحمتنا) الآية. فهذا مجاز، وفيه الأوصاف الثلاثة المذكورة. وأما الانساع فهو إنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا هو الرحمة، وأما التشبيه فإنه شبه الرحمة، وأن لم يصح دخولها، بما يجوز
[ ٣٠ ]
دخوله. وأما التأكيد فإنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة، وذلك تغال بالمخبر عنه، وتفخيم له، إذ صير إلى منزلة ما يشاهد ويعاين. ألا ترى إلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل: (لو رأيتم المعروف لرأيتموه حسنًا جميلًا). وإنما يرغب بأن ينبه عليه، ويعظم من قدره،
فيصور في النفوس، على أشرف أحواله وأعلى صفاته، وذلك بأن يخيل متجسمًا، لا عرضًا متوهمًا.
واعلم أن المجاز إذا كثر لحق بالحقيقة، وذلك أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة فيه، فمن ذلك عامة الأفعال نحو (قام زيد، وقعد عمرو) و(جاء الصيف وانصرف الشتاء). ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية، فقولك (قام زيد) معناه كان منه القيام أي هذا الجنس من الفعل. ومعلوم إنه لم يكن منه جميع القيام، وكيف يكون ذلك وهو جنس مطبق جميع أنواعه من الماضي والحاضر والمستقبل، الكائنات من كل (من) وجد منه القيام؟. فإذا كان الحال كذلك علمت أن قيام زيد مجاز لا حقيقة، وإنما هو على وضع الكل موضع البعض، للاتساع والتوكيد، وتشبيه القليل بالكثير. ويدل على انتظام ذلك في جميع جنسه أنك تعمل في جميع أجزاء ذلك الفعل، فتقول: قمت قومة، وقومتين، ومائة قومة، وقياما حسنًا، وقيامًا قبيحًا، فإعمالك إياه في جميع أجزائه يدل على إنه موضوع عندهم على صلاحيته، لتناول جميعها، ألا ترى إلى قول بعضهم:
وقد يجمَعُ الشَتِيْتَيْنِ بعدما يظُنّان كلَّ الظَنِّ أنْ لا تَلاقيا
فقوله (كل الظن) يدل على صحة ما أشرنا إليه.
وكذلك قولك (ضربت زيدًا) مجاز أيضًا، لأنك إنما لأعلك بعض الضرب لا كله، وإنما ضربت بعضه لا جميعه؛ لأنك قد تضرب يده، أو رجله، أو ناحية من نواحي جسده. ولهذا إذا احتاط الإنسان واستظهر جاء يبدل البعض، فقال (ضربت زيدًا رأسه) ثم هو مع ذلك متجوز، لأنه إنما يضرب ناحية من رأسه، لا رأسه كله. ولهذا يحتاط بعضهم في نحو
[ ٣١ ]
هذا فيقول (ضربت زيدًا جانب وجهه الأيمن). فإذا عرف التوكيد ثم وقع (في) الكلام نحو (نفسه وعينه وكله وأجمع) وما جرى هذا المجرى تحقق منه حال سعة المجاز في هذا الباب. ألا تراك تقول: قطع
الأمير اللص. ارتفع المجاز من جهة الفعل وصرت فيه إلى الحقيقة، لكن يبقى عليك التجوز من جهة أخرى وهو قولك (اللص) وإنما لعله قطع يده أو رجله، فإذا احتطت في ذلك قلت (قطع الأمير نفسه يد اللص أو رجله). وكذلك جاء جميع الجنس، فوقوع التوكيد في هذه اللغة أقوى دليل على شيوع المجاز فيها واشتماله عليها، حتى إن علماء العربية جعلوا له بابًا مفردًا، لعنايتهم به، وكونه مما تمس الحاجة إليه، وأنه لا ينبغي إن يضاع مثله ولا يهمل، كما أنهم جعلوا لكل معنى أهمهم بابًا مفردًا، كالصفة: والعطف، والإضافة، وغير ذلك فاعرفه.
[ ٣٢ ]