وهو فرعان:
الأول إذا كان التكرير في المعنى يدل معنيين مختلفين كدلالته على الجنس والعدد، وهو باب من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير محض، يدل على معنى واحد فقط، وليس كذلك. فمما جاء منه قوله تعالى (وقال الله لا تتخذوا إلهْين اثنين إنما هو إله واحدٌ) ألا يرى أن العرب إنما جمعت بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا (عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة) لأن المعدود عار من الدلالة على العدد المخصوص، فأما (رجل ورجلان وفرس وفرسان) فمعدودان. فالفائدة إذن في قوله تعالى: (إلهين اثنين وإله واحد) وهو أن الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية (يدل) على الجنسية والعدد المخصوص،
[ ٢٠٩ ]
فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به واحد منهما وكان الذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع
بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت (إنما هو إله) ولم تؤكده بواحد لم يحسن، وخيل إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية. وهذا باب من تكرير المعاني وعر المسلك دقيق المغزى وبه تحل مشكلات من التكرير فاعرفه.
ومن هذا النحو إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين: أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) الآية. فإن الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير، لأن الأمر بالمعروف خاص والخير عام. فكل أمر بالمعروف خير وليس كل حير أمرًا بالمعروف؛ لأن الخير أنواع كثيرة، من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير هنا أنه ذكر الخاص بعد ذكر العام، للتنبيه على فضله كقوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) الآية. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها.