وهو الإضمار على شريطة التفسير
وذلك حذف الجملة من الكلام إذا كان ما بعدها يدل
[ ١٢٥ ]
عليها، وفيها من دقيق الصفة، وجليل الفائدة، ما لا خفاء به، فمما جاء منه قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره الإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين). تقدير الآية (أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه) ويدل على المحذوف قوله (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله). ومن ذلك قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). تقديره (لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق من بعده). ويدل على المحذوف (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). ومن هذا الضرب حذف العلل كقوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله
آية للناس ورحمة منا وكان أمرًا مقضيا). (ولنجعله) تعليل معلله محذوف أي وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، ونبين به أثر قدرتنا الباهرة. ومن الإضمار على شريطة التفسير حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة كقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم). فمفعول شاء هاهنا محذوف وتقريره: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). الآية. ومن هذا الضرب قول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحةَ حاتم كرمًا ولم تهدم مآثر خالد
فالأصل في ذلك (لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها) فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني، فإن الواجب في حكم البلاغة أن لا تنطق بالمحذوف، ولا تظهره إلى اللفظ، ولو أظهرته لصرت إلى كلام غث ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا
[ ١٢٦ ]
موقوفة غير معداة إلى شيء، كثير شائع بين البلغاء، ولقد تكاثر هذا الحذف في (شاء وأراد) حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب نحو قوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق ما يشاء) الآية. وعلى هذا الأسلوب جاء قول الشاعر:
ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
فلو كان على حد قوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) لوجب أن يقول: لو شئت لبكيت دمًا، ولكن ساحة الصبر أوسع، ولكنه ترك تلك الطريقة، وعدل عنها إلى هذه، لأنه أليق في هذا الكلام خصوصًا وسبب حسنه إنه كان بدعًا عجيبًا، أن يشاء الإنسان أن يبكي دمًا، فلما كان مفعول المشيئة أمرًا عظيمًا، وبدعًا غربيًا كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر. فاعرف ذلك.