فيما زاد معناه على لفظه
ويسمى هذا الضرب (الإيجاز بالقصر)، والقرآن الكريم ملآن من ذلك، كقوله
[ ١٤٣ ]
تعالى (من كفر فعليه كفره) كلمة جامعة لما لا غاية وراءه ولا أمد فوقه من المضار، لأن من ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة، وكذلك قوله تعالى (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي. . .) إلى قول (. . . وما هدى) فقوله تعالى (فغشيهم من اليم ما غشيهم) من جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة. أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، ولا يحيط به غيره، وعلى نحو من ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية فإن هذه الآية من أجمع آية في القرآن الكريم، وقيل إن النبي - ﷺ - قرأها على الوليد بن المغيرة فقال له: (يا ابن أخي أعد) فأعاد النبي - ﵇ - قراءتها عليه. فقال له (إن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة وان أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر). ومن هذا الضرب أيضًا قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فإنها ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء. وأما قوله تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فإنه قد جمع في جميع مكارم الأخلاق، لأن في
الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الريبة، وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات) وغير ذلك من أشياء لا تحصى. وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وغيرهما. وقد قال بعض الأعراب في الدعاء: (اللهم هب لي حقك وأرض عني خلقك). ألا ترى إلى هذه الكلمات (و) ما حوت من المعاني
[ ١٤٤ ]
الكثيرة من العفو عن الزلل، والتجاوز عن الذنب، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى. وأما إرضاء الخلق فينطوي على أشياء طائلة لا يستغرقها الذكر.
ومن ذلك قوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) فإنه أدخل تحت الأمن جميع المخوفات، لأنه نفى به أن يخافوا شيئًا من الفقر والموت وزوال النعمة ونزول النقمة، وأضاف ذلك من أضاف المكاره.
وسمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يقول لآخر: كفاك الله ما أهمك. فقال: هذه البلاغة. فاعرف ذلك.
واعلم أن الأصل المعتبر في الإيجاز بالقصر أنك تذكر شيئًا يقع على محتملات متعددة، ألا ترى إلى قوله (تعالى): (فغشيهم من اليم ما غشيهم). وقوله تعالى: (إن الله بأمر بالعدل والإحسان. . .). الآية، وقوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر). وقوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقوله تعالى: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). فإن هذه الآيات جميعها جارية في المنهاج الذي أشرنا إليه، من أنك تذكر شيئًا يقع على محتملات متعددة، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة.
ومن الإيجاز بالقصر باب يسمى (باب أفعل)، وهو التفضيل بين شيئين لا يشتركان في الصفة التي يفضل بها أحدهما على الآخر. فمن ذلك قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا). إلى قوله: (وخير مردًا) فقوله، (خير عند ربك ثوابًا) من مفاخرات الكفار، وإنما قال (خير ثوابًا) وقد علم أن مفاخرات الكفار ليس لها
[ ١٤٥ ]
ثواب حتى يجعل ثواب الصالحات خيرًا منه، لأن ذلك على طريقة قولهم: تحية بينهم ضرب وجيع.
فكأنه قال: ثوابهم النار ثم بني عليه (خير ثوابًا). وفي ذلك ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له (عقابك النار). فإن قيل: فما وجه التفضيل في الخير بين مفاخرات الكفار وثواب الصالحات؟ قلت: هذا من أوجز كلام العرب. ومثله قولهم (الصيف أحر من الشتاء). أي أبلغ في حره من الشتاء في برده. وهذا جائز، لأن الحر لا شك تتفاوت درجاته، فيكون بعضها أشد من بعض، وكذلك البرد أيضًا، فتقول العرب (الصيف أحر من الشتاء) أي إن حر الصيف في بابه أبلغ من برد الشتاء في بابه، مثال ذلك: أن حر الصيف قد بلغ أنهى درجاته، بل يكون قد بقى بينه وبين نهاية البرد درجة أو درجتان، فيكون حر الصيف بالنسبة إلى أصل الحر أبلغ من برد الشتاء بالنسبة إلى أصل البرد. وهذا مثل قولهم (العسل أحلى من الخل) وليس في الخل حلاوة حتى تفضل حلاوة العسل عليها، وإنما المعنى في ذلك كالمعنى في الآية الأولى. . . وأمثال هذا كثيرة، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع منه، كقوله تعالى في سورة الفرقان: (وإذا ألقوا منها مكانًا ضيقًا مقرنين، دعوا هنالك ثبورا. . .) إلى قوله (. . . جزاء ومصيرًا) وقد علم أن جهنم ليس فيها خير حتى يجعل الجنة خيرًا منها، بل هي شر محض، وعذاب لا خير فيه.
والأصل في هذه الآية ما أشرنا إليه أولًا. . . فاعرفه إن شاء الله - تعالى -.