اعلم أنا لم نرد بالتقسيم هاهنا ما تقتضيه القسمة العقلية كما يذهب إليه المتكلمون؛ فإن القسمة العقلية تقتضي أشياء مستحيلة، كما قالوا (الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة. أو لا مجتمعة ولا مفترقة. أو مجتمعة مفترقة معًا. أو بعضها مجتمعة، وبعضها مفترقة). ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل لاستيفاء الأقسام جميعها، وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده، فإن
الشيء لا يكون مجتمعًا مفترقًا في حالة واحدة، وإنما تريد نحن بالتقسيم هاهنا ما يقتضيه المعنى، مما يمكن وجوده؛ وهو أن يأتي المؤلف إلى جميع أقسام الكلام المحتملة فيستوفيها، غير تارك منها قسمًا واحدًا. فمن ذلك قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه لا يخلو العالم من هذه الأقسام الثلاثة: أما عاص ظالم لنفسه وإما مطيع مبارد إلى الخيرات وإما مقتصد بينهما، وهذا من أصح التقسيمات وآكملها، فاعرفه.
ومن هذا النحو قوله تعالى (وكنتم أزواجًا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون) الآية. وأعلم أن هذه الآية مماثلة في
[ ٢١٨ ]
المعنى لما سبق ذكره، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم. وأصحاب الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون بالخيرات. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعا). ألا ترى إلى بداعة هذه القسمة؟ فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لهم ثالث.
وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة المنتصبين في صدرها يعجبون يقول بعض الأعراب في هذا المعنى، ويقولون إن ذلك من أصح التقسيمات وهو قوله (النعم ثلاث: نعمة في حال كونها نعمة ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة. فأبقي الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه). فقالوا إنه ليس في أقسام النعم التي يقع الانتفاع بها قسم رابع سوى ما ذكره الأعرابي. وهذا القول فاسد؛ وهو أن في أقسام النعم التي قسمها هاهنا نقصًا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فإما النقص فإغفاله ذكر النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد النعمة المستقبلة: التي تأتي غير محتسبة، وهذا خطأ لأن النعمة
التي تأتي غير محتسبة هي داخلة في قسم المستقبل، وذلك أن النعمة المستقبلة تنقسم إلى قسمين: أحدهما يرجى حصوله ويتوقع بلوغه، والآخر لا يحتسب ولا يشعر بوجوده، فقوله (ونعمة تأتي غير محتسبة) يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل في جملته، ولو قال (ونعمة مستقبلة) من غير أن يقول (ونعمة تأتي غير محتسبة) لكان قوله كافيًا، إذ النعمة التي ترجى والنعمة التي لا يحتسب تدخلان تحت قسم المستقبل. وكان ينبغي أن يقول (النعم ثلاث نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها). ألا ترى لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب، فافهم ما ذكرناه وقس عليه.
ووقف أعرابي على مجلس الحسن فقال: (رحم الله من أعطى من سعة أو واسى من كفاف أو آثر من قلة). فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرًا؛ فانصرف الأعرابي بخير كثير.
[ ٢١٩ ]
ومن هذا الضرب ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه وذلك أنه أخذ على جميل قوله:
لو أن في قلبي كقدر قُلامةٍ حُبًا وَصَلْتُكِ أو أتتكِ رسائلي
فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل. وليس الأمر كما وقع له، فإن (جميلًا) أراد به (وصلتك) أي أتيتك زائرًا أو قاصدًا أو (كنت راسلتك مراسلة). والوصل لا يخرج عن هذين القسمين إما رسالة وإما زيارة.
ومن أعجب ما شاهدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وهو قول العباس بن الأحنف:
وصاُلكم هجرٌ وهجركم قِلىً وعطفكمُ صدٌّ وسلمكمُ حربُ
ثم روى المشار إليه عن أبي القاسم الآمدي - رحمة الله - أنه قال إن بعض نقدة الكلام من البلغاء لما سمع هذا البيت قال: (والله هذا أحسن من تقسيمات إقليدس).
[ ٢٢٠ ]
ومن العجب كيف ذكر الغانمي ذلك في كتابه وفاته النظر فيه مع تقدمه في هذه الصناعة. وأعجب من ذلك قول أبي القاسم الآمدي، وأعجب منهما جميعًا استحسان ناقد الكلام لهذا التقسيم، ألا ترى أن هذا البيت قد بني عليه شيء آخر من جنسه فانه لو أضيف له بيت غيره فقيل:
ولِينكمُ عُنفُ وقُرْبُكم نوىً وإعطاؤكمَ منعُ وصِدقكمُ كذِبُ
لجاز ذلك وربما يحتمل أن بزاد على هذا البيت الثاني بيت ثالث ورابع، ولو كان ذلك التقسيم في البيت الأول صحيحًا لما احتمل أن يضاف إليه شيء آخر البتة، لأن من شرط صحة التقسيم أن لا يحتمل الزيادة.
ومما جاء على نحو من هذا قول بعضهم في حق مكسورين في الحرب، (فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه). فإن الجريح قد يكون هاربًا، والهارب قد يكون جريحًا، ولو قال (فمن بين قتيل ومأسور وناج) لصح له التقسيم لأن المكسورين في الحرب، الذين دارت عليهم الدائرة، لا يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة، فأما قتيل أو مأسور أو نازح، وأما الجريح فإنه يدخل في جملة الناجي، والمأسور، لأن كلًا منهما يجوز أن يكون جريحًا أو أن لا يكون، فاعرف ذلك، وقس عليه.