في الحذف الذي يوجب الإخلال في الكلام
وذلك ما يحذف من أصل اللفظ وهو إسقاط بعض حروفه. ولا يحسن استعماله في
التأليف لكنه يجوز؛ لأن العرب قد أوردته في أشعارها واستعملته في كلامها، فحذفت بعض الألفاظ استخفافًا حذفا يخل بالباقي ويعرض له بالشبهة. ألا ترى إلى قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف مفدم بسبا الكتان ملثوم
فقوله (. . . بسبا الكنانة) يريد (بسبائب الكتان) وكذلك قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان.
أراد (المنازل) وعلى نحو من هذا جاء قول أبي دؤاد:
يُذْرْينَ جَندَلَ حائرٍ لجنوبها فكأنما تذكي سنابكها الحُبا
أراد (الحباحب).
[ ١٤١ ]
وهذا وأمثاله قليل جدًا فاعرفه. وإياك، أيها المؤلف، أن تستعمله في كلامك وإن كان كان جائزًا. وقد ورد في أشعار العرب مثله.
وأما القسم الثاني من النوع الرابع فهو الإيجاز من حذف؛ وذلك ضربان: الأول ما يساوي لفظه معناه ويسمى التقدير؛ فمما جاء منه قوله تعالى: (قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه. . .) إلى (يقض ما أمره). فقوله: (قتل الإنسان) دعاء عليه. وقوله: (ما أكفره) تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله - ﷿ -. ولا ترى أسلوبًا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أحسن متناولا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه. ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال تعالى: (من أي شيء خلقه، من نطفة خلقه فقدره). إي هيأه لما يصلح له (ثم السبيل يسره) أي سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، والسبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر. والأول أولى، لأنه تال لخلقته وتقديره. ثم بعد تيسيره سبيله لما يختار من طريقي الخير والشر. (ثم أماته فأقبره) أي جعله ذا قبر يواري فيه. (ثم إذا شاء أنشره)
أي أحياه. (كلا): ردع للإنسان عما هو عليه (لما يقض ما أمره) أي لم يقض، مع تطاول زمانه، ما أمره الله - ﷿ - يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط.
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف جزءًا من أجزائه لما قدرت على ذلك؟ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه، ويختل عليك نظمه؛ فإن أسقطت الجملة الأولى التي هي صدر الكلام زال معنى الدعاء عليه، وإن أسقطت الجملة الثانية، زال معنى التعجب من كفران نعمة ربه. وإن أسقطت الحملة الاستفهامية، أو غيرها زال ما تضمنته من المعاني التي لولاها لما كان، فاعرف ذلك.
ومن هذا الضرب قول علي بن جبلة:
[ ١٤٢ ]
وما لامرئ حاولته عنك مهربٌ ولو حملته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
فهذا هو الكلام، الذي ألفاظه وفاق معانيه. فإنه قد اشتمل على مدح رجل، (في) شمول ملكه، وعموم سلطانه، وأن لا مهرب عنه لمن يحاوله وان صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب، في المشارق والمغارب، فأشار إلى إنه يبلغ حيث يبلغ الضياء والظلام، وذلك مما لم ترد عبارته على المعنى المندرج تحته ولا قصرت عنه.
ومن هذا النحو ما جاء في كتاب النوادر. قول بعضهم:
ما أقرب الأشياء حين يسوقها قدر وأبعَدَها إذا لم تقدر!
فسل اللبيب تكن لبيبًا مثله من يسع في علم باب يمهر
وتّدير الأمر الذي تعنى به لا خير في عمل بغير تدير
فلقد يَجدُّ المرءُ وهو مقصر يخيب سعيُ المرء غيرَ مقصر
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكلَّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضًا ليدفع مُعْوِر عن معور
فهذا النمط الرضي، والكلام العلي، والمنهج القويم، والصراط المستقيم تروقك بهجته، إذا قرع سمعك، ويؤنسك إذا سكن قلبك، قد رقي درجات الإيجاز، إلى أن يكاد ينزل بساحة الإعجاز، وأمثال ذلك كثير في كلام البلغاء، وفيما ذكرته كفاية ومقنع.