وهو حذف الشرط وجوابه
فأما حذف الشرط فنحو قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة، فإياي فاعبدون). ألا ترى أن الفاء في قوله: (فاعبدون)، جواب شرط محذوف؛ لأن المعنى: أن أرضي واسعة، فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرضي فأخلصوها في غيرهما، ثم حذف الشرط، وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه
ففدية) أي فحلق فعليه فدية، وكذلك قولهم: (الناس مجزبون بأعمالهم إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًا فشرا) أي (إن) فعل المرء خيرًا جزي خيرا، وإن فعل شرا جزي شرا. ومن حذف الشرط قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون). اعلم أن هذه الفاء في قوله تعالى (فهذا يوم البعث) هي الفاء التي في قول الشاعر:
. . . فقد جئا خراسانا
[ ١٣٣ ]
وحقيقتها أنها جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، كأنه قال: (إن صح ما قلم أن خراسان أقصى ما يراد بنا، فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص). وكذلك هذه الآية يقول تعالى: (إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث) أي قد تبين بطلان قولكم. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفه.
وأما حذف جواب الشرط، فكقوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. . .) إلى قوله: (. . . الظالمين). فإن جواب الشرط هاهنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، ألستم ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) وأمثال هذا كثيرة، وهو ضرب من علم البيان، تتوفر لطائفه، فاعرفه.