إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد
والمراد به غرض واحد كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء) إلى قوله: (. . . لمبلسين) فقوله (من قبله) بعد قوله (من قبل) فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اهتمامهم.
ومثل من قوله تعالى (فكان عاقبتهما أنَّهما في النار خالدين فيها) وكذلك قوله تعالى (ولا تحْسَبنَّ الذين يفرَحون بما أتَوْا ويُحْمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم
[ ٢٠٦ ]
بمفازة من العذاب، ولهم عذاب أليم) ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيلَ الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار) فإنه إنما كرر نداء قومه هاهنا لزيادة التنبيه لهم، والإيقاظ من سنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم كمن الضلال، وهو يعلم وجه صلاحهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يَتَحزَّن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك أن لا يتهموه، فإن سرورهم سرور وغمهم غمه وإن لم ينزلوا على نصيحته لهم. وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأشد موقعًا من الاختصار، فاعرفه.
وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر (فذوقوا عذابي ونذُري) وقوله (ولقد يسّرنا القرآن للذكر فَهَل من مُدّكِر) فإنه تكرر ذلك في السورة كثيرًا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبيهًا واستيقاظًا، إذ سمعوا الحث على ذلك، والبعث إليه وأن تقرع لهم العصا مرات، لئلا يغلبهم السهو، وتستولي عليهم الغفلة.
وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن - جل وعلا - (فبأي آلاء ربكما تكذبان) وذلك عند ذكر كل نعمة عددها على عباده، وأمثال ذلك في القرآن
الكريم كثيرة فاعرفها.