اعلم أن هذا باب غامض، متعذر على الوالج، ومسلك وعر، مستصعب على الناهج. ولم يزل الناس من قديم الوقت، وهلم جرًا، يتهافتون على الخوض فيه، والغوص عليه، وهم مع كثرة طلبهم لمعرفته، وتوفر حرصهم على الإحاطة به، لا يظفرون منه إلا كنغبة طائر أو قطرة من بحر زاخر. وقد قال بعض المصنفين من العلماء: (لم أزل منذ خدمت أهل العلم، انظر فيما قالوه في معنى الفصاحة والبلاغة، وأستكشف عن المعنى في ذلك، فلا أجد إلا كالرمز والاشارة، ولا أقف فيه على قول شاف، ولا كلام كاف. فلما رأيت الأمر كذلك، علمت إنه لا يكفي في معرفة هذا العلم العظيم، الذي كان به إعجاز القرآن الكريم، قول مهمل، ولا كلام مجمل. بل لا تتم معرفته حتى يفصل فيه القول، ويدل على الخصائص التي تأتي في تأليف الكلام، ويوضح إيضاحًا جليًا من غير مغادرة لشيء من ذلك، حتى تكون المعرفة بهذا العلم كمعرفة الصانع الحاذق، الذي يعلم كل هدبة منسوجة من الابريسم في الثوب الديباج، وكل حجر من الأحجار الداخلة في البناء، فأنك إذا نظرت إلى هذا العلم الشريف احتجت عند ذلك إلى طول مكث وتدبر، وكثرة تأمل وتفكر، والى همة تأبى أن تقنع إلا بأعلى المنازل، وأسمى المراتب. ومتى جشمت
[ ٧٦ ]
نفسك حول هذا المرام البعيد، وكلفتها صعود هذا المرمى النازح، فقد أممت أمرًا عظيمًا، وتعرضت لخطب جسيم) وفقنا الله وإياكم لمواقع الصواب.
ولنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ذكر الفصاحة والبلاغة، والكشف عن حقيقتها واختصاصهما، فنقول: اعلم أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: الظهور والبيان؛ يقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه وأسفر، وأفصح فلان عما في نفسه: إذا أظهره، وإنما سمي اللفظ فصيحًا لأنه يبين المقصود، ويوضح المعنى المندرج تحته.
والفصاحة: اسم عام يشمل المفرد من اللفظ والمركب، وإنما كان الأمر كذلك لأن واضع اللغة إنما وضع الألفاظ مفردة لا مركبة، فالفصاحة شملت أولا المفردة، وإذا شملت المفردة فمن الضرورة شمولها للمركبة؛ لأن المركبة مجتمعة من المفردة. وكل مركب كانت أجزاؤه ذات صفة هي فيها متساوية فتلك الصفة تعمه لا محالة.
واعلم أيضًا أن الفصاحة أمر إضافي كالحسن والقبح. والكلام الفصيح ليس كلامًا مخصوصًا بعينه، بل كل من فهم كلامًا وعرفه فهو فصيح بالنسبة إليه، ظاهر عنده، وواضح لديه. ومما يقوي هذا القول، أن اللفظ الذي لا نعده نحن في زماننا هذا فصيحًا، ونكرهه مشتهرًا. ولولا ذلك لما أوردوه في كلامهم، فإن معظم أشعار العرب ومن يليهم من المحدثين مشحونة ومملوءة منه. ولو استعمل في زماننا هذا لاستنكر واستبشع، وحكم على قائله بالجهل والتعسف. ورأينا أبا محمد بن سنان الخفاجي قد قال في كتابه: إن الفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ. ثم إنه قسم الشروط إلى قسمين، أحدهما يوجد في اللفظة المفردة، والآخر يوجد في الألفاظ المركبة، وجعل ما يختص باللفظة المفردة منقسمًا إلى ثمانية أقسام، كتباعد مخارج
[ ٧٧ ]
الحروف، وأن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة، وغير ذلك مما أورده وذكره في كتابه. وفي هذا نظر وقفنا عليه الفكر والروية، وذلك إنه قد جعل
صفات اللفظة التي تكون بها ذات مزية وحسن هي الفصاحة، وخالف بذلك نص العرب، لأنهم قالوا: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر الواضح، ولم يقولوا: إنه المتباعد مخارج الحروف، ولا الذي ليس وحشيًا ولا متوعرًا، ولا غبر ذلك مما ذكره أبو محمد بن سنان. ولهذا تطرق إلى كلامه الخلل، وذاك إنه نقل الفصاحة عن حقيقتها التي وضعت لها في أصل اللغة، بأن علقها على هذه الشروط التي ذكرها، وجعل وجودها موقوفًا على وجود تلك الشروط، و(إذا نقص) بعضها لا تكون فصيحة وحقيقتها أن تكون فصيحة، وهذا من أعجب الأشياء فليتأمل.
وأيضًا فإن أبا محمد بن سنان قد ذكر في كتابه، من جملة الأقسام الثمانية، قسمًا وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى بكره ذكره، فإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، كقول عروة بن الورد:
(و) قلت لقوم في الكنيفِ تروَّحوا عشية بتنا عند ما وانِ رُزّحِ
قال (الكنيف) أصله الساتر، ومنه قيل للترس (كنيف) غير إنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهر بها فأنا اكرهه لذلك. هذا حكاية كلام أبي محمد بن سنان الخفاجي. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا كان قد جعل الفصاحة مقصورة على الألفاظ فكيف عاد نقص ما ادعاه بهذا القول، فإنه إنما أنكر من هذه اللفظة التي هي الكنيف ما تضمنته من المعنى فقط. وإلا فإذا اعتبر لفظها ومخارج حروفها، من غير نظر إلى المعنى المندرج تحتها، لم يوجد لها قبح ولا كراهة، لأن مخارج الحروف التي تألف منها متباعدة، فمخرج الكاف
[ ٧٨ ]
دون مخرج القاف الذي هو من أقصى اللسان، ومخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا السفلى، ومخرج الياء من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، ومخرج الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا. ومع هذا فإذا نقلت هذه اللفظة التي قد استقبحت هاهنا، إلى موضع آخر صار ذلك القبح حسنًا كقولك: (أنا في
كنف فلان) أي في ذراه، وتحت ظله. فصح حينئذ من فحوى كلام أبي محمد بن سنان إنه نقض ما ادعاه أولًا، من أن الفصاحة نعت للألفاظ، بما ذكرناه من شروطها الثمانية، التي من جملتها هذا القسم المأخوذ عليه، وهو مما يختص بالمعنى دون اللفظ، وتناقض كلام مثل ذلك الإمام المشهور في هذه الصناعة عجيب. عصمنا الله وإياكم من الزلل وهدانا إلى طريق الصواب.
وأما البلاغة، فإن أصلها (في) وضع اللغة: الوصول والإنهاء، يقال: بلغت المكان إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء: منتهاه. وسمي الكلام بليغًا من ذلك، أي إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. وذلك أن له أوصافًا ثلاثة يعرف بها، فمتى عري من واحد منها نقص عن درجة البلاغة، فلا يسمى بليغًا، وهي أن يكون معناه مقيدًا، ويكون لفظة فصيحًا، ويكون غير زائد على المعنى المندرج تحته، فيلزم على هذا أن يكون كل كلام بليغ فصيحًا وليس كل كلام فصيح بليغًا.
واعلم أن البلاغة نعم الكلام مركبًا لا مفردًا، وإنما كانت كذلك لأن المفرد لا يكون مفيدًا، وما ليس بمفيد فلا يسمى بليغًا.
وأيضًا فإن اللفظة المفردة برأسها، إذا وردت في الكلام لا يراد بها إلا معنى واحد من غير زيادة. (و) في الكلام ما يزيد معناه على لفظه، وذلك إنما يكون مركبًا لا مفردًا.
وأما اختصاص الفصاحة والبلاغة، فإن أبا محمد بن سنان الخفاجي ذكر ذلك في كتابه فقال: إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفًا للألفاظ مع
[ ٧٩ ]
المعاني. ثم إنه لم يورد على ذلك دليلًا بل أجمل القول فيه كما قد ذكرناه. فإن هذا حكاية لكلامه بعينه. فلما وقفنا نحن على ما أومأ إليه، سنح لنا في أثنائه دليل، وهو أنا نقول: قد ثبت لنا أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: الظهور والبيان، والفصيح: هو الظاهر، وهو اسم فاعل من فصح مطرد في بابه،
يقال: (كرم فهو كريم) و(ظرف فهو ظريف) و(وشرف فهو شريف) و(فصح الكلام فهو فصيح) وكذلك ما جرى هذا المجرى. فوزن فعيل: هو اسم فاعل من (فعل)، وهذه قاعدة مستمرة في ذلك.
وقد ثبت لنا أيضًا، أن المعنى لا يكون مظهرًا لنفسه، ولا موضحًا عن ذاته، إذ المعاني جميعها قائمة بالنفس، وإنما اللفظ يظهرها ويبينها فهو إذا فاعل البيان والإيضاح، وهذه أيضًا قاعدة مسلمة، لا خلاف فيها بحال من الأحوال. فلما كان اللفظ هو الفاعل للبيان والإيضاح، وكان الفصيح اسم فاعل من فصح، أي بان واتضح، وجب حينئذ أن يكون اسمًا للفظ، مختصًا به. فاعرف ذلك.
فإن قيل: القياس يقتضي أن الدليل الذي أوردته في الفصاحة يلزمك في البلاغة مثله، وهو أن وزن (بليغ) مثل وزن (فصيح) فكما أن فصيحًا اسم فاعل، كذلك يكون (بليغًا) أيضًا اسم فاعل، وإذا كان اللفظ فاعلًا للفصاحة فاختصت به، كذلك يكون اللفظ فاعلًا للبلاغة فيجب اختصاصها به.
الجواب عن ذلك أنا نقول: أما قولك: القياس يقتضي أن تكون البلاغة مختصة باللفظ، كما أن الفصاحة مختصة به، لتساوي البلاغة والفصاحة في الدليل الذي أوردناه من حيث إن بليغًا وفصيحًا على وزن واحد فإن هذا الذي ذكرته قياس وارد، ولكن من وجه، وذلك أنا نحن لم نستدل على أن الفصاحة تخص اللفظ بوزن (فعيل) الذي هو اسم الفاعل فقط، وإنما استدللنا على أن الفصاحة تخص اللفظ من حيث كان أصلها في وضع اللغة الظهور والبيان. وانضاف إلى ذلك أنها على وزن (فعيل) الذي هو اسم فاعل من (فعل) نحو (فصح)
[ ٨٠ ]
فهو (فصيح). فلما صح لنا هذان الأمران، ثبت لنا من مجموعها ما ادعيناه: من أن الفصاحة تخص اللفظ كما أريناك.
وأما البلاغة فلو كان أصلها في وضع اللغة (الظهور والبيان) كما هو أصل
الفصاحة، لصح لك ما ذكرته من الاعتراض. وإنما أصلها في وضع اللغة (من الوصول والانتهاء) لا غير، وعلى أصلك أيها المعترض فينبغي أن يكون كل ما هو على وزن (فعيل) مختصًا باللفظ نحو (شرف فهو شريف) و(ظرف فهو ظريف) و(كرم فهو كريم) وأمثال ذلك مما جرى هذا المجرى فالشرف إذا مختص باللفظ، وكذا الظرف والكرم، وهذا من أعجب الأشياء، فليتأمل.
وأيضًا، فقد بينا أن للبلاغة أو صافًا ثلاثة، لا يسمى الكلام بليغًا إلا بمجموعها. ومتى عري من واحد منها فليس ببليغ. فالأول منها يتعلق بالمعنى، وهو الإفادة. والثاني يتعلق باللفظ والمعنى كليهما، وهو أن يكون اللفظ غير زائد على المعنى. والثالث يتعلق باللفظ وهو الفصاحة، لأن الكلام لا يطلق عليه اسم البلاغة حتى يكون فصيحًا. فالفصاحة إذا شرط في البلاغة لا تتم إلا به. فلما كانت الحال كذلك وجب أن تعم البلاغة اللفظ والمعنى معًا.
وأما الفصاحة فليست كذلك؛ لأنها محض إبانة ووضوح فقط، وذلك يتعلق باللفظ بموجب الدليل الذي قدمنا ذكره. فتدير ما أشرنا إليه، وتصفح مطاويه، وفي ذلك كفاية.
[ ٨١ ]