(الالتفات) الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، يفعل ذلك على عادة العرب في افتنانهم في الكلام، وفيه فوائد كثيرة، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه، من أجراته على أسلوب واحد، وليس يفعل ذلك اتساعًا فقط بل لأمر أعلى، ومهم من الغرض أعنى، فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم
[ ٩٨ ]
ولا الضالين). هذا رجوع (من) الغيبة إلى الخطاب. ومما يختص به هذا الكلام من الفوائد، إنه ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من الربوبية العامة، والملك الخاص، فعلم العالم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالخضوع له، والاستعانة في المهمات به فخوطب ذلك المعلوم الموصف بتلك الصفات فقيل: إياك نعبد يا من هذه صفاته، أي تخص بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على العبادة، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فإن قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) بعد قوله (الحمد لله رب العالمين) ليس العدول فيه من الغيبة إلى الخطاب اتساعًا إنما عدل إليه لفائدة حسنة، وذلك أن الحمد لله دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده. فلما كان الحال كذلك استعمل لفظ (الحمد) لتوسطه مع الغيبة في الخير، فقال: (الحمد لله) ولم يقل (لك)، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال (إياك نعبد) فخاطب العباد إصراحا بها، وتقربا منه - عز اسمه - بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو من ذاك جاء آخر السورة فقال (صراط الذين أنعمت عليهم) فأصرح بالخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (غير الذين غضب عليهم) لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب قال (غير المغضوب عليهم) فجاء باللفظ منحرفًا به عن ذكر الغضب، فأسند النعمة إليه لفظًا، وزوى عنه ذكر الغضب تحسنًا ولطفًا، فانظر إلى هذه اللغة الشريفة وتناسب هذه المعاني اللطيفة التي الأقدام (لا) تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها صافحة عنها.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إذا) فقوله (لقد جئتم) وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة زيادة تنكيل عليهم، بالجرأة على الله - ﷿ -
[ ٩٩ ]
والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم، على عظم ما قالوه. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فقوله - عز اسمه - (هو الذي يسير كم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) ألا ترى كيف صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة؟ وإنما فعل ذلك لفائدة، وهو إنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم والتقبيح، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها. وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة. وليس ذلك بخاف عن (عارف) هذا الكلام فاعرفه.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون). الأصل في تقطعوا (تقطعتم) عطفًا على الأول إلا إنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما
ارتكب هؤلاء في دين الله، فجعلوا أمر دينهم إلى ما بينهم قطعًا، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتياينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا قوله تعالى (يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السموات والأرض فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) الآية فإنه إنما قال (فآمنوا بالله ورسوله) ولم يقل: فآمنوا بالله ربي، حيث قال أولًا: إني رسول الله إليكم، لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع (له) هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته، كائنًا من كان أنا أو غيري،
[ ١٠٠ ]
إظهارًا للنصف، وبعد عن التعصب لنفسه، فقرر أولًا في صدر الآية، بأنه رسول إلى الناس، وأثبت ذلك في أنفسهم، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين كبيرين قد ذكرتهما.
الضرب الثاني: الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، يفعل ذلك تعظيمًا لحال من أجري عليه فعل الأمر. فمما جاء منه قوله تعالى (يا هود ما جئتنا ببينه وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) ولم يقل (وأشهدكم) ليكون موازنًا له وبمعناه، لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت في معنى يثبت التوحيد، ويشد معاقده. وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول، لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر؛ كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد علي إني أحبك. تهكمًا به واستهانة بحاله. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
الضرب الثالث: الرجوع من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع، ومن خطاب الجمع إلى خطاب الواحد.
فمن ذلك قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتًا. واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين). ألا ترى إلى هذا المعنى والتوسع في الكلام فإنه نوع الخطاب، فثنى ثم جمع ثم وحد، فخاطب موسى وهارون - ﵉ - بالنبوة والاختيار، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء. ثم ساق الخطاب لهما ولقومهما باتخاذ المساجد،
[ ١٠١ ]
وإقامة الصلاة، كأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى - صلوات الله عليه - بالبشارة التي هي الغرض، تعظيمًا له وتفخيمًا لا مره، ولأنه الرسول على الحقيقة.
ومن هذا النحو قوله تعالى: حكاية عن حبيب النجار (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) هذا عدول عن خطاب الواحد، إلى خطاب الجماعة. وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأن أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، ليلطف بهم، ويداريهم، ولأن ذلك دخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: (ما لي لا أعبد الذي فطرني) مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله (وإليه ترجعون) ولولا إنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال (تعالوا إني آمنت بربكم فاسمعون) يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه، لأن العبادة لا تصح إلا لمن مبتدؤكم، وإليه مرجعكم.
فانظر أيها المتأمل لكتابنا هذا، إلى هذه الدقائق التي أشرنا إليها في غضون هذا الكلام، فإن فيها ما شئت من اللطائف اللطيفة، والفوائد العجيبة.