في عكس الظاهر
اعلم أن هذا القسم من مشكلات علم البيان، وأسراره الغربية، وخفاياه المستطرفة العجيبة، وهو مما لم يذكره أحد من مؤلفي هذا الفن في كتابه، ولا أشار إليه، وسبب التفرد بذكره في هذا الكتاب، أنا عثرنا على ذلك في كلام علي بن أبي طالب - ﵁ - في وصفه مجلس النبي - ﷺ - فعند ذلك طلبنا له مثلًا أو نظيرًا، في كلام العرب وأشعارهم فظفرنا بذلك، وأوردنا الكلام الوارد عن علي - ﵁ - ثم أتبعناه بما جاء عن العرب في
ذلك، وإنه مما يستغرب ويستطرف، لأن العرب قد توسعوا في كلامهم، وتجوزوا إلى غاية، يذكرون كلامًا يدل ظاهره على معنى، وهم يريدون به معنى آخر عكسه وخلافه. والأصل في ذلك، أنك تذكر كلامًا يعطي معناه إنه نفي لصفة شيء قد كان، وهو نفي للموصوف إنه كان أصلًا. فأما قول علي بن أبي طالب - ﵁ - في هذا الباب، فإنه وصف مجلس النبي ﷺ فقال (لا تنثني فلتاته) أي لا تذاع فلتاته، ألا ترى إلى ظاهر
[ ١٠٥ ]
ذلك: أن ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد إنه لم يكن ثم فلتات أصلًا، فتذاع، وهذا من أعجب ما وقفت عليه في علم البيان وأطرافه.
وأما ما ورد عن العرب في هذا الباب، فنحو قول الشاعر:
(ولا ترى الضبَّ بها ينجحر).
فإن ظاهر المعنى من ذلك يعطي إنه قد كان هناك ضب إلا إنه غير منجحر، وليس كذلك بل المعنى المقصود، هو إنه لم يكن هناك ضب أصلًا فينجحر. فاعرف هذا، وقس عليه. وله أشباه كثيرة في كلامهم وأشعارهم، وفيما أشرنا إليه كفاية، لمن له لب ومعرفة.