في الإخبار عن الفعل الماضي بالمضارع وعن الفعل المضارع بالماضي
وهو قسم من التأليف، لطيف المأخذ، دقيق المغزى، فالأول: الإخبار بالفعل المضارع عن الماضي، اعلم أن الفعل المضارع إذا أني به في حال الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأن الفعل المضارع يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، فمما جاء قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك
[ ١٠٢ ]
النشور) فإنه إنما قيل فتثير سحابًا، مضارعًا، وما قبله وبعده ماض، لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك كما قال تأبط شرًا: -.
فإني قد لقيت الغُوْلَ تهوي بسهب كالصِّحيفة صحصحان
فأضرُ بها بلا دَهَش فخرّت صريعًا لليدين وللجران
لأنه قصد أن يصور لقومه، الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة، للتعجب من جرأنه على ذلك الهول، وثباته عند تلك الشدة. ولو قال فضربتها لزالت هذه الفائدة التي ذكرناها ونبهنا عليها.
ومن هذا الباب قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير) ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي هاهنا إلى المضارع فقال (فتصبح) وذلك لإفادة بقاء المطر زمانًا بعد زمان كما يقال (أنعم
علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرًا له) ولو قال (فرحت وغدوت شاكرًا له) لم يقع ذلك الموقع فإنهم ما أشرنا إليه وتدبر دقائقه.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته: أن الفعل الماضي إذا أحبر به عن الفعل المضارع إذا لم يوجد بعد، كان أبلغ وأكد، وأعظم موقفًا
[ ١٠٣ ]
وأفخر شأنًا. لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى إنه قد كان وجد وصار من الأمور المقطوع بها، المحكوم بكونها وحدوثها. والفرق بينه وبين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي، هو أن الفعل الماضي يخبر به عن المضارع، إذا كان المضارع من الأشياء الهائلة، التي لم توجد، والأمور المتعاظمة التي لم تحدث، فيجعل عند ذلك مما قد كان ووجد، ووقع الفراغ من كونه وحدوثه. وأما الفعل المضارع إذا أخبر به عن الماضي، فإن الغرض بذلك تبين هيئة الفعل، واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يعاينها ويشاهدها. فهذا هو الفرق بين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي (وبالمضارع عن الماضي) فاعرفه.
ولنرجع إلى ما نحن بصدد: كره من الأمثلة للأخبار بالفعل الماضي عن المضارع، فمن ذلك قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله وكل أنوه داخرين) فإنه إنما قال: (ففزع) بلفظ الماضي بعد قوله (ينفخ) وهو للمستقبل، للأشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعًا به.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (وبرزوا الله جميعًا) (فبرزوا) بمعنى يبرزون يوم القيامة، وإنما جيء بلفظ الماضي، لأن ما أخبر الله به لصدقه وصحته كأنه قد كان ووجد. ومثل ذلك قوله - عز اسمه - (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) فإن (أتى)
هاهنا بمعنى (يأتي) وإنما حسن فيه لفظ الماضي، لصدق إتيان الأمر ودخوله في جملة ما لا بد من حدوثه ووقوعه، فصار (يأتي) بمنزلة قد أتى ومضى، وكذلك قوله - تعالى - (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا) فإنه إنما قال (وحشرناهم) ماضيًا بعد (نسير) (وترى) وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز، ليعانوا
[ ١٠٤ ]
تلك الأحوال، كافة، قال: (وحشرناهم) قبل ذلك.
ومما ينخرط في هذا السلك الإخبار باسم المفعول عن الفعل المضارع، وإنما فعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه، فمن ذلك قوله تعالى (إن في ذلك الآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) فإنه إنما آثر اسم المفعول هاهنا على الفعل المضارع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، فإنه لا بد من أن يكون ميعادًا مضروبًا يجمع الناس وأنه موصوف بهذه الصفة، وأن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) فإنك تعثر على صحة ما قلت.