في التقديم والتأخير
وذلك مما يتعلق بعلم النحو، فإن لنا تقديمًا وتأخيرًا في الكلام، ولا يتعلق بالنحو، وليس
[ ١٠٨ ]
هذا بابه، وسيأتي ذكره. اعلم إن التقديم والتأخير مما نحن يصدد ذكره هاهنا على ضربين؛ أحدهما يكون التقديم هو الأولى والأبلغ لموضع الاختصاص، والآخر يكون التأخير هو الأولى والأبلغ؛ إما الفائدة تقتضي ذلك، وإما خوفًا من فساد المعنى واختلاله. وسيرد كل ضرب من هذه الضروب، مشروحًا مبينا. وإما الضرب الأول وهو ما كان التقديم فيه هو الأولى والأبلغ فذلك كتقديم المفعول على الفعل، وتقديم المبتدأ عل الخير، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل.
فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، وإنما تعمد إلى ذلك قصدًا للاختصاص، ألا ترى قولك (زيدًا ضربت) تخصيصًا له بالضرب، إذ يحتمل أن يكون الضرب لغيره؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت كأن تقول (ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما) وإذا أخرته، لزم الاختصاص للمفعول. وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. فإنه إنما قدم المفعول، الذي هو الرزق، على الفعل الذي هو ينفقون؛ لأن الإنسان قد ينفق ما ليس له. فلو قدم الفعل هاهنا على المفعول، لسبق إلى الوهم قبل ذكر المنفق جواز كونه مما ليس له، ومع تأخيره يزول هذا الوهم، ويرتفع ذلك اللبس.
ومن هذا النحو، قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن قوله: (إياك نعبد) تخصيص له بالعبادة، دون غيره، وكذا قوله: (إياك نستعين) وهذا بخلاف ما لو قال (نعبدك ونستعينك) فإنه يحتمل أن تكون العبادة والاستعانة لغيره كما أشرنا
إليه، في (زيدًا ضربت) و(ضربت زيدًا) فأعرف ذلك.
وأما تقدير خبر المبتدأ عليه، فإنه لا يعمد إليه أيضًا إلا لضرب من الاختصاص، كقولك: (زيد قائم) و(قائم زيد) فقولك (قائم زيد) قد أثبت له القيام لا محالة، وقولك: (زيد
[ ١٠٩ ]
قائم) أنت بالخيار في إثبات القيام له أو نفيه عنه، بأن تقول: ضارب أو قاعد أو جالس أو غير ذلك.
ومن هذا النحو قوله تعالى (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) الآية.
فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم) لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم، على المبتدأ؛ الذي هو حصونهم، دليلًا على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسمًا لأن، وإسناد الجملة إليهن دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع، لا يبالي معها أحد يتعرض طامع أو قصد قاصد. وليس شيء من ذلك في قولك: (وظنوا أن حصونهم ما نعتهم أو تمنعهم). ومن تقديم خير المبتدأ عليه قوله تعالى: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي) لأنه كان أهم عنده، وهو به شديد العناية، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم - ﵇ - عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها. وهذا بخلاف ما لو قال: (أأنت راغب عن آلهتي). وقد سبق الكلام على ذلك فاعرفه.
فأما الظرف فاعلم إنه كان الكلام مقصودًا به الإثبات، فإن تقديم الظرف فيه أبلغ من تأخيره. وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده، إلى صاحب الظرف دون غيره وإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره؛ وكلام الأمرين له موضع يختص به؛ فأما تقديمه في النقي؛ فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره. وأما تأخيره؛ فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. وسيأتي بيان ذلك عند
ذكر الأمثلة الدالة عليه.
فأما الأول؛ وهو تقديم الظرف في الإثبات فنحو قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم وإن علينا حسابهم) فتقديم الظرف على المصدر، وهاهنا تشديد في الوعيد، لا يكون عند
[ ١١٠ ]
تأخيره؛ لأنه يعطي من المعنى أن إيابهم ليس إلا إلى الله، المقتدر على الانتقام. وأن حسابهم ليس إلا عليه، وذلك بخلاف ما لو قال: (إن إيابهم إلينا ثم إن حسابهم علينا) لأن قوله (إن إلينا إيابهم) لا يحتمل أن يكون الإياب فيه إلى غير الله؛ لأنه صدر الكلام بالظرف، وإذا قال (إن إيابهم إلينا) يحتمل أن يظن المخاطب عند سماعه (إن إيابهم) قبل قوله (إلينا) أن يكون الإياب إلى غيره.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) فإن الله قدم الظرفين في قوله (له الملك وله الحمد) ليدل بتقديمهما على اختصاص الملك والحمد بالله لا يغيره، وكذا جاء قوله تعالى (من كفر فعليه كفره). . فإن تقديم الظرف هاهنا، أشد موقعًا من تأخيره، وأفخم شأنًا؛ وذلك للدلالة على أن ضرر الكفر، لا يعود إلا على الكافر، وأنه لا يتعداه. وهذا لا يخفى على من له معرفة بعلم البيان.
وأما الثاني؛ وهو تأخير الظرف وتقديمه في النحو، فنحو قوله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) فإنه إنما أخر الظرف هاهنا لأن القصد في إبلاء حرف النفي الريب (الدلالة) على نفي الريب عنه، وإثبات إنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه. ولو أولاه الظرف، لقصد أن كتابًا آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله تعالى: (لا فيها غول) وذلك تفضيل لخمر الجنة على خمور الدنيا؛ بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها الدنيوية؛ كأنه قال (ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة).
فتأخير الظرف في قوله تعالى (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) يقتضي النفي أصلا من غير تفضيل، وتقديم الظرف في قوله تعالى (لا فيها غول) يقتضي تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة، على غيرها من خمور الدنيا. وهذا مثل قولنا (لا عيب في الدار) وقولنا (لا فيها
[ ١١١ ]
عيب) والأول؛ قصدنا به أن ننفي عن الدار أن فيها عيبًا أصلا، ونثبت أنها خالية من العيوب. والثاني، قصدنا به أن ليس فيها ما في غيرها من العيب فاعرف ذلك، وقس عليه، فإنه من دقائق علم البيان.
وأما تقديم الحال فنحو (جاء راكبًا زيد) وإنما يفعل ذلك لضرب من الاختصاص أيضًا. وهذا بخلاف قولك (جاء زيد راكبًا) إذ يحتمل أن نقول: ضاحكا أو ماشيًا وغير ذلك.
وأما الاستثناء فجار هذا المجرى، نحو قولك: (ما قام إلا زيدًا أحد) وكما قام أحد إلا زيدًا، والكلام على ذلك كالكلام على ما سبق. فاعرفه.
وأما الضرب الثاني فهو أن يقدم ما الأولى به التأخير، لأن المعنى يختل بذلك ويضطرب، كتقديم الصفة أو ما يتعلق بها على الموصوف، وتقديم الصلة على الموصول، وتقديم العطف على المعطوف عليه، سواءً كان بيانًا أو نسقًا، إلا عطف النسق في الواو وحده، فإنه جائز، نحو قولك (قام عمرو وزيد) وغير ذلك مما برد مشروحًا.
فمن هذا الضرب قول بعضهم:
فقد والشكُّ بَيّنَ لي عناءً بوشك فراقهم صُرد يصيح
فإنه قدم (بوشك فراقهم) وهو معمول (يصيح) ويصيح صفة لصرد جارية على صرد، وذلك قبيح، ألا ترى إنه لا يجوز أن يقال (هذا اليوم رجل ورد من موضع كذا) وإنما يجوز وقوع المعمول، بحيث يجوز وقوع العامل، فكما لا يجوز تقديم الصفة على موصوفها، كذلك لا يجوز تقديم ما اتصل بها على موصوفها.
ومن هذا النوع، قول الآخر:
فأصبحت بعد خطّ بَهجتِها، كأنَّ قفرًا رسومها قَلَما
[ ١١٢ ]
فإنه قدم خبر كان عليها وهو قوله (خط) وهذا وأمثاله مما لا يجوز قياس عليه، والأصل في هذا البيت (فأصبحت بعد مهمتها قفرًا كأن قلما خط رسومها) إلا إنه على تلك الحالة الأولى مختل مضطرب. ويشبه بذلك قول الفرزدق:
إلى ملك ما أمُّهُ من محارب أبوه ولا كانت كليب تصاهره
وهو يريد (إلى ملك أبوه ما أمه من محارب) أي ما أم أبيه من محارب، وهذا أقبح من الأول واكثر اختلالًا. وأما قوله:
وليست خراسان التي كان خالد بها أسد إذ كان سيفًا أميرها
فحديثه طريف، وذلك إنه فيما ذكر يمدح خالد بن عبد الله القسري. ويهجو أسدًا؛ وكان أسد وليها بعد خالد، وكأنه قال:
(وليست خراسان البلدة التي كان خالدٌ بها سيفًا إذ كان أسد أميرها) وعلى هذا التقدير ففي (كان) الثانية ضمير الشأن، والحديث والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه، وهو أسد، عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، وأيضًا فإن في أصله أسدًا أحد جزئي الجملة المفسرة للضمير: والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون المظهر المجهول. ومن هذا الجنس قوله:
ملوك يبتنون توارثوها سرادقها المقاود والقبابا
أراد (ملوك يبتنون المقاود والقباب توارثوها سرادقها) فقوله (يبتنون المقاود
[ ١١٣ ]
والقباب) صفة للملوك أيضًا وموضعها التأخير، فقدمها، وهو يريد بها موضعها، كقولك (مررت برجل، يكلمها، مار بهند) أي (مار بهند يكلمها) فقدم الصفة
الثانية، وهو معتقد تأخيرها. وقد استعمل الفرزدق هذا الضرب كثيرًا، كأنه كان يقصد ذلك في شعره ويتعمده، لأن مثل هذا لا يجيء إلا متكلفًا مقصودًا، وإلا فإذا ترك المؤلف نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال، من غير أن يكلفا التعقيد في الكلام، فإنها لا تأتي بمثل هذه الأسباب القبيحة، التي هي عيب في التأليف فاحش، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المذكور، لأن المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح، والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف من الكلام ذهب المراد به والمقصود منه، وصار غير مفهوم ولا فرق بينه - عند ذلك - وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما. فاعرف ذلك.
واعلم أن من التقديم والتأخير بابًا عجيبًا المأخذ، كثير الفائدة، وافر اللطائف، وهو باب الاستفهام، فإن حاجة المؤلف الكلام إليه ماسة. ولنورد في كتابنا هذا منه ما يروقك، أيها المتأمل، ويذهب بك في الاستحسان كل مذهب، فنقول: اعلم أنك إذا بدأت في الاستفهام بالفعل فقلت (أفعلت كذا وكذا) كان الشك في الفعل، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده لا غير. وإذا قلت: (أأنت فعلت) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل وحده. وهذا المعنى قائم في الهمزة، إذ هي كانت للتقرير، فإذا قلت (أأنت فعلت ذاك) كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل، قال الله تعالى (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) حكاية عن قوم نمرود، لأنهم لم يقولوا ذلك لإبراهيم - ﵇ - وغرضهم أن يقر لهم أن كسر الأصنام كان ووجد، لأن ذلك معلوم عندهم، وقد شاهدوه رأي العين، والاستفهام إنما يكون عن شيء لا يعلم وإنما غرضهم الإقرار بأن ذلك حدث منه، لأنه قال - صلوات الله عليه - في الجواب لهم (بل فعله كبيرهم هذا) ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب (فعلت أو لم أفعل) فالهمزة مما ذكرناه تقرير لفعل قد كان وإنكار له، لم
كان، وتوبيخ لفاعله عليه، ولهذا مذهب آخر
[ ١١٤ ]
وهو أن تكون الهمزة لإنكار أن يكون الفعل من أصله، ومثاله قوله تعالى (أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثًا إنكم لتقولون قولًا عظيمًا). وقوله تعالى (أصطفى البنات على البنين مالكم كيف تحكمون). فهذا رد على المشركين، وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم، وإذا قدم الاسم في هذا صار من الإنكار في الفاعل، كما تقول للرجل إذا انتحل شعرًا (أأنت قلت هذا الشعر، كذبت، لست ممن يقول مثله) فأنكرت أن يكون هولا القائل ولم تنكر الشعر. وقد يكون المراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا). ومعلوم أن المعنى على إنكار إنه قد كان من الله إذن فيما قالوا من غير أن يكون هذا الأذن قد كان من غير الله، فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه ليكون أشد لنفي ذلك ولفظا له. ونظيره قوله تعالى (آالذكرين حرم أم الأنثيين) فأخرج اللفظ مخرجه إذ كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ثم أريد معرفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ونفي أن يكون قد حرم شيئًا مما ذكروا أنه محرم. هذا هو الفرق بين تقديم الاسم، وتقديم الفعل الماضي، فإذا كان الفعل مضارعًا فالقول في ذلك أنك إذا قلت (أنفعل كذا) لم يخل من أن تزيد الحال أو الاستقبال، فإن أردت الحال كان المعنى شبيهًا بالماضي، كما ذكرنا، وان أردت الاستقبال كان المعنى إذا بدأت بالفعل أنك تعمد إلى إنكار الفعل نفسه، وتزعم إنه لا يكون، أو إنه لا ينبغي أن يكون. فمثال الأول قول امرئ القيس:
[ ١١٥ ]
أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟
فهذا تكذيب منه لإنسان يهدده بالقتل. وعلى هذا جاء قوله تعالى (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون). ومثال الثاني قولك للرجل يركب الخطر (أنخرج في هذا الوقت؟
أتغرر بنفسك)؟ ومنه قول الشاعر:
أأترك أن قلت دراهم خالد زيارته إني إذا للئيمُ؟
فإن بدأت بالاسم فقلت (أأنت تفعل) أو قلت (أهو يفعل) كنت موجها للإنكار إلى نفس المذكور وأبيت أن يكون بمثابة من يجيء منه الفعل، إما لقصور همته وعجزه، مع أن يكون ذلك في وسعه، وإما لارتفاع قدره، وعلو همته. فمثال الأول قولك: أهو يرتاح للجميل، هو أصغر همة من ذلك وقولك (أأنت تمنعني، أأنت تأخذ على يدي) تعني أنك أعجز من ذلك، ومثال الثاني قولك (أهو يسأل فلانًا هو أرفع قدرًا من ذلك). وأعلم أن محض المعنى من الاستفهام، الذي تفسره بالإنكار هو تنبيه للسامع، حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع، قال الله تعالى (أفأنت تسمع مع الصم أو تهدي العمي) على سبيل التمثيل والتشبيه، كقولهم (أأنت تصعد إلى السماء) لأن أسماع الصم مما لا يدعيه أحد، وكذلك الصعود إلى السماء. ومثله قول بعضهم:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري أطنين أجنحة الذباب يضير؟
[ ١١٦ ]
وأعلم أن حال المفعول فيما ذكرناه حال الفعال في أن تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة من يوقع به ذلك الفعل، فإذا قلت (أزيدًا تضرب) أنكرت أن يكون بمنزلة من يجترأ عليه، ولذلك قدمت (غير) في قوله تعالى (أغير الله أتخذ وليًا) وقوله تعالى (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون).
وكان لذلك من المزية والحسن والفخامة ما يعلم إنه لو أخرت (غير) فقيل (أأتخذ غير الله وليًا، أو تدعون غير الله) لما كان مؤديًا من المعنى ما كان يؤديه مع تقدمها، وذلك إنه حصل بالتقدير معنى قولك (أيكون غير الله بمنزلة من يتخذ وليًا أو يرضى عاقل لنفسه أن يفعل ذلك) و(أيكون جهل أجهل وعمى أعمى من
ذلك) ولا يكون شيء من هذا الذي ذكرناه إذا قيل (أأتخذ غير الله وليا) وذلك لأنه يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك شيئًا، فهذا هو القول في الضرب الأول.
وأما الضرب الثاني:
وهو أن يكون يفعل لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي تشبيهًا بما اقتضاه في الفعل الماضي، من الإقرار بأنه الفاعل، أو الإنكار أن يكون هو الفاعل. فمثال الأول قوله تعالى (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وقوله تعالى (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) فحكم المضارع في الآية الأولى حكم الماضي في الآية الثانية، ومثال الثاني قوله تعالى (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم) فافهم ذلك. وأعلم أني قد أطلقت عنان الكلام في مسائل الاستفهام ليتبين أن للعربية أسرارًا لا يطلع على خباياها، ولا
[ ١١٧ ]
يقدر قدر مزاياها إلا من تغذي بليان البلاغة طفلا ونشًا عليها كبيرًا وصغيرًا، وسلك مناهج هذا العلم، وفاز منه بأوفر الحظ والقسم. ولا يتسع لهذا الضرب من التأليف نطاق هذه الأوراق ولا يمكن أن يودع ما فيه من اللطائف، صفحات ما حررناه من هذه الصحائف، والذي عليه مدار المعول، فيما نورده من المجمل والمفصل، هو البحث عن أسرار البلاغة، والإبانة عن الشيء الذي به يشرف الكلام، وتحصل له المزية على سواه، فتدير ذلك وقس عليه.