بزجاجة صفراء ذات أسرّة قرنت بأزهر في الشمال مقدّم
الصفراء هاهنا الخمر والذكر للزجاجة حيث هي مجاورة لها، أنه ومشتملة عليها. وذهب بعض المفسرين في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) أنه أراد بالثياب القلب
والجسد أي قلبك فطهر أو جسدك. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
القسم الرابع في الكناية: ما ليس بتمثيل ولا إرداف ولا مجاورة كقوله - تعالى -: (أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) فكنى عن النساء أنهم يتزينون في الحلية أي الزينة والنعمة وهو إذا احتاج إلى مجاورة الخصوم كان غير مبين، أي ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحاج به من يخاصمه. وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال. ومن هذا الباب قول أبي نواس:
تقول التي من بيتها خفّ محملي عزيز علينا أن نراك تسيرُ
ألا ترى إلى حسن هذه الكناية عن ذكر امرأته بقوله (التي من بيتها خف محملي) فانه من ألطفها مذهبا، وكذلك قول نصيب:
فعاجُوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتُوا أثنت عليك الحقائب
[ ١٦٥ ]
قال الجاحظ: (نحن قوم نسحر بالبيان، ونموه بالقول، والناس ينظرون إلى الحال ويقضون بالعيان فأثر ذلك في أمرنا أثرًا ينطق إذا سكتنا، فإن المدعي بغير بينة متعرض للتكذيب). فهذا معنى قول نصيب فعل به ما ترى. وأمثال الكناية كثيرة، فاعرفها.
وأما الضرب الثاني من الكناية فهو الذي يقبح ذكره ولا يحسن استعماله كقول أبي الطيب:
إني على شغفي بما في خمُرِها لأعفّ عمّا في سراويلاتها
فإن هذه كناية عن النزاهة والعفة. وعلم الله - ﷿ - أن الفجور لأحسن منها ولقد ذكر الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة فقال:
أحنُّ إلى ما تضمن الخُمر والحِلي وأصدف عما في ضمان المآزر
ألا ترى إلى هذه الكناية ما ألطفها، والمعنيان سواء. وبهذا تعلم فضل الشاعرين أحدهما على الآخر؛ وذلك إذا أخذا معنىّ واحداّ فصاغه أحدهما في صياغة مفردة
عن صياغة الآخر، فاعرف ذلك.
وأما التعريض فقد جوّزه - الله تعالى - في خطبة النساء كقوله - تعالى -: (ولا جناح
[ ١٦٦ ]
عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء)، فقال المفسرون: التعريض بالخطبة لها أن يقول لها، وهي في عدة الوفاة (إنك لجميلة وإنك لحسنة) وما أشبه ذلك. ومما جاء من التعريض قوله - تعالى - (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) يعني أن كبير الأصنام غضب أن هذه الأصنام الصغار، فكسرها، وغرض إبراهيم - صلوات الله عليه - من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم لأنه قال: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وذلك على سبيل الاستهزاء بهم وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم لم يكن الفعل الصادر عنه، إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم، وتبكيتهم والاستهزاء بهم.
ومن بديع التعريض قوله - تعالى -: (قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرًا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين) فقوله - تعالى - (ما نراك إلا بشرًا مثلنا) تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم. فقالوا: هب أنك واحد من الملأ وموازيهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وما نرى لكم علينا من فضل).
ومن مشكلات التعريض حديث عمر بن عبد العزيز - ﵁ - قال: حكت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون أن النبي - ص - خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني بنته وهو يقول: (والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله وان آخر وطأة وطئها الله بوجّ) واعلم أن (وج) واد بالطائف والمراد غزاة حنين. وحنين واد
[ ١٦٧ ]
قبل وج لأن غزاة حسنين
آخر غزاة أوقع بها رسول الله - ﷺ - على المشركين. وأما غزونا الطائف وتبوك، اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيها وطأة أي قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزاة حسب ومن غير ملاقاة العدو، أعني المشركين، ولا قتال لهم.
ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله - ﷺ -: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج) على ما قبله من الحديث، هو التأسف على مفارقة أولاده؛ لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته - ﷺ - كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: (وأنكم لمن ريحان الله): أي من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب إلا أنه صانع عن قوله: (وأنا مفارقكم عن قريب) بقوله: (وإن آخر وطأة وطئها الله بوج) فكان ذلك تعريضًا بما أراده، وقصده من قرب وفاته - ﷺ - ومفارقته إياهم، أعني أولاده. وهذا من أغرب التعريضات وأعجبها، فاعرفه.
ومن هذا الباب قول الشميذر الحارثي:
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدها دفنتم بصحراء الغُمير القوافيا
[ ١٦٨ ]
فإنه ليس قصده الشعر بل قصده ما جرى بينهم بهذا الموضع من الغلبة لهم، والقوة عليهم إلا أنه لم يذكر ذلك، بل ذكر الشعر وجعله تعريضًا عنه. أي: لا تفخروا بعد تلك الوقعة، التي جرت لنا ولكم بذلك المكان.
ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون، في حق بعض أصحابه (أما بعد فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطول في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته). (فوقع المأمون في ظهر كتابه: قد عرفت تصريحك له، وتعريضك لنفسك) فأجبناك إليهما وأمثال هذا كثيرة، وفيما
أشرنا إليه الكفاية.