في الحمل على المعنى
وذلك كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث وتصوب معنى الواحد للجماعة، والجماعة للواحد، وحمل الثاني على لفظ الأول، أصلًا كان ذلك اللفظ أو فرعًا، وغير ذلك.
اعلم أن هذا القسم من التأليف دقيق المسلك، بعيد المذهب، يحتاج إلى فضل معاودة وزيادة تأمل، وقد ورد في القرآن الكريم، وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا. فأما تأنيث المذكر فكقول الشاعر:
أتهجر بيتًا بالحجاز تلفتْ به الخوف والأعداء من كل جانب
ذهب بالخوف إلى المخافة، وقال الآخر:
يا أيها الراكب المُزجِيْ مطيَّتَهُ سائل بني أسد ما هذه الصوت
[ ١٠٦ ]
فإنه ذهب بالصوت إلى الاستغاثة، واعلم إنه قد كثير عن العرب تأثيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به، ولذلك قرئ قوله تعالى (لا تَنْفَعُ نَفْسًا إيمانها) بالتأنيث فأنث فعل الإيمان إذ كان من النفس وبها. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفه.
وأما تذكير المؤنث فشائع في كلام العرب كقوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي) أي هذا الشخص أو هذا المرئيّ. وكذلك قوله - عز اسمه - (فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى) لأن الوعظ والموعظة واحدة، وقالوا في قوله تعالى (إنّ رحمة الله قريب من المحسنين) إنه أريد بالرحمة هاهنا المطر، بدليل قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته).
وأما حمل الواحد على الجماعة، فكقولهم: (هو أحسن الفتيان وأجمله) لأن هذا الموضع يكثر فيه الواحد كقولهم (هو أحسن فتى في الناس) قال الله تعالى (ومن الشياطين من يغوصون له) فحمل على المعنى وقال ذو الرمّة:
ومية أجمل الثقلين وجهًا وسالفة وأحسنه قذالا
فأفرد الضمير، مع قدرته على جمعه، وهذا يدلك على قوة اعتقادهم في أحوال المواضع، وكيف ما يقع فيها. ألا ترى أن هذا الموضع موضع جمع، وقد سبق في الأول لفظ الجمع فترك اللفظ، وموجب الموضع وعدل إلى الإفراد من غير ضرورة، فإنه قد كان يمكنه أن يقول:
وميّة أجمل الثقلين وجهًا وسالفة وأحسنهم قذالا
ومن هذا النحو قول بعظهم:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الأحن الصدورُ
فيجوز أن يكون ذلك جمع أخ قد حذفت نونه للإضافة، ويجوز أن يكون واحدًا ووقع
[ ١٠٧ ]
موقع الجماعة، كقول الشاعر:
(ترى جوانبها بالشحم مفتونا)
والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة. وأعلم أن العرب إذا حملت على المعنى، لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: (شكرت من أحسنوا إلي على فعله) ويقال: (شابت مفارقه) وإنما هو مفرق واحد. ومما يؤكد عندك أن العرب إذا حملت على المعنى لم تراجع اللفظ، قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلكَ إذ قال إبراهيم: ربّي الذي يُحْيي ويميت. قال: أنا أُحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) ثم قال: (أو كالذي مَرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) الآية فإن ذلك محمول على المعنى، كأنه قال: أرأيت الذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك، وأمثال هذا كثيرة.
وأما حمل الجماعة على الواحدة، فكقوله تعالى (بلى من أسلم وجهه لله، وهو مُحسن، فله أجره عند ربِّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فحمل أول الكلام على لفظ الواحد، وآخره على لفظ الجمع.
واعلم أن العرب تعتبر تارة اللفظ، وتارة المعنى، يقولون: (ثلاثة أشخص) فيثبتون التاء وإن عنوًا مؤنثًا، ويقولون: (ثلاث أنفس) وإن عنوا رجالًا، لأجل اللفظ. ويقولون: (ثلاث شخوص) إذا عنو مؤنثًا، (وثلاثة أنفس) إذا عنوا مذكرًا للمعنى فاعرف ذلك وقس عليه.