في الاعتراض وهو شعبة من (علم البيان) تتكاثر محاسنها
اعلم أن الجائز من هذا القسم. وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب النحو، فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يجوز استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إن واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره، مما أشرنا إليه في صدر الكتاب، وإن ما أشرنا إليه هاهنا من الاعتراض ما يفرق المؤلف به بين الجيد منه والرديء لا ما يعلم به الجائز، وغير الجائز، فاعرف ذلك.
واعلم أن الاعتراض ينقسم إلى قسمين: أحدهما لا يأتي في الكلام إلا لفائدة، وهو جار مجرى التوكيد في كلام العرب، والآخر يأتي في الكلام لفائدة. فما جاء منه قوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) هذا كلام فيه اعتراضان أحدهما (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) لأنه اعتراض بين القسم، الذي هو (فلا أقسم بمواقع النجوم) وبين جوابه الذي هو (إنه لقرآن كريم) وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر، بين الموصوف الذي هو (قسم) وبين صفته التي هي (عظيم) وهو قوله تعالى (لو تعلمون) فذانك اعتراضان كما ترى، فلو جاء الكلام، غير معترض فيه،
[ ١١٨ ]
لوجب أن يكون (فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم) وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هو تعظيم لشأن المقسم به، في نفس السابع، ألا ترى قوله تعالى (لو تعلمون) اعتراضًا بين الموصوف والصفة، وذلك أوقع في الأنفس، لتعظيم المقسم به، أي
إنه من عظيم الشأن وفخامة الأمر بحيث لو علم ذلك لو في حقه من التعظيم. وهذا مثل قولنا (إن هذا الأمر لعظيم، بحيث لو تعلم يا فلان عظمه، لقدرته حق قدره). فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويعظم موقعه عنده، ويبقى متطلعًا إلى معرفة عظمه، ويترامى به وهمه إلى أعلى المنازل وأسبق الرتب. ومن هذا النحو قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن. وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير) ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي طبق مفصل البلاغة، فإنه لم يؤت به إلا لفائدة كبيرة، وذلك إنه لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق والمتاعب، في حمل الولد وفضاله، إيجابًا للتوصية بالوالدة وتذكيرًا بحقها، وإنما خصها بالذكر دون الوالد، لأنها تتكلف من أمر الولد ما لا يتكلفه الوالد، ومن ثم قال رسول الله - ﷺ - لمن قال له (من أبر): أمك ثم أمك. ثم قال بعد ذلك (أباك). ومما جاء على هذا الأسلوب قوله تعالى (وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) فقوله تعالى (والله مخرج ما كنتم تكتمون) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته إنه يقرر في أنفس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعًا لهم في إخفائه وكتمانه، لأن الله مظهر لذلك ومخرج له، ولو جاء الكلام خاليًا من هذا الاعتراض لكان (وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها) ولا يخفى على العارف بهذه الصناعة الفرق بين ذلك وبين كونه معترضًا فيه،
[ ١١٩ ]
ومن هذا الجنس قول النابغة:
لعمري وما عمري عليَّ بهيّن لقد نطقت بطلًا عليّ الأفارعُ
فقوله (وما عمري علي بهين) من محمود الاعتراض ونادره، لما فيه من تفخيم المقسم به. وعلى نحو هذا جاء قول كثير:
لو أنّ الباخلين وأنت منهم رأوك تعلموا منك المطالا
فقوله (وأنت منهم) من الاعتراض الذي يؤكد به المعنى المقصود فيزداد به مزية ونبلًا وفائدته هاهنا التصريح بما هو المراد تبينه في الأنفس وتقرره في الأذهان، وقال بعضهم لعبد الله ابن طاهر أحسن ما قيل في هذا الباب:
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وأمثال هذا كثيرة. فاعرفه.
وأما الثاني وهو الذي في يأتي في الكلام لغير فائدة فهو ضربان: الأول أن يكون دخوله في التأليف كخروجه منه، لا يؤثر حسنًا ولا قبيحًا، فمن ذلك قول النابغة:
يقول رجال يجهلون خليقتي لعل زيادًا لا أبا لك غافل
فقوله (لا أبا لك) اعتراض لا فائدة فيه، وليس (يؤثر) في هذا البيت حسنًا ولا قبحًا، ومثله قول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
وكذلك قول بعض المحدثين:
صدودكم والديار دانية أهدى لرأسي ومفرقي شيبًا
فذكر المفرق بعد الرأس بما لا فائدة فيه البتة.
ومن هذا القول أو الضرب قول ابن هانئ:
فلا مهجة في الأرض منك منيعة ولو قطرت في ريق أرقط أرقم
[ ١٢٠ ]
فإن قوله (أرقط) لا حاجة إليه ولا فائدة في ذكره، إذ لا فضل للأرقط من الحيات على غيره من الألوان ولا مزية، وأمثال هذا كثيرة.
وأما الضرب الثاني الذي يكون مؤثرًا في الكلام تقصًا، وفي المعنى فسادًا، فما جاء منه قول بعضهم:
فقد والشك بيّن لي عناءٌ بوشك فراقهم صُرَدٌ يصيح
فان (في) هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره، وهو الفصل بين قد والفعل، الذي هو (بين) وذلك قبيح لوجوب اتصال (قد) بما تدخل عليه من الأفعال، ألا تراها تعتد مع الفعل كالجزء منه، ولذلك دخلت اللام المراد بها توكيد الفعل على (قد) في قوله تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) وفي قوله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه). وقول الشاعر:
ولقد أجمع رجليَّ بها حذر الموت وإني لغرور؟
إلا إنه إذا فصل بين قد ولفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قولك (قد والله كان ذلك). وقد فصل بين المبتدأ الذي هو الشك وبين الخبر الذي (هو) عناء بقوله (بين) وفصل بين الفعل الذي هو (بين) وبين فاعله الذي هو (صرد) بخبر المبتدأ الذي هو (عناء) فجاء هذا البيت كما ترى، فإن قبحه لا خفاء به ومن هذا الجنس قول الآخر:
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظلّه إلى الغرب حتى ظلَّه الشمس قد غفل
أراد (نظرت مطلع الشمس) أي حاذاها، وعلى هذا التقرير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو (شخصي) وبين خبره الجملة وهو قوله (ظله إلى الغرب). وأغلط من ذلك الفصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي. وقد تقدم ذكره، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويؤثر بها الاختلال.
[ ١٢١ ]
واعلم أن الناثر في ذلك أكثر ملامة من الناظم، وأعظم عيبا، وذلك أن الناظم يحتاج إلى إقامة ميزان الشعر، ويكون مجال الكلام عليه ضيقًا في بعض الاوقات، فليجثه طلب الوزن إلى إلقاء نفسه في مثل هذه المقابح، وأما الناثر فإنه لا يحتاج إلى إقامة الميزان الشعري لكلامه، فلأجل ذلك يتسع عليه مجال التأليف، وينطلق عنانه فيه كيف يشاء؛ ولهذا إذا اعتراض في كلامه اعتراض يفسده توجه عليه الانكار، وحق عليه العتب والملام أكثر مما يتوجه على الناظم.