وهو أن تريد تشبيه الشيء، فتدع الإفصاح بالتشبيه وإظهاره، وتجيء على اسم المشبه به وتجريه عليه كقولك: (رأيت رجلًا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء)، فتدع ذلك ونقول: (رأيت أسدًا) وهذا يكون على ضربين: أحدهما: أن تجعل المشبه هو المشبه به، بأن تنزله وتسقط ذكر المشبه من البين كقولك: (رأيت أسدًا) والثاني بأن تجعل المشبه به، خبرًا عن المشبه في باب الاستعارة، وأورده جماعة العلماء مثل: قدامة، والجاحظ، وأبي هلال العسكري، والغانمي، وأبي محمد بن سنان الخفاجي في تصانيفهم في باب
[ ٨٢ ]
الاستعارة. ولم يذكروا أن الأصل فيه تشبيه بليغ؛ فما أعلم هل ذلك لخفائه عليهم، أو أنهم عرفوه ولم يذكروه، وهو الأصل المقيس عليه في التشبيه، الذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان. وقد أوردناه نحن في كتابنا هذا في باب الاستعارة تشبهًا بالقوم، واستنانًا بسنتهم؛ لأنهم السابقون في هذا الفن بالتصنيف، إلا أن موضعه باب التشبيه. فاعرف ذلك.
واعلم إنه قد أجمع الجمهور من العلماء على أن للاستعارة مزية وفضلًا على
حقيقتها؛ والسبب في ذلك أنك إذا قلت: (رأيت أسدًا) كان لكلامك مزية، لا تكون إذا قلت: (رأيت رجلًا هو كالأسد سواء، في الشجاعة، وقوة القلب، وشدة البطش). وليست المزية التي تثبتها لهذا الجنس على الكلام المتروك على ظاهره، ولكنها في طريق إثباتك، لها وتقريرك إياها، معلومة من قرائن الأحوال، فليست المزية في قولك: (رأيت أسدًا) إنه دل على شجاعة زائدة، وشدة وافرة، بل أنك أثبت للمستعار له الشجاعة الزائدة والشدة الوافرة، من وجه هي أبلغ وآكد، وأوجبتها له إيجابًا هو أشد وأقوى، لأنك أثبتها بالدلائل والشواهد. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نيلًا، فإنهم لا يريدون الشجاعة والشدة وغير ذلك، وإنما يريدون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له، ويخبر بها عنه من طريق هو أشد وآكد. وسيأتي بيان ذلك في باب التشبيه مستوفى، إن شاء الله.
واعلم أن الاستعارة جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب (بيان) أحدهما بالآخر، ولا بد للاستعارة من ثلاثة أشياء: مستعار، ومستعار منه، ومستعار له، فاللفظ المستعار، قد نقل من أصل إلى فرع للإبانة. والمستعار منه والمستعار له، لفظان حمل أحدهما على الآخر في معنى من المعاني؛ هو حقيقي للمحمول عليه، مجازي للمحمول. مثال ذلك قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) فهذا مستعار، ومستعار منه، ومستعار له؛ فالمستعار هو الاشتعال،
[ ٨٣ ]
وقد نقل الأصل الذي هو النار إلى الفرع الذي هو الشيب، قصدًا للإبانة، وأما المستعار منه فهو النار والاشتعال لها حقيقة. وأما المستعار له فهو الشيب، والاشتعال له مجاز.
واعلم أن أبلغ الاستعارات ما ناب التشبيه منابها، وكلما زدت التشبيه فيها إخفاء ازدادت الاستعارة حسنًا ورونقًا؛ حتى إنك تراها أعجب ما يكون، إذا كان الكلام ألف تأليفًا إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء يحط من درجته،
ويضع من قدره؛ ويدلنا على ذلك قول بعضهم.
أثمرتْ أغصان راحته لجُناةِ الحسن عنُابا
ألا ترى أنك لو كلفت نفسك أن تظهر التشبيه، وتفصح به احتجت إلى أن تقول: أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان، لطالب الحسن، شيه العناب من أطرافها المخضولة!؟
ومن له أدنى تشبث بهذه الصناعة، يعلم الفضيلة بين ما تضمنه هذا البيت من الاستعارة، وبين إظهاره إلى التشبيه. فاعرف ذلك وقس عليه.
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا المقام، ونبهنا على هذه الأصول، فلنتبعها بما ينخرط في سلكها من الكلام على الجيد من الاستعارة؛ الذي يجب على المؤلف اُستعماله، والرديء الذي ينبغي له اُجتنابه والبعد عنه، فنقول: الاستعارة تنقسم قسمين:
الأول، يجب اُستعماله: وهو ما كان بينه وبين ما اُستعير له تشابه وتناسب، ولنضرب له أمثلة يستدل بها عليه: فمن ذلك قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار). وهذا الوصف إنما هو على ما يظهر للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن الليل والنهار اُسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه وإضاءته بغروب الشمس وطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما في رأي العين كأنهما كذلك. والسلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادي الصبح عند طلوعه، كالملتحمة بأعجاز الليل، أجري عليهما اسم السلخ، وكان
[ ٨٤ ]
ذلك لائقًا في بابه، وهو أولى من قوله (يخرج) لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم من الإخراج، وذلك أن انسلاخ الشيء، هو أن يميز أحدهما من الآخر، ويزول عنه بالتدريج، حالًا فحالًا، كما ينسلخ جلد الشاة عنها. وكذلك انفصال الليل عن النهار. فانظر أيها المتأمل لهذه الاستعارة، شدة التناسب الذي
بينها وبين ما اُستعيرت له، ومشابهتها إياه؛ فإنها من الاستعارات التي لا أمد فوقها في الحسن.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى، ﷿: (واشتعل الرأس شيبًا) وقد ذكر علماء البيان في هذا، ما نورده هاهنا. وهو: أن الشيب لما كان يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول، كان بمنزله النار التي تشعل في الجسم وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة. وهذا كلام مرضي في بابه، إلا أن هاهنا نكتة أخرى، وذلك إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، ولأنه لم يبق إلا الخمود بعده. فهذه الاستعارة البديعة هي التي تعجز القدرة عن الإتيان بمثلها، ومما دون ذلك في الطبقة، قول أبي تمام:
ومعرَّس للغيث يخفق بينه راياتُ كل دُجُنّةٍ وطفاء
فإن استعارة هذا البيت صالحة مرضية، لملاءمتها ما استعيرت له، فحيث جعل للسحابة رايات كان ذلك مناسبًا، لأن الهيدب الذي يستبين للناظر في الجو عند انسكاب السحابة، يكون مشابهًا لذوائب الرايات. وأما قوله (يخفق) فهو أيضًا حسن مرضي؛ لان الريح إذا هبت على الرايات خفقت بنودها، وجاء لها صوت كصوت السحابة في انسكابها وهمولها وانصبابها، ولا سيما الوطفاء.
[ ٨٥ ]
ومن هذا النوع أيضًا قوله في الخمر:
صعُبت فراضَ الماءُ سيسيء خلقها فتعّلمتْ من حُسنِ خلق الماء
ألا ترى إلى حسن هذه الاستعارة، فإنه ليس بشيء أحسن من قوله في الخمر بأنها سيئة الخلق، وذلك حيث تكون صرفًا لا يستطاع شربها، ولا يمكن اساغتها، كالخلق السيئ الذي تعافه الأنفس، وتستكرهه الأرواح. وقوله (حسن خلق الماء) أيضًا غاية في الجودة؛ لأن الماء الصافي في سلاسته، ولطافة جوهره، شبيه
بالخلق السهل الطيب. وأبدًا توصف الأخلاق الحسنة بالماء؛ فيقال، (فلان ألطف أخلاقًا من الماء) لأنه ليس في الأجسام المدركة بالبصر ألطف ولا أرق من الماء؛ لأن النفس تجد لمشاهدته من اللذة، والسرور، والانبساط، مالا خفاء به. ولهذا قال يعض الحكماء: (الماء من طبع الروح). ومما يؤيد قوله هذا، ما ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد ذكر الماء في مواضع كثيرة منه، ثم يذكر إحياء الأرض الميتة به، كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور). فجعل الماء للأرض بمنزلة الروح للجسد.
ومن بديع الاستعارة قول بعضهم:
يا طودَ حلم ظَلْتُ معتصمًا به يا بحر علم عمتُ في تيّاره
فإن المناسبة بينها وبين ما استعيرت له شديدة جدًا، وذاك أن الحلم أصله في وضع اللغة: التأني والثبات، وترك الاعجال بالعقوبة، فلما كان الطود ثابت الأصل راسخ القواعد، لا يتحرك عن مكانه، ولا يزول من مستقره حسنت استعارته للحلم، للمشابهة التي بينهما. وهاهنا نكتة أخرى، وهو أن قوله: (طود حلم) أبلغ في الاستعارة من أن لو قال (جبل حلم) لأن الطود هو الجبل العظيم، وذلك أرسخ وأرسى أصلًا من غيره. وأما استعارته للعلم بحرًا فحسن لا خفاء به على من له معرفة بهذا الفن.
[ ٨٦ ]
ومن هذا النحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطّى بصلبه وأردف أعجازًا وناَء بكلكل
وقد قال أبو القاسم بن بشر الآمدي، أن امرأ القيس وصف أحوال الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه وآخره. فلما جعل له وسطًا ممتدًا، وصدرًا ثقيلًا، وأعجازًا رادفة لوسطه، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده. واسم الكلكل، وجعله نائيًا لتثاقله. واسم العجز، من أجل نهوضه، فقال أبو محمد بن سنان: (إن هذا الذي ذكره أبو القاسم الآمدي، ليس
بمرضي غاية الرضى، وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة المبيرة ولا الردية، بل هو وسط. فإن أبا القاسم قد أفصح أن امرأ القيس لما جعل لليل وسطًا ممتدًا، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيًا من أجل امتداده، وحيث جعل له أخيرًا وأولًا، استعار له عجزًا وكلكلًا. وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض، فذكر الصلب إنما يحسن لأجل العجز. والوسط والتمطي لأجل الصلب. والكلكل لمجموع ذلك. وهذه استعارة مبنية على استعارة أخرى)، هذا حكاية كلام أبي محمد بن سنان، وهو مما أخطأ فيه من وجهين: الأول إنه قال: هذا البيت من الاستعارة الوسط، التي ليست بردية ولا جيدة) ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى. وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أقبح الاستعارات وأبعدها، فإنه قسم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطرح. فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه ظاهر واضح.
[ ٨٧ ]
والبعيد الطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأجل إنه استعارة مبنية على استعارة أخرى فيضعفه لذلك.
هذا ما ذكره ابن سنان في تقسيم الاستعارة. وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة ضعيفة، فكيف جعلها وسطًا!؟ هذا تناقض في القول، فاعرفه.
الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على أبي القاسم الآمدي في موضع الأخذ، لأنه لم يختر إلا ما حسن اختباره، وكان بديعًا في بابه. فإن الاستعارة قد يثبت أنها جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما، يكسب بيان أحدهما بالآخر. وهذا الحكم موجود في بيت امرئ القيس، فإنه لو لم يكن لليل صدر، أعني أولا، ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة. ولما كان كذلك استعار لوسطه صلبًا، وجعله متمطيًا. وجعل لصدره المتثاقل، أعني أوله، كلكلًا وجعله نائيًا، واستعار لآخره عجزًا،
وجعله رادفًا لوسطه. وذلك من الاستعارات المناسبة، التي لا أمد فوقها فاعرفها.
وحيث ذكرنا للاستعارة المناسبة أمثلة يحتذيها المترشح لهذه الصناعة، ويستعملها في كلامه، فيجب حينئذ أن تذكر القسم الآخر، وهو غير المناسب، ونضرب له أمثلة يعرف بها أيضًا، فمن ذلك قول أبي تمام:
يومُ فتح سقى أسودَ الضواحي كُشَبَ الموت رائبًا وحليبا
فإنه لا شيء أقبح من هذه الاستعارة، ولا أشد تباعدا بينها وبين ما استعيرت له، فما كفاه أن جعل للموت كثبًا، أي ألبانًا، واحدها (كثبة) حتى جعل بعضها رائبًا، وبعضها حليبًا ثم إن الموت من شأنه أن يستعار له ما يكره لا ما يستطاب.
[ ٨٨ ]
ومن قبح الاستعارة أيضًا قوله:
وتقاسم الناس السخاء مجزًا وذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناسِ الإِرهابَ وما بقى من فرثِهِ وعُروقهِ وعظامهِ
فاستعار للسخاء، رأسًا وسنامًا وإهابًا وعظامًا وعروقًا. وما قنع بذلك، حتى استعار له فرثًا، فصار السخاء جملًا على الحقيقة. وأمثال ذلك كثيرة.
ولا يخلو الناظم أو النائر من سقطات تؤخذ عليه، إلا إنه ينبغي أن تكون مغفورة في جنب ماله من الجيد الحسن، لأن ذلك لا يحط من قدره في صناعته إذ العالم من تعد سقطاته، لا من يعد جيده.
ومن الاستعارة البعيدة قول بعضهم:
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل على كبد المعروف من نَيْله بَرْدُ
فإن استعارته للمجد أيكة، أقرب مأخذًا من استعارته للمعروف كبدًا، وإن كانت الاستعارتان من البعد على ما أذكره لك، وهو أني أقول: قد ثبت أن الاستعارة هي الجمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر، وهذه قاعدة مسلمة، لا نزاع فيها بحال من الأحوال. وإذا كان الأمر كذلك، فالجامع بين المجد
والأيكة وجه بعيد. وذلك أن المجد في وضع اللغة: هو المحتد الكريم، أي الأصل الكريم. والأيكة في وضع اللغة: واحدة الأيك، وهو شجر ماتف، فلما كان المجد هو المحتد الكريم، أي الأصل، كان للأيكة أصل أجيز استعارته للمجد أيكة من هذا الوجه، وفيه بعد، وسبب بعده؛ إنه يسوغ لقائل أن يقول: إن كل ما كان له أصل على هذا القياس يجوز أن يستعار للمجد؛ كقولنا: (جبل المجد) و(حائط المجد) وغير ذلك مما له أصل، وهذا بعيد جدًا.
[ ٨٩ ]
وأما الاستعارة الثانية، وهو قول الشاعر: (كبد المعروف) فإن بعدها بما استعيرت له، وقبحها مما لا يحتاج فيه إلى الشرح لوضوحه وبيانه. وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى. فعلى المؤلف اجتنابها، والعدول عنها.