في التخلص والاقتضاب
ولهذا النوع من الكلام، محل كريم، وموقع لطيف.
فأما التخلص، فهو أن يأخذ المؤلف في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر، وجعل الأول سبيًا إليه، فيكون بعضه آخذًا برقاب بعض، من غير أن يقطع المؤلف كلامه، ويستأنف كلامًا آخر، بل يكون جميع كلامه، كأنما أفرغ إفراغًا، وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوه تصرفه، وطول باعه، واتساع قدرته، من أجل أن الشاعر يضيق عليه نطاق الكلام، ويكون متبعًا للوزن والقافية، فلا توافيه الألفاظ على حسب إرادته، ولا تتزن له.
وأما الناثر فانه مطلق العنان، يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر.
وأما الاقتضاب فهو ضد التخلص، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلامًا آخر غيره من مدح أو هجاء أو غير ذلك. ولا يكون للثاني علاقة بالأول، ولا تلفيق بينه وبينه، وهو مذهب القدماء من صنعة الشعر، وسيأتي بيانه. وأما المحدثون فإنهم تصرفوا
[ ١٨١ ]
في التخلص وأبدعوا فيه فاظهروا من ذلك العجائب والغرائب كقول علي بن الجهم:
وليلة كحلت بالنفس مقلتُها ألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كاد يُغرقني أمواج ظلمتها لولا اقتباس سنًا من وجه داود
ألا ترى ما ألطف هذا التخلص وأحسنه؛ فانه ذكر أولًا الليلة وسوادها، وابتداء دجاها، وأنه في غمرات من ظلمتها كالغريق. ثم أدرج في ضمن كلامه، بعد ذلك، ذكر الممدوح بما يناسب ما هو من الظلمة، فذكر الإنارة والإضاءة بقوله: (سنا من وجه داود) فصار الكلام كأنما أفرغ إفراغًا واحدًا، ومن هذا النحو قول
ابن نباتة:
كمن الشموع وقد أطلعت من النار في كل رأس لسانا
أنامل أعدائك الخائفين تَضَرَّعُ تطلبُ منك الأمانا
فهذا هو التخلص البديع في الصنعة الذي استحوذ على مجامع الحسن والرونق، فاعرفه.
وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي: (إن كتاب الله العزيز خال من الاقتضاب والتخلص). وهذا القول فاسد، لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تناسب بين الكلام الذي حرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن العظيم مواضع كثيرة من ذلك، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة
[ ١٨٢ ]
إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ومن محكم إلى متشابه، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم لشيطان مربد، وجبار عنيد بلطائف دقيقة، ومعان آخذة بالقلب؛ فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون). إلى قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) هذا كلام يذهل العقول ويحير الألباب، وفيه كفاية لطالب البلاغة والمنتصب لهذه الصناعة، فانه متى أنعم فيه النظر وتدير أثناءه، ومطاوي حكمته علم أن في ذلك غني عن تصفح الكتب المؤلفة في هذا الفن ألا ترى أيها المتأمل ما أحسن ما رتب إبراهيم - ﵇ - كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا سؤال مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلا عن أن يكون حجة. ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله، الذي لا تجب العبارة الإله، ولا ينبغي الرجوع
والإنابة إلا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم بقوله (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين) على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة العدو وهو الشيطان، فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله منه. وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم
[ ١٨٣ ]
إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه. ولو قال: (فإنهم عدو لكم) لم يكن بتلك المثابة، فتخلص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله ﷿، وأجرى عليه تلك الصفات العظام من تفخيم شأنه، وتعديد نعمه (عليه) من لدن خلقته وإنشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ليعلم بذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة وواجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، ثم خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعى بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين، لأن الطالب (إلى) مولاه، والراغب إليه إذا قدم قبل سؤاله وضراعته الاعتراف بالنعمة والإقرار بالإحسان كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث، ويوم القيامة ومجازاة الله لمن آمن به واتقاه بالجنة، ولمن ضل عن عبادته بالنار، فجمع الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته، ثم سأل المشركين عما كانوا يعبون من الأصنام سؤال مونج لهم، مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمنى العود ليؤمنوا.
فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض مع احتوائه على ضروب من المعاني فيتخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة دقيقة حتى كأنه معنى واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتعريقه لأبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هي عليه من التعري عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع، إلى ذكر الله تعالى، فوصفه بصفات الإلهية، فعظم شأنه وعدد نعمه، ليعلم بذلك
أن العبادة لا تصح إلا له. ثم خرج من هذا إلى دعائه إياه وخضوعه له ثم خرج منه إلى ذكر يوم القيامة، وثواب الله وعقابه، فتدير هذه التخلصات اللطيفة، هذا إلى غيره من تضمن هذا الكلام لأنواع من صناعة التأليف، وهي الإيجاز والكناية والتقديم والتأخير وإنابة الفعل الماضي عن الفعل المضارع.
فأما الإيجاز فلا خفاء به على العارف بما أشرنا إليه في بابه الذي سبق ذكره إلا أن من جملته قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين) فإنه جمع الترغيب في طاعته
[ ١٨٤ ]
والترهيب من معصيته مع عظمهما، وفخامة شأنهما في هذه الكلمات اليسيرة. وأما الكناية فقوله تعالى (وبرزت الجحيم للغاوين) فالغاوون هاهنا كناية عن أبيه وقومه، ويدل على ذلك قوله (وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله) لأن كلامه في الأول كان معهم في عبادتهم الأصنام.
وأما التقديم والتأخير فإن ذكر إبراهيم النعمة وتعديد الإحسان قبل الدعاء وطلب الحاجة. وأما إنابة الفعل الماضي عن المضارع فقوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون) بعد قوله (ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم)، وفي ذلك من الفائدة ما أشرنا إليه في بابه، وقد سبق ذكره، فاعرفه.
ومما استطرف من هذا النوع قول ابن الزمكدم:
وليل كوجه البرقعيدي ظلمةً وبرد أغانيه وطول قرونه
سريتُ ونومي فيه نوم مشرَّدٌ كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أَوْلقٍ فيه التفات كأنه أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه سنا وجهة قرواش وضوء جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية وذلك أن هذا الممدوح كان جالسًا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء، وفي جملتهم هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنيًا
وسليمان بن فهد وزيرًا، وأبو جابر صاحبًا، فالتمس الممدوح من الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه فأنشد هذه الأبيات. وقد قال بعض أرباب هذه الصناعات إن هذا الشاعر لو تحدى بهذه الأبيات لأعجز
[ ١٨٥ ]
الشعراء أن يأتوا بمثلها، لأنه مع إتيانه بهذا النوع من علم البيان لم يقنع بذلك حق رقي في معانيه المقصودة إلى أسمق المنازل؛ فابتدأ في البيت الأول بهجو البرقعيدي، فجاء في ضمن مراده ذكر أوصاف ليل الشتاء جميعها، ولم يخل منها بشيء وهي الظلمة والبرد والطول، ثم إن هذه الأوصاف لليلة جاءت ملائمة لما وقعت عليه، مطابقة له: وكذلك البيت الثاني والثالث. ثم خرج إلى المدح بألطف وجه وأرق صنعة، فاعرف ذلك فانه لم يقل في هذا الباب أيدع من هذه الأبيات.
ومما جاء على نحو ذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
وصافية تغشى العيون بنورها رهينة عامر في الدَّنان وعام
أَدَرنا بها الكأس الروية بيننا من الليل حتى انجاب كل ظلام
فما ذرَّ قَرْنُ الشمس حتى رأيتنا من العي نحكي أحمد بن هشام
ألا ترى ما أحسن ما خرج هذا الشاعر في الهجاء، فإنه أوهم في الأول الخوض في صفة الخمر ثم استدرج المعنى الذي قصده في صفة الخمر، من حيث لا يعلم السامع لمطلع كلامه أنه يريد ذلك؛ وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
وأما الاقتضاب فهو الذي أشرنا إليه في صدر هذا النوع، وهو أن يقطع المؤلف كلامه ويستأنف كلامًا آخر غيره، من غير علاقة تكون بينه وبين ما قبله، فمن ذلك ما هو أحسن من
[ ١٨٦ ]
التخلص، وهو فصل الخطاب، ولنبين في ذلك ما يوقفك عليه، ويأخذ بمجامع قلبك فنقول: إن أريد فصل الخطاب، الفاصل في الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والصواب والخطأ فهو (فَعْل) بمعنى فاعل كالفَّوْم والزَّوْر، وقال بعضهم هو (أما بعد) لأن المتكلم يفتتح، إذا تكلم
في الأمر الذي له شأن؛ بذكر الله ﷿ (أما بعد) وهذا مذهب المحققين من علماء البيان. قالوا في الفصل الذي هو أحسن من الوصل هذا، وهي علامة وكيدة من الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره كقوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار) إلى قوله: (مفتحة لهم الأبواب) ألا ترى ما ذكر قبل (هذا ذكرُ) في الأنبياء، وأراد أن يذكر على عقبه بابًا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال (هذا ذكر) ثم قال (وإن للمتقين لحسن مآب). وبدل عليه لما أتم ذكر أهر الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال (وإن للطاغين لشر مآب) وذلك من فضل الخطاب الذي هو ألطف موقعًا من التخلص فاعرفه.