وهو ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة
وذلك ينقسم قسمين:
الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة، فغيرته العامة وجعلته دالًا على معنى آخر، وهو ضربان:
الأول: يكره ذكره، كقول أبي الطيب المتنبي:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني وعف فجازاهن عنّي بالصرم
فإن لفظة (صرم) في أصل وضع اللغة (القطع) يقال: صرمه أي قطعه، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على المحل المخصوص دون غيره. ثم لم يكفهم، حتى جعلوا ما هو بالسين صادا؛ ولأجل هذا استكره استعمال هذه اللفظة. وكذلك ما جرى هذا المجرى كقول أبي الطيب:
[ ٤٩ ]
سلي البيدَ أين الجنُ منّا بِجَوْزِها وعن ذي المهاري أين منها النقانق؟
فإن النقانق في أصل اللغة: هي جماعة النعام، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على ضرب من طعام السوقة، فصارت من أكثر الألفاظ ابتذالا. واعلم أن العامة اعتمدوا هذا في كثير من كلامهم، حتى أن الشيخ أبا منصور الجواليقي، صنف في ذلك كتابًا ووسمه (بإصلاح ما يغلط فيه العامة) فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكرنا استعماله على أرباب هذه الصناعة؛ لكراهته ولأنه مما لم يأت في كلام العرب، ولا جاء عنهم، فهذان عيبان من الضرب الذي ذكرناه.
وأما الضرب الثاني من القسم الأول؛ ففيه عيب واحد؛ وهو إنه وضع في كلام العرب لمعنى فجعلته العامة ذالًا على غيره، إلا إنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفًا إذا كان دمث الأخلاق، حسن الصورة واللباس، طيب الريح، وما هذا سبيله. والظريف في أصل اللغة بخلاف ذلك؛ لأن الإنسان إنما يسمى ظريفًا إذا كان حسن النطق فقط. إذ الظرف يتعلق باللسان لا غير. وقد قالت العرب في صفات خلق الإنسان: الصباحة في الوجه. الوضاءة في البشر. الجمال في الأنف. الحلاوة في العينين. الملاحة في الفم. الظرف في اللسان.
[ ٥٠ ]
الرشاقة في القد. اللباقة في الشمائل. كمال الحسن في الشعر. وهذا الضرب قد ذكره الشيخ أبو منصور الجواليقي في كتابه، فاعرفه.
القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن بابه. وإنما أنكرنا استعمال هذا القسم من الكلام، لأنه مبتذل بينهم فقط، لا لأنه مستقبح، ولا مخالف لما وضع
له في أصل اللغة. وذلك كقول أبي الطيب المتنبي:
فقلقلت بالهمَّ الذي قلقل الحشا قلاقل عيس كلهن قلاقل
ألا ترى إلى سخافة هذه اللفظة، وما عليها من الركاكة التي لا أمد وراءها!؟. ومما جاء على نحو ذلك قوله أيضًا:
وملمومة سيفية ربعية يصيح الحصا فيها صباح اللقالق
[ ٥١ ]
ومن هذا القسم قول ابن هانئ المغربي:
من ليس يرفل إلا في سَواِبغِهِ من تُبّعيً مفاض أو سلوقي
أم من يُذلً عماليقًا تذلُّهم أي الأجادل يسمو للكراكيَ
فإن كلًا من هاتين اللفظتين مبتذل بين العامة جدًا. وأمثال هذا كثير، فاعرفه. وعليك أيها المؤلف اجتنابه، والبعد عنه.