في الحروف العاطفة والجارة
وهو نوع ينبغي لمؤلف الكلام مراعاته والعناية به، لأن معانيه ودقائقه، لا يتنبه لها إلا الفطن اللبيب، وما رأيت أحدًا من علماء هذه الصناعة تعرض له ولا ذكره ولا أقول إنهم لم يعرفوا ذلك أصلًا، لأن هذا النوع من الكلام أشهر من أن يخفى؛ لأنه مذكور في كتب العربية جميعها، ولست أعني بإيرادها هنا ما يذكره النحويون من أن الحروف العاطفة تتبع المعطوفَ (المعطوفَ) عليه في الإعراب، ولا أنَّ الحروف الجارة تجر ما تدخل عليه بل أمرًا وراء ذلك، وإن كان المرجع فيه الأصل الذي ذكره علماء العربية في كتبهم فأقول:
إن أكثر الناس يجعلون ما ينبغي أن يعْطَف بالواو معطوفًا بالفاء، وما ينبغي أن يعْطَف بالفاء معطوفًا بثم، وكذلك يجعلون ما ينبغي أن يكون (بعلى) (بقي) في حروف الجر. وفي هذه الأشياء دقائق، أذكرها لك أيها المتأمل، لتعلم السر فيها. فأما حرف العطف فنحو قوله تعالى (قَتِلَ الإنسان ما أكفَرَهُ مِنْ أي شيء حَلَقه، من نطفة خلقه فقدَّرَهُ، ثم السَّبيْلَ يسّرهُ، ثم أماتهُ فأقْبَرهُ، ثم إذا شاءَ أنشرَهُ) ألا ترى انه لما قال (من نطفة خلقه) كيف قال (فقدَّره) ولم يقل (ثم قدّره) لأن التقدير لما كان تابعًا للخلقة، وملازمًا لها، عطفه عليها بالفاء، وذلك بخلاف قوله (ثم السبيل يسّره، لأن بين خلقته
[ ٢٠١ ]
وتقديره في بطن أمه وبين إخراجه منها وتسهيل سبيله مهلة وزمانًا، فلذلك عطفه (بثم) وعلى هذا جاء قوله تعالى (ثم أماته فأقبره) وقوله (ثم إذا شاء أنشره) لأن بين إخراجه من بطن أمه وبين موته تراخيًا وفسحة، وكذلك بين موته ونشوره أيضًا، ولهذا عطفهما (بثم). ولما لم يكن بين موت الإنسان وإقباره تراخ ولا مهلة عطفه بالفاء، وأمثال هذا كثيرة، فينبغي لمؤلف الكلام تديرها والإتيان بها في أما كنها.
واعلم أن في حروف العطف موضعًا تلتبس فيه الفاء بالواو، وهو موضع يحتاج إلى فضل تأمل لأنه شديد الاشتباه والالتباس؛ وذلك أن فعل المطاوعة لا يعطف عليه إلا بالفاء دون الواو، وقد يجيء من الأفعال ما يلتبس بفعل المطاوعة ويعطي ظاهره أنه كذلك، إلا أن معناه يكون مخالفًا لمعنى فعل المطاوعة، فينعطف حينئذ بالواو لا بالفاء. وهذا موضع غامض يجب على المؤلف التحرز من الوقوع فيه، فمن ذلك قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) فقوله تعالى (أغفلنا قلبه) هاهنا بمعنى صادفناه (غافلًا)، لأنه لو كان كذلك لكان معطوفًا عليه بالفاء وقيل (فاتبع هواه) وذلك أنه يكون مطاوعًا وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفًا بالفاء دون الواو كقولك (أعطيته فأخذ ودعوته فأجاب) ولا تقول (أعطيته وأخذ ولا دعوته وأجاب) كما لا تقول (كسرته وانكسر) وكذلك لو كان معنى (أغفلنا) في الآية (صددنا) و(منعنا) لكان معطوفًا بالفاء، وكان يقال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه) فلما لم يكن كذلك وكان العطف عليه بالواو؛ فطريقه أنه لما قال: (أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه أن يكون معناه (وجدناه غافلًا) وإذا وجد غافلًا فقد غفل لا محالة، وكأنه قال (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا
[ ٢٠٢ ]
واتبع هواه) أي لا تطع من فعل كذا وكذا. يعدد أفعاله، التي توجب ترك طاعته، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما حرف الجر فنحو قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ألا ترى إلى بداعة هذا المعنى المقصود بمخالفة حرفي الجر هاهنا فإنه إنما خولف بينهما في الدخول على الحق والباطل لأن صاحب الحق كأنه مستعلٍ على فرس جواد يركض حيث يشاء، وصاحب الضلال كأنه منغمس في ضلاله مرتبك فيه فلا يدري أين يتوجه، وهذا معنى دقيق قلما يراعي في الكلام وكثيرًا ما سمعت إذا كان الرجل يلوم صديقه أو
يعاتب خليله على أمر من الأمور فيقول له (أنت على ضلالك القديم كما أعهدك) وهذا وإن كان جائزًا في الكلام إلا أن استعمال (في) هاهنا أولى لما أشرنا اليه، ومن هذا النوع قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) فإنه إنما عدل عن اللام إلى (في) في الثلاثة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في الاستحقاق والتصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن (في) للوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها وذلك لما في فك الرقاب وفي الغرم من التخلص وتكرير (في) في قوله تعالى (وفي السبيل) فيه فضل وترجيح له على الرقاب وعلى الغارمين، وأمثال هذا مما يوجب مراعاته والاعتناء به (كثيرة) فاعرفه.
[ ٢٠٣ ]