في عطف المظهر على ضميره والإفصاح به بعده
وهذا إنما يعمد إليه لفائدة؛ وهي إما تعظيم حال المعطوف عليه، والتفخيم من شأنه، وإما ضد ذلك ونقيضه، مثال التعظيم قولك. . . (ولما تلاقينا وبنو تميم، أقبلوا إلينا يوفضون وابتدروا نحونا يركضون. وجاءوا كأنهم في تكاثفهم ليل،
وفي سرعتهم سيل. فرأينا منهم
[ ١٧٩ ]
أسودًا في المقاتلة، وثعالب في المخادعة والمخاتلة، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار) فانك إنما قلت: (وتناجد بنو تميم) مصرحًا بذكرهم، ولم تقل: وتناجدوا، كما قلت: (أقبلوا) و(ابتدروا) و(جاءوا) للدلالة على التعجب من شجاعتهم والتعظيم لشدتهم وإقدامهم. ولا سيما وقد أضفت إلى ذلك قولك: (لذنا بالفرار) و(استبقنا إلى تولية الأدبار) فكأنك قلت: وتناجد ألئك الفرسان المشاهير، والكماة المذكورون، وحكلوا علينا حملة واحدة، فولينا مديرين منهزمين.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. . .).
ألا ترى كيف صرح باسمه تعالى في قوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة). مع إبهامه مبتدئًا في قوله (كيف بدأ الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة)؟ والفائدة في ذلك ما ذكرناه ونبهنا عليه؛ وهو أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة والأشياء المستصبعة، وكان صدر الكلام واقعًا معهم في البداء، وقر رأيهم أن ذلك من الله - ﷿ - احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء فوجب أن لا تعجزه الإعادة؛ فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه - تعالى - إلى (العبارة) وأوقعه مبتدأ ثانيًا، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما الثاني وهو ضد الأول فانه يقصد به الذم كقوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين) فإنه إنما قال: (وقال الذين كفروا)
[ ١٨٠ ]
ولم يقل: (وقالوا) كالذي قبله، للدلالة على صدور الكلام
عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ. ولاسيما وقد انضاف إلى ذلك قوله تعالى: (وقالوا للحق لما جاءهم. . .) وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيهم، وما في ذلك من المبادهة؛ كأنه قال تعالى (وقال أولئك الكفرة، المتمردون بجرأتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المنير، قبل أن يذوقوه: إن هذا إلا سحر مبين). وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها.