وهو أن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة
ونعني بالوحشي: قلة الاستعمال؛ وذلك عيب في الكلام فاحش؛ فيجب على المؤلف اجتنابه والبعد عنه، لأن أحسن الألفاظ ما كان مألوفًا بين أرباب هذه الصناعة، دائرًا في تأليفاتهم، قد
[ ٤١ ]
صقلته الألسن، وأنسته الأسماع والقلوب. ولذلك كان جميع ألفاظ القران الكريم منخرطة في هذا السلك، وجارية في هذا المنهاج.
واعلم أن العرب، لأنه لغة استعملوا الوحشي من الكلام، فإنهم غير ملومين على ذلك، ولا يكون هيبًا في كلامهم؛ لأنه لغة القوم، وبه كانت مفاوضاتهم في أحاديثهم وأشعارهم، وكان كالذي كان لهم طبعًا وخليفة. والدليل على أن العرب لا يلامون في استعمال الوحشي من الكلام، أن النبي - ﷺ - قد نطق به كثيرًا في كلامه، وأنت به الأخبار المنقولة عنه، كحديث طهفة بن أبي زهير النهدي وغيره. فأما حديث طهفة فهو إنه لما قدمت وفود العرب على النبي - ﷺ - قام طهفة بن أبي زهير فقال: (أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة، على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس نستحلب الصبير ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير ونستخيل الرهام
[ ٤٢ ]
ونستحيل الجهام من أرض غائلة النطاء، غليظة المطا، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي. برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل أغفال
[ ٤٣ ]
ما تبض ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة، فليس لها نهل ولا علل) فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم بارك لهم في محضها ومخضها، ومذقها وفرقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وأفجر له الثمد، وبارك له في المال والولد. من أقام الصلوة كان
مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا. لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع المال. لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة، ولا نتثاقل
[ ٤٤ ]
عن الصلاة). وكتب معه كتابًا إلى بني نهد: (من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم العارض والفريش وذو العنان الركوب، والفاو الضبيس لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس در كم ما لم تضمروا الاماق وتأكلوا الرباق. من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله - ﷺ - الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة) فقال له علي بن أبي طالب - ﵁ - (يا رسول الله نحو بنو أب واحد وربينا في بلد واحد، وتراك تكلم وفود العرب بما لم نفهم أكثره)، فقال رسول الله ﷺ: (أدبني ربي فأحسن تأديبي، وربيت في بني سعد).
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لا يكاد يعرف ولا يفهم، وهو الذي نعده نحن في زماننا وحشيًا متوعرًا لعدم الاستعمال له؟ ومع ذلك، فقد نطق به رسول الله - ﷺ - فيثبت من هذا أن كان الوحشي من الكلام ليس معيبًا من حيث ذاته، وإنما يعاب من حيث النسبة إلى الزمان وأهله، كما أنا نعيبه نحن في هذا الزمان، ونطرحه ونكرهه، ولا نستعمله،
[ ٤٥ ]
وقد كان من قبلنا مألوفًا مستعملًا بين البلغاء والفصحاء. وهذا مما لا نزاع فيه يحال من الاحوال، فاعرفه.
وعلى ذلك فإنما يلام على استعمال الوحشي من الكلام الحضري؛ لأنه يتكلفه من الكتب، ويلتقطه من بطون الدفاتر، مع العناء والمشقة في تحصيله. وقد رأينا جماعة، ممن يدعي هذه الصناعة، يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعسر فهمه، ويبعد متناوله، كالذي نحن بصدد ذكره هاهنا. وإذا رأوا كلامًا غامضًا وحشيًا يعجبون منه، ويصفونه بالفصاحة وهو بالعكس من ذلك. وقد استعمل هذا
القسم من الكلام كثيرًا ابن هانئ المغربي، فمن ذلك ما جاء في قصيدة من شعره على قافية الثاء، وهو قوله:
وما راعهم إلا سُرادق جَعْفَر يَحُف بها أُسْدُ اللقاء الدلاهث
وما تستوي الشغواء غيرَ حثيثةٍ قوادُمها والكاسرات الحثائث
[ ٤٦ ]
تورَّعت عن دنياك وهي غريرة لها مَبْسِم برْد وفرعُ جثاجثُ
ألا ترى إلى هذه الكلمات، كيف يكرهها السمع، وينبو عنها الطبع، وتستكرهها القلوب، وتعافها النفوس، وكان الإنسان عند الوقوف عليها خابط (خبط) عشواء، لا يدري أين يضع رجله؟
ومن هذا النوع أيضًا قول بعضهم وقد اعتلت أمه فكتب رقاعًا وألقاها في الجامع بمدينة السلام وهي (صين امرؤٌ ورعى، دعا لامرأة مقسئنه، قد منيت بأكل الطرموق، فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن عليها بالاطرغشاش، والابرغشاش) وكل من قرًا رقاعه لعنه، ولعن أمه. ومما يجري هذا المجرى قول ابن الرومي:
اسقني الأسْكركةَ الصِنْ نّبْرَ في جعضلفونه
واترك الفيجن في هـ يا خليلي بغصونه
فإنه لا يوجد من الألفاظ الوحشية شيء أقبح من قوله (الأسكركة، وجعضلفون
[ ٤٧ ]
والصنبر). وكذلك قوله في صفة المطر:
مُتغطمطٌ، غصب الوحوش مكانها، تياره فالضب جارُ الضِّفْدعِ
فهل تجد أيها المتأمل لكتابنا هذا أشد كراهة عليك من النطق بلفظة متغطمط؟ وأشباه ذلك كثيرة. وفيما ذكرنا من هذه الأمثلة كفاية.
واعلم أن الإنكار على الناثر في استعمال الوحشي من الكلام أكثر من الإنكار على الناظم؛ وذلك لأن الناثر واسع المجال، مطلق العنان، متصرف كيف شاء، قادر
على أن يقيم مكان اللفظة، التي ذكرها لفظة أخرى مما هو في معناها. والناظم قد لا يمكنه ذلك، لأن مجال التأليف عليه حرج، ونطاقه ضيق. وإذا أراد أن يقيم لفظة مكان لفظة لا يتأتى له ذلك، في جميع الحالات، لانفساد الوزن عليه. ولنضرب لهذا مثالًا فتقول: ألا ترى أن معنى (متغطمط) في قول هذا الشاعر أي (متدفق) ولو أراد أن يجعل هذه اللفظة الحسنة مكان تلك اللفظة القبيحة، لفسد عليه وزن البيت. ولست أرى للشاعر في هذا دواء، إلا إنه إذا أتاه شيء من هذه الألفاظ الحسنة، ويتزن له الشعر مع ذلك فهو المراد، وأن كان لا يقع له من الألفاظ ما هو في معناه، ولا يتيسر له ذلك، فيقيم عوضه من الألفاظ الحسنة ما يصح به المعنى الذي قصده مع الاتزان. ألا ترى أن هذا الشاعر لو قال في هذا البيت (متدفق)
[ ٤٨ ]
(أو متراكم) أو ما جرى هذا المجرى لصح له الوزن والمعنى المقصود، وكان قد سلم من استعمال الوحشي من الكلام؟ وإنما يتهيأ للشاعر هذا، إذا كانت الكلمة في أول البيت أو في أثنائه، فأما إذا كانت آخرًا منه فإنه قلما يقدر على تغييرها، وإقامة غيرها مقامها، وذلك للزوم (القافية) التي بيني قصيدته عليها، فاعرف ذلك وقس عليه.