في التقديم والتأخير مما لا يتعلق بعلم النحو
كتقديم المفعول على الفاعل، وتقديم الحال والظرف، أو غير ذلك، فإن هذا قد أفردنا له بابًا، وجعلناه مقصورًا عليه، ومر ذكره في باب (شجاعة العربية).
وأما هذا الباب فانه يتعلق بتقديم الأشياء بعضها على بعض في الذكر؛ لاختصاص
أحدها بما يوجب له التقدم على الآخر، وذلك مما لا يحصره حد، ولا يأتي عليه شرح. وقد أشرنا نحن إلى نبذة منه، إذا تأملها الناظر في كتابنا هذا، يستدل بها على غيرها.
فمن ذلك تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين. . .) فإنه
[ ١٧٦ ]
إنما قدم العبادة على الاستعانة؛ لأن تقديم القربة والوسيلة قبل طلب الحاجة أنجح لحصول المطلوب، وأسرع لوقوع الإجابة. ولو قال: إياك نستعين، وإياك نعبد، لكان جائزًا، إلا أنه لا يسد ذلك المسد ولا يقع ذلك الموقع، وهذا لا يخفى على المنصف من أرباب هذه الصناعة.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء ظهورًا لنحيي به بلدة ميتا، ونسقيه مما خلقنا أنعامًا، وأناسي كثيرا).
ألا ترى كيف قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس؟ وإن كان الناس أشرف محلًا وأعلى مكانًا. وسبب ذلك ما أذكره لك وهو أن حياة الأرض سبب لحياة الأنعام والناس. ولما كانت الأنعام أيضًا من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها على الناس في الذكر، ولأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على سقيهم. فهذه نكت القرآن العجيبة ورموز أسراره اللطيفة التي إذا مر الإنسان عليها من غير أن يتدبرها، ويعطيها أفضل تأمل وتفكر لا يقع على خباياها، ولا يظفر بغرائبها.
ومن هذا النوع تقديم الأكثر على الأقل، كقوله تعالى (تم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه إنما قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته وأن معظم الخلق عليه ثم أتي بعده بالمتصدقين؛ لأنهم قليل بالإضافة إليه، وأخر السابقين بالخيرات، إذ كانوا أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم الأكثر ثم جاء بعده؛ بالأوسط ثم ذكر الأقل
أخيرًا، وذلك لائق في بابه. ولو عكست القضية لكان المعنى أيضًا واقعًا في موقعه لأنه يكون قدم الأفضل فالأفضل؛ وذاك أن السابقين بالخيرات أفضل من المقتصدين، والمقتصدين أفضل من الظالمين؛ ولنوضح في ذلك طريقًا يعرفه مؤلف
[ ١٧٧ ]
الكلام، فنقول:
اعلم أنه متى كان الشيئان أحدهما كثير والآخر أقل منه، وكان الأقل أفضل من الأكثر فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت، لأن في كل واحد منهما ما يوجب له التقدم، فاعرف ذلك وقس عليه نظائره وأمثاله.
ومن هذا النحو قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله يشاء إن الله على كل شيء قدير).
فإنه إنما قدم الماشي على بطنه لأنه أدل على القدرة من الماشي على رجلين؛ إذ هو ماش بغير الآلة المخلوقة للمشي، ثم ذكر الماشي على رجلين بعده، وقدمه على الماشي على أربع؛ لأنه أدل على القدرة أيضًا حيث كثرت آلات المشي في الأربع، وهذا من باب تقديم الأعجب فالأعجب فاعرف، ذلك.
ومن هذا النوع في التقديم والتأخير أنه إذا كان مطلع الكلام في معنى من المعاني ثم يجيء بعده ذكر شيئين أحدهما أفضل من الآخر، وكان معنى المفضول مناسبًا لمطلع الكلام فأنت بالخيار في تقديم أيهما شئت؛ لأنك إذا قدمت الأفضل فهو في موضع التقديم، وإن قدمت المفضول فلأن مطلع الكلام يناسبه، وذكر الشيء مع ما يناسبه أيضًا وارد في موضعه فمن هذا الأسلوب قوله تعال: (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) إلى قوله: (عليم قدير) فأنه إنما قدم الإناث أولًا على الذكور، مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدم الذكور وأخر الإناث بعد ما نكرهن وعرف الذكور؛ لأنه ذكر البلاء
في آخر الآية، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده، ثم عقب ذلك بذكر ملكه ومشيئه، وذكر قسمة الأولاد، فقدم الإناث؛
[ ١٧٨ ]
لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، وكان ذكر الاناث، اللتي هن من جملة ما لا يشاؤه الإنسان ولا يختار أهم، فالأهم واجب التقديم، ولبلاء الجنس الثاني (الذي) كانت العرب تعده بلاءً، ذكر البلاء، ولما أخر الذكور وهم أحق بالتقديم ثم تدارك ذلك بتعريفه إياهم؛ لأن التعريف تنويه بالذكر، (كان) كأنه قال (ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم) ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، وعرف أن تقديم الإناث لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتضى آخر) فقال: (أو يزوجهم) ذكرانا وإناثا، وهذه دقائق لطيفة، فلما يتنبه لها أو يعثر على رموزها.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو من قرآن ولا. . .) إلى قوله (. . . وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء، ومن حقها التأخير؛ لأنه إنما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: (لا يعزب عنه) لاءم بين. . . وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.