في الإطناب
اعلم أن هذا النوع من أنواع علم البيان، شديد الالتباس. كثير الاعتياص وذلك أن
[ ١٤٦ ]
جماعة من الأئمة المشهورين في هذه الصناعة قد جعلوه بمنزلة التطويل الذي هو ضد الإيجاز. وهذا غلط فاحش.
فمن جملة الأئمة الذين ذكروا ذلك، أبو هلال العسكري صاحب كتاب الصناعتين. فإنه قال في كتابه: (الإطناب في الكلام إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا للإشباع، وأفضل الكلام أبينه، والإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام، والأمر ما أطنب في الكتب السلطانية في إفهام الرعايا. وكما أن الإيجاز له موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه، كالحاجة إلى الإطناب في موضعه).
وقال النبي ﷺ: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم). ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب أو الإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ.
ولا شك أن الكتب الصادرة عن السلطان في الأمور العظيمة في الفتوح والتفخيم (في) مواقع النعم المتجددة، أو في الترغيب في الطاعة، والتحذير من العصيان، وغير ذلك ينبغي أن تكون مشبعة مستقصاة)، ألا ترى أن كتاب المهلب إلى الحجاج في فتح الأزارقة: (الحمد لله الذي كفى الإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلًا بنعمته، وقضى أن لا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه. ثم إنا وعدونا على حالين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا ويرون فينا ما يسوؤهم اكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم: ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحصنا ويمحقهم حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين).
[ ١٤٧ ]
وإنما يحسن هذا الكتاب لكونه في موضعه، فأما لو كتب إلى العامة، وقد تطلعت نفوسهم إلى معرفة ذلك الفتح العظيم، وتصرفت بهم ظنونهم في أمره، لجاء في أقبح صورة عندهم وأهجنها).
(واعلم، أن الإطناب بلاغة، والتطويل عي؛ فإن الإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة نزهة، تحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة، والتطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلًا بما يقرب).
فهذا حكاية كلام أبي هلال العسكري. ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك، فنقول:
أما قول أبي هلال: (الإطناب في الكلام، إنما هو بيان) فإن البيان في أصل اللغة: هو الظهور والوضوح؛ فيكون الإطناب، على قوله، ظهورًا في الكلام ووضوحًا لاغير، ويلزم على ذلك؛ أن يكون كل كلام ظاهر واضح إطنابًا، سواء كان ذلك الكلام، إيجازًا أو غيره من أصناف علم البيان. وهذا مما لم يذهب إليه أحد، لأن أبا هلال قد جعل الإطناب وصفًا من الأوصاف التي يشترك فيها جميع ضروب الكلام. وذلك أن البيان وصف يعم كل كلام ظاهر واضح، عن إيجاز أو تطويل أو تكرير أو غير ذلك. وليس الأمر كما وقع له، بل الإطناب نوع واحد من أنواع الكلام، فإن أصله (في) وضع اللغة من (أطنب في الكلام) إذا بالغ فيه. والمبالغة لها وجوه وطرق، كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن الماضي، وتوكيد الضمير المتصل بالمنفصل، وغير ذلك مما أشرنا إليه في كتابنا.
ومن جملة الوجود والطرق التي للمبالغة الإطناب، وسيأتي ذكره وتحقيق القول فيه، عند الفراغ من الاعتراض على كلام أبي هلال. وأما قوله: (إن البيان لا يكون إلا بالإشباع) لأنه جعل الإطناب بيانًا في القول الأول، وهذا لا يخلو من حالين: إما إنه يعني بالإشباع أن يوصل المعنى إلى حقه، مأخوذًا ذلك من (الشبع) يقال (شبع فلان)، إذا وصل في أكله إلى حقه، وقدر كفايته، فإن كان يعني بالإشباع ما ذكرناه فإن ذلك أمر عام لجميع ضروب الكلام
[ ١٤٨ ]
من الإيجاز، والتكرير، والمقابلة، والتفسير، وغيرهما، مما أشرنا إليه، فإن كل ضرب من هذه الضروب المذكورة، إذا وصل الكلام فيه إلى حقه، يكون إطنابًا، فذلك من أعجب
الأشياء وأطرافها. وأن كان يعني بالإشباع الزيادة على قدر ما يستحقه الكلام ويحتاج إليه، وذلك هو التطويل بعينه، فإنه يلزم من هذا القول، أن التطويل في الكلام، إذا كان واضحًا بينًا، يكون من أفضل الكلام، وذلك ما لا يوافق عليه، بحال من الأحوال، بل كان يحتاج في قوله: (إن أفضل الكلام أبينه) إلى قرينة أخرى، وهو أن كان قال (أفضل الكلام أوجزه وأبينه)، فإنه لو قال ذلك، لكان قوله صوابًا لا يخالف فيه، وأما قوله (وكما أن الإيجاز له موضع، فكذلك الإطناب له موضع، والحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في موضعه، ومن استعمل الإيجاز في موضع الإطناب والإطناب في موضع الإيجاز فقد أخطأ) فكأنه توهم من هذا القول، أن الإطناب ضد الإيجاز، وإذا كان الأمر كذلك فهو التطويل بعينه.
ومما يقوى هذا الوهم قوله أيضًا (إن الإيجاز للخواص، والإطناب يشترك فيه الخواص والعوام). وأما قوله إن النبي ﷺ قال: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم) فإن كان غرضه من قول النبي ﷺ مخاطبة كل فريق من الناس بما يفهمونه فهذا لا يتعلق بصنف واحد من صنوف الكلام، إطنابًا كان ذلك أو إيجازًا أو غيرهما، إذ الإفهام يشتمل على أنواع الكلام جميعها، ومتى لم يكن الكلام مفهومًا واضح المعاني فليس عندنا محسوبًا في جملة علم البيان، ولا نعده من صناعة التأليف بشيء.
وقد يخاطب مؤلف الكلام العامة بأوحش الخطاب وأحقره، ويفهمون من ذلك قوله، ويعرفون خطابه. فإن الأصل في الكلام: إنما هو كشف معانيه للمخاطب وإيضاحها له، وسواء عند ذلك خوطب به الخاصة أو العامة، فاعرف هذا وقس عليه.
ومعنى قول النبي - ﷺ -: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم)
أي كملوهم بما يعرفونه من الألفاظ ويعتادونه بينهم من الكلام، كما كتب ﵇ إلى كسرى
[ ١٤٩ ]
أبرويز فقال: (من محمد رسول الله إلى كسرى أبرويز عظيم فارس، سلام الله على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله)، وبعد، فأني رسول الله إلى الناس كافة. لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافروين، فأسلم تسلم وإن أبيت فإثم المجوس عليك) وكتب - ﵇ - أيضًا إلى قوم من العرب فقال لوائل بن حجر: (من محمد رسول الله إلى الأقبال العباهلة أهل حضرموت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة على التيعة شاة والتيمة لصاحبها وفي السيوب الخمس لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام). فسهل الألفاظ إلى كسرى أبرويز غاية التسهيل بحيث إنها لا تخفى على من له تشبث باللغة العربية، ولما كتب إلى أولئك القوم من العرب خاطبهم بما تقوى عليه قدرتهم، وهم معتادون لسماع مثله فهذا هو المقصود بقوله - ﷺ - (خاطبوا الناس على قدر عقولهم)، وليس المقصود من ذلك ما ذهب إليه أبو هلال العسكري (من مخاطبة قوم بالإيجاز، وقوم بالإطناب) الذي هو على قياسه محض التطويل.
وإذا كان الأصل في الكلام إنما هو بيانه ووضوحه فما الفائدة من تطويله، مع القدرة على اختصاره وإيجازه؟!
وأما قوله: (إن الإطناب البلاغة، والتطويل عي) فهو لعمري كذلك، إلا إنه على أصله يكون قد جعل البيان بلاغة؛ لأن الإطناب عنده إنما هو بيان، ويلزم على ذلك أن التطويل في الكلام إذا كان ذا بيان، يكون بليغًا. وهذا ما لم يذهب إليه أحد البتة، لأنه بضد الصواب وأما قوله (إن الإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيدة، نزهة، تحتوي على زيادة الفائدة، بما تأخذ النفس فيه من اللذة. والتطويل بمنزلة
سلوك ما يبعد، جهلًا بما يقرب) فإن هذا تمثيل صحيح
[ ١٥٠ ]
مناسب لما مثل به إلا إنه كان يحتاج إلى زيادة إيضاح. وهو أن يجعل المعنى المراد في كلام ما بمنزلة المقصد الذي يتوجه إليه السائر، ويجعل إلى ذلك المقصد ثلاثة طرق: أحدها قريب إليه، والآخران بعيدان عنه، متساويان في البعد. ويجعل الدلالة على ذلك المعنى المراد بالإيجاز بمنزلة الطريق القريب، ويجعل الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة أحد الطريقين البعيدين، ويجعل الدلالة عليه بالإطناب بمنزلة الطريق الآخر المساوي له في البعد، إلا إنه نزه يحتوي على زيادة فائدة، بما تأخذ النفس منه من اللذة. فهذه ثلاث تمثيلات مناسبة لما مثلت به فاعرفها.
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع وفرغنا من الكلام على ما ذكره أبو هلال في باب الإطناب، فلنورد نحن ما عندنا من ذلك فنقول:
اعلم أن الإطناب في أصل اللغة مأخوذ من (أطنب في الكلام: إذا بالغ فيه).
وقد ذكرنا ذلك أولًا في الاعتراض على كلام أبي هلال.
واعلم أن المبالغة تنقسم إلى أقسام كثيرة، وقد سبق ذكر شيء منها، كالإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، وبالمضارع عن الماضي. وسيأتي ذكر الباقي في كتابنا هذا.
ومن جملة أقسام المبالغة الإطناب، وفائدته زيادة التصور للمعنى المقصود وإما حقيقة وإما مجازًا. وهو على الحقيقة ضرب من ضروب التأكيد، فأما ما جاء من ذلك على سبيل الحقيقة فقوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) فإن الفائدة في قوله تعالى (في جوفه) كالفائدة في قوله (القلوب التي في الصدور) وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور للمدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور نفسه جوفًا (يحتوي) على قلبين. فكأن ذلك أسرع للإنكار.
وأما الذي جاء منه على سبيل المجاز فقوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن
تعمى القلوب التي في الصدور) ففائدة ذكر الصدور هاهنا إنه قد تعورف وعلم أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة ومثل.
[ ١٥١ ]
فلما أريد إثبات ما هو بخلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة، ونفيه عن الأبصار. احتاج هذا الأمر إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمى إنما هو القلوب لا الأبصار. وهذا نوع من أنواع علم البيان، وافر اللطائف، كثير المحاسن. فينبغي لمؤلف الكلام العناية به والمراعاة له، فاعرفه.