وهو أن تكون الكلمة مصغرة
في موضع يعبر بها عن شيء خفي أو لطيف أو ضعيف أو ما جانس ذلك ومعاني التصغير خمسة:
[ ٥٤ ]
الأول يرد لتحقير المعاني لا الصور نحو (رجيل) أي إنه حقير من حيث معناه، لا من حيث صورته.
(الثاني) يرد لتحقير الصور لا المعاني، وهو ضد الأول نحو (جبيل).
(الثالث) للتقريب وذلك في الظروف الزمانية والمكانية نحو: (وقيت) و(فويق).
(الرابع) يرد للتقليل وذلك في العدد نحو (مويل) و(أحيمال).
(الخامس) يرد للتعظيم كقول النبي - ﷺ - في حق عبد الله بن مسعود (كنيف مليء علمًا).
فإن قيل: التصغير إذا جعل أمارة للتحقير والتعظيم معًا زالت الفائدة المقصودة به، لأنه لا يصير دليلًا على أحدهما.
الجواب عن ذلك أنا نقول: ليس الأمر كما وقع لك: أن التصغير أمارة للتحقير والتعظيم على الإطلاق، من غير تقييد، بل هاهنا فرق بينهما، متى عرف لم ينكر جعلهم التصغير دليلًا على التحقير والتعظيم معًا، وهو أن التصغير الدال على التعظيم لا يكون إلا ومعه صفة مدح مقترنة (به). ألا ترى قول النبي، ﷺ: (كنيف مليء علمًا) فقوله (كنيف) تصغير محض وقوله: (مليء علمًا) صفة مدح، أوجبت له التعظيم، وذلك أن المشار إليه لما كان قصير الشكل، صغير الجثة، أطلق عليه لفظة التصغير بأن قال (كنيف) ولما كان غزير العلم، راجح اللب، أطلق عليه صفة المدح بأن قال (مليء علمًا) فصغره أولًا ثم عظمه ثانيًا، فقيل: (تصغير تعظيم) لما هذا سبيله، فاعرفه.
وأما التصغير الدال على التحقير فليس كذلك، لأنه لا يجيء معه صفه مدح البتة.
وأما أبنية التصغير فثلاثة: ثلاثي لا زيادة فيه، ويجيء على (فعيل) نحو (ثويب)
[ ٥٥ ]
ورباعي لا زيادة فيه ويجيء على (فعيعل) نحو (دريهم) فإن كان فيه زيادة من حروف المد واللين بين ثالثه ورابعه جاء على (فعيعيل) نحو (قنيديل). وأما الخماسي فيحذف منه الحرف الأخير، وهو أولى بالحذف نحو (سفيرج)، وربما حذفوا ما قبل الآخر، فقالوا في فرزدق: (فريزق). وقد جاءت اوزان غير هذه وهي (أفيعال) نحو (أطيفال) و(فعيلان) نحو (سكيران) و(فعيلى) نحو (حبيلى) و(فعيلاء) نحو (حميراء) والأصل ما أوردناه أولا، وذلك شيء مستقصى في كتب النحو، وليس هذا موضعه.
واعلم إنه قد وردت ألفاظ لم يستعمل لها مكبر نحو: الثريا، والجبن والكميت، وسهيل وغير ذلك. وليس هذا من غرضنا في هذا الكتاب الذي نحن بصدد ذكره، لخلود من معنى التصغير، فما جاء من التصغير قول الرضي:
وهل لُخشيف بالعَقيق عَلاقة بقلبي أم دانيت غير مُدان
فأنه لما كان هذا الغزال صغيرًا، قريب العهد بالولادة، كان وروده مصغرًا أليق وأحسن وأدخل في الصفة. وكذلك قوله أيضًا:
هل ناشد لي بعَقيق اللّوى غزَّيلًا مرَّ على الركب؟
وأمثال هذا كثير فاعرفه. فلا ينبغي لك أيها المؤلف أن تكثر من استعمال هذا النوع من الكلام في تأليفك، وان كان حسنًا رائقًا. بل الأليق بك أن تقتصر منه على الشيء اليسير، يكون كلامك به ملمعًا، فإن مثل التصغير وما جرى مجراه في التأليف، كمثل الوشي في الثوب الديباج، فإنه إذا كان ملونًا أحسن منه إذا كان من لون واحد. وكذلك الكلام، فإنه إذا كان مشتملًا على هذه الأنواع المذكورة من التصغير وغيره، مما سبق ذكره، ويأتي شرحه في هذا الكتاب، كان أولى من
اشتماله على نوع واحد فاعرف ذلك.
[ ٥٦ ]