وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى يكره ذكره
فإذا وردت وهي غير مقصودة بها ذلك المعنى قبحت؛ وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح، فأما إذا جاءت ومعها قرينة، مخصصة لما تحتها من المعنى المخصص، فإن ذلك لا يكون معيبًا في الكلام. فمثال ما ورد من هذا النوع ومعه قرينة، قوله تعالى في حق النبي - ﷺ - (فأما الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة، وهي تطلق على
[ ٥٢ ]
التعظيم والإكرام؛ وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الإهانة. وهما معنيان ضدان، فحيث وردت هذه الآية جاء معها قرائن قبلها وبعدها، تخصص معناها بالحسن، وتميزه عن
القبح. ولو جاءت مهملة بغير قرينة، ويراد بها المعنى الحسن، لسبق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك لو (قال) قائل: (لقيت اليوم فلانًا، فأكرمته وعزرته) لزال ذلك اللبس وارتفع الإشكال.
ومن هذا النوع أيضًا قول بعضهم، يصف رقعة، جاءته من صديق له (فأنارت إنارة الزواهر، والأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر). فإن لفظ (العانة) مشترك يدل على معان مختلفة، فهي اسم للقطيع من حمر الوحش، وتقع اسمًا على كواكب تحت القوس، ويراد بها الركب من الإنسان، فلما وردت في هذا الكلام ورد معها قرينة، وهي ذكر الفلك، فخصصها بأنها الكواكب تحت القوس، لأن الفلك لا يكون إلا للكواكب، ولو وردت مرسلة بغير قرينة لظن السامع أمرًا آخر يكره ذكره. وأمثال هذا كثير. فيجب على المؤلف أن يراعي فيه ما أشرنا إليه من ذكر القرينة.
واعلم إنه قد جاء الكلام (ما معه قرينة) فأوجبت قبحة، ولو تجيء القرينة معه لكان الأمر في استقباحه سهلًا، وذلك قول الشريف الرضي:
أعزز عليَّ بأن أراك وقد خلا عن جانبيك مقاعد العواد
فإن أبا محمد سنان الخفاجي قد ذكر هذا البيت في كتابه فقال: إن إيراد هذه اللفظة أعني (مقاعد) في هذا الموضع صحيح إلا إنه موافق لما يكره في مثل هذا الشعر، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهو (المواد) ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا،
[ ٥٣ ]
فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به) هذه حكاية كلام أبي محمد بن سنان الخفاجي، وهو كلام مرضي واقع موقعه في هذا الباب. ولنذكر نحن ما عندنا من ذلك فنقول: قد جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال). إلا أنها في الآية غير مضافة إلى من يقبح إضافتها إليه، كما جاءت في شعر الشريف
الرضي، وهو قوله (مقاعد العواد). فلو لم يذكر القرينة التي هي لفظة (العواد)، لكان الأمر يسهل في ذلك، ولو قال عوضًا عن (مقاعد العواد) مقاعد الزيارة، وما جرى هذا المجرى لذهب ذلك القبح وزالت تلك الهجنة والكراهة. ولهذا جاءت هذه اللفظة اعني (مقاعد) في الآية على ما ترى من الحسن والجودة، وجاءت في شعر الشريف الرضي على ما ترى من القبح والرداءة، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما الذي ورد من هذا النوع مهملا بغير قرينة، فكقول تأبط شرًا:
أقول للحيانٍ وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الجحر مُعور
ولو ورد مع ذلك قرينة لم يفده شيئًا البتة، ألا ترى أن لفظة (الجحر) تطلق على كل ثقب، كثقب الحية، وثقب اليربوع وغير ذلك، وتطلق أيضًا على المحل المخصوص من الحيوان، وإنما استقبحت هاهنا، لأن الوهم يسبق إلى ما تدل عليه من المحل المخصوص، دون غيره. ومع هذا فأي قرينة وردت مع هذه اللفظة لا تذهب ما عليها من الكراهة، ولا تزيل ما فيها من القبح. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها.