وهو أن تكون الكلمة مؤلفة من أقل الأوزان تركيبًا
وسبب ذلك أنها إذا ركبت من حروف قليلة خفت على النطق لقصرها، وسهل التعبير بها على اللسان لسرعة فراغه منها، وإذا تركيب من حروف كثيرة كان في النطق بها كلفة على الناطق، وذلك لتطاولها وامتداد الصوت بها. ولنضرب لهذا مثالا كيف اتفق، ليكون أسرع فهمًا للمتأمل، فتقول: إذا تلفظ الناطق بالثلاثي، فقال للماء الطيب (عذب) أو تلفظ بالرباعي، فقال للذهب (عسجد) كان ذلك أسهل عليه من التلفظ بالخماسي إذا قال للمرأة الشديدة الصوت (صهصاق) وللعجوز (جحمرش) وذلك مما لا يمكن النزاع فيه، لأن شاهده من نفسه ودليله من ذاته. ولهذا كانت أكثر ألفاظ القرآن الكريم ثلاثية، وكان القليل رباعيًا. وأما الخماسي فليس في القرآن منه شيء البتة، إلا ما كان اسم نبي فقط نحو إبراهيم، وإسماعيل. وغيرهما.
واعلم أن الأسماء الثلاثية في الأصل، إذا كان فيها زيادة فأكثر ما تبلغ سبعة أحرف، وكذلك الرباعية أيضًا. وأما الخماسية، فإن زيادتها لا تكون إلا حرفًا واحدًا، وذلك لأن الخماسي عندهم غاية الأصول، فلا يحتمل غاية الزيادات. وأما الأفعال فلا تكون خماسية في الأصل بل غايتها أن تكون رباعية فقط. وذلك أن الأسماء أقوى من الأفعال، وحيث كانت أقوى منها جعلوا لها ميزة عليها، وفضيلة فوقها. وسبب قوة الأسماء على الأفعال استغناء الأسماء عنها، وحاجة الأفعال إليها. إلا ترى الاسم نحو (زيد منطلق) كلام مفيد؟ والفعل مع الفعل نحو (ضرب قام) ليس بكلام مفيد؟ ولكن إذا اقترن الاسم بالفعل نحو (قام زيد) صار ذلك كلامًا
مفيدًا. فالأسماء إذن مستغنية عن الأفعال، والأفعال ليست مستغنية عن الأسماء، بل هي مفتقرة إليها. وحيث تكلمنا على الأصول الثلاثة؛ ثلاثيها ورباعيها وخماسيها
[ ٥٧ ]
وبلغ منا القول إلى هذا المقام فلنردف ذلك يذكر الأصول مع زوائدها، والغرض بها اجتناب الألفاظ التي كثرت حروفها واستعمال ما كان قليل الحروف، فإنه إذا كان التلفظ بالخماسي فيه كلفة على الناطق وكراهة، كما أريناك، فالأولى أن تزداد كلفته إذا تلفظ بكلمة فيها أكثر من خمسة أحرف، فمثال ذلك قول بعضهم، في جملة رقعة كتبها إلى صديق له، قاصدًا بها التشدق في الكلام، فقال (وإذا اسلعلعت تلك تجنبلت هذه وتكهمشت) أي إذا طالت تلك قصرت هذه. فإن قوله (اسعلعت) من أقبح الألفاظ طولا، مع أنها من وحشي الكلام فقد جمعت إذن العيبين معًا.
ومن هذا النوع أيضًا ما ذكره أبو محمد بن سنان الخفاجي وهو قول أبي الطيب المتنبي:
إن الكرام بلا كرام منهم مثل القلوب بلا سُوَيْداواتِها
ألا ترى إلى تطاول هذه اللفظة وخروجها عن الاعتدال؟ ويحسب ذلك يتضاعف استقباحها واستكراهها. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
فإن قبل: إن هذا الذي أنكرته من طول الألفاظ وذكرته هاهنا قد ورد في القرآن الكريم ما يماثله ويشابهه، فمن ذلك قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية. وقوله تعالى: (فسيكفيكهم الله).
فلفظة (ليستخلفهم) عشرة أحرف. ولفظة (فسيكفيكهم) تسعة أحرف. وأمثال ذلك في القرآن كثير. فلو كان هذا منكرًا في التأليف، مكروهًا في الكلام لما ورد في القرآن المجيد. الجواب عن ذلك، أنا نقول: ليس هذا الذي قد جاء في القرآن
الكريم مثل هذا الذي أوردناه نحن في كتابنا وأنكرناه على قائله؛ لان قوله تعالى (ليستخلفنهم) ثلاث كلمات جمعت فصارت
[ ٥٨ ]
كلمة واحدة صورة لا معنى. ألا ترى أن الأصل فيها (ليستخلفن الله المؤمنين) إلا إنه لما جاء بذكر المؤمنين مظهرًا في الأول لم يحتج في ذكرهم ثانيًا إلى الإظهار، بل اقتصر على ضميرهم كما تقول: (قاتلت بني فلان وحاربتهم) ينوب مناب قولك (وحاربت بني فلان أيضًا). وهذا مما لا نزاع فيه لوضوحه. وكذلك القول في اللفظة الأخرى وهي قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله) ولا تجد في القرآن الكريم لفظة واحدة، مثل لفظة (سويداواتها) في الطول، لأنها ليست ثلاث كلمات وقد جمعت كلمة واحدة كما أريناك وإنما هي كلمة تدل على معنى الجمعية لا غير، وفي آخرها الهاء والألف لإضافتها إلى المؤنث، فاعرف ذلك.
وأما النوع السابع الذي ابتكرناه نحن فهو أن تكون الكلمة مبنية من حركات خفيفة، وسبب ذلك سرعة النطق بهاء ومضاؤه فيها من غير عناء يلحقه ولا كلفة؛ ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة، لم يستكره ذلك ولم يستثقل، بخلاف هذا في الحركات الثقيلة؛ فإنه إذا توالى منها اثنتان في كلمة واحدة استكرهت واستثقلت؛ وذلك لما يجده الناطق فيها من تكلف العناء وتجشم المشقة. ومن أجل هذا استثقلت الضمة على الواو، والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من جنس الواو والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. ولنضرب لهذا مثالًا كيف اتفق فتقول: إنا إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف وهي (ج ز ع) فلا خلاف أنا إذا جعلنا (الجيم) مفتوحة كانت أحسن من جعلها مضمومة، فإن من له أدني ذوق وأقل معرفة يعلم أن (الجزع) أحسن موقعًا من الجزع، و(الجزع) أحسن موقعًا من (الجزع). ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرًا لمخارج حروفها، حتى ينسب حسنها وقبحها إلى المخارج، بل قد تحققنا إنه
يكسوها تارة حسنًا وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، ورأينا الحسن إنما يحدث لها إذا افتحنا (الجيم) منها، فعلمنا أن حسنها حادث من ذلك السبب؛ فإن الشيء إذا رأيناه يتغير وتختلف أحواله، ورأينا أن
[ ٥٩ ]
اختلاف كل حالة من أحواله لها سبب نسبنا ذلك إليه. ولما رأينا أن هذه اللفظة، إذا ضممنا الجيم منها يذهب ذلك الحسن، علمنا أن سبب ذهابه كون الجيم مضمونة. وحيث كانت الحال بهذه المثابة، ثبت أن أخف الحركات الفتح ثم الكسر ثم الضم؛ والدليل على ذلك ما أذكره لك؛ وهو أن الحركات مضارعة المحروف. ألا ترى أن جماعة من علماء العربية كانوا يسمون (الضمة) الواو الصغيرة و(الكسرة) الياء الصغيرة، و(الفتحة) الألف الصغيرة؟ ومما يؤكد ذلك أنك متى أشبعت الحركة أنشأت بعدها حرفًا من جنسها، نحو قولك في إشباع ضرب (ضوري با) ولهذا إذا احتاج الشاعر إلى إقامة الوزن اشبع الحركة فاشأ عنها حرفًا من جنسها كقول بعضهم:
فأنت من الغوائل حين ترمى ومن ذم الرجال بمنتزاح
يريد (بمنتزح) وهو مفتعل من النزح. فإذا ثبت هذا، فاعلم إنه إنما كانت الفتحة أخف من الكسرة، والكسرة أخف من الضمة؛ لأن الألف أخف من الياء، والياء أخف من الواو. والدليل على ذلك ما أذكره لك. فأما قولنا: إن الألف أخف من الياء فلأنا رأينا العرب قدًا بدلوا الألف من الياء في العين من الفعل الماضي، وذلك مطرد عندهم مستمر؛ وإنما فعلوا هذا استثقالًا للياء وطلبًا للاستخفاف، وبيانه أنهم قالوا: (باع، سار، وأختار) وأصله (بيع، وسير، واختير). فلما ثقل هذا عليهم أبدلوا الياء ألفا للخفة، فقالوا (باع، وسار، وأختار) وكذلك ما جرى هذا المجرى. فعلم بهذا أن الألف أخف من الياء. فإن قيل: إن هذا الدليل الذي أوردته على أن الألف أخف من الياء قد جاء عن العرب نقيضه، ألا ترى أنك إنما استدللت على إن الألف أخف من الياء، لكون العرب قد أبدلت الألف من الياء؟
وقد رأيناهم أبدلوا الياء
[ ٦٠ ]
من الألف، نحو (حماليق، وقيتال) فإن الياء هاهنا بدل من ألف حملاق وألف (قاتلت). الجواب عن ذلك أنا نقول: ليست هذه الصورة في الدليل الذي أوردناه نحن، لأن لفظ (باع، وسار، واختار) على وزنه لم يغير عنه، وذلك إنه فعل ماض، فلما رأينا العرب قد أبدلت الياء في هذا الموضع ألفًا، مع إنه لم يتغير وزنه يجمع ولا غيره، علمنا أنهم إنما فعلوا ذلك استثقالًا ألا ترى أن (حماليق) جمع (حملاق) (وقيتالا) مصدر (قاتلت) فلم تبدل الألف هاهنا ياء طلبًا للخفة وإنما أبدلت اضطرارًا، لئلا يلتبس الأمر عليهم. فانهم لو قالوا: جمع (حملاق) (حمالاق) لما عرف أن ذلك جمع؛ لأنه ليس في الجمع (فعالال). ألا ترى إن أصل (حملاق) من (حملق) على وزن فعلل. وهو رباعي، وقد جمع الرباعي على (فعاليل) نحو (برائين) و(دماميل) فحملت لفظة (حماليق) على ذلك، فالياء إذا ليست مبدلة من الألف هاهنا استثقالًا للألف بل اضطرارًا، لئلا يلتبس الأمر في ذلك. وكذلك (قيتال) فإن أصله من (قاتلت) ومصدر فاعلت، جاء على (مفاعلة وفيعال) نحو (مقاتلة وقيتال) فلو قيل عوضًا عن قيتال (قاتال) على وزن (فاعال) لالتبس الأمر في ذلك أيضًا. وذاك إنه ليس في أوزان المصادر (فاعال) فالياء إنما أبدلت في هذا الموضع من الألف اضطرارًا لا استثقالًا. ألا ترى إنها قد حذفت منه وأسقطت بالكلية، فقيل (قاتلت قتالًا)، ولم يفعل ذلك إلا طلبًا للخفة، لأنهم لما أبدلوا الياء، وهي ثقيلة، من الألف، وهي خفيفة، كان ذلك بخلاف عادتهم ونشأتهم؛ لأن من عادتهم أن يعدلوا عن الأثقل إلى الأخف لا إلى الأثقل. لكنهم لما اضطروا إلى إبدال الياء من الألف لم يتركوا الياء على حالها، بل حذفوها وأسقطوها كما أريناك. وكذلك فعلوا في لفظة (حماليق) أيضًا، فإنها لما أبدلت الياء فيها من الألف، حذفوا الياء أصلًا وأسقطوها فقالوا: (حمالق) على وزن (فعالل) كما قالوا (دراهم وبرائن) وكما طردوا كذلك جميع أوزان الرباعي،
فاعرف ذلك وقس عليه.
[ ٦١ ]
وأما قولنا (أن الياء أخف من الواو) فدليله من وجهين: الاول إنه إذا بني من الفعل المعتل فاؤه بالياء مستقيل لم تحذف الياء نحو (يسر وييسر، و(يعر) الجدي ييعر) ولا كذلك الفعل المعتل فاؤه بالواو، فإنه إذا بني منه مستقبل حذفت الواو، نحو (وعد يعد ووزن يزن)، ولم يقولوا: (وعد يوعد، ولا وزن يوزن) كما قالوا: (يسر ييسر، ويعر الجدي ييعر) فحيث أبقوا الياء في المستقبل ولم يبقوا الواو في المستقبل، علمنا أن حذفهم للواو إنما هو استثقال لها دون الياء.
وأما الوجه الثاني، فهو انك إذا بنيت (مفعولا) من المعتل العين بالواو حذفت منه حرفًا للاستثقال؛ فقلت في قال (مقول) وفي صاغ (مصوغ). وإذا بنيت مفعولا من المعتل العين بالياء إن شئت حذفت فقلت في باع (مبيع) وفي عاب (معيب) وإن شئت تمعت ولم تحذف فقلت: (مبيوع ومعيوب) وإنما لم يتموا في الواو فلم يقولوا: في مقول (مقوول) ولا في مصوغ (مصووغ) وأتموا في الياء فقالوا (مبيوع ومعيوب) لأن الياء فيها الضمة أخف من الواو فيها الضمة؛ ألا ترى أن الواو إذا انضمت فروا منها إلى الهمزة فقالوا (أدؤر وأثؤب) قال الراجز:
لكل دهر قد لبست أثؤبًا
[ ٦٢ ]
فالهمزة في الواو إذا انضمت مطردة. فأما إذا كان بعدها واو، كان ذلك أثقل لها. فلهذا ألزموها الحذف في (مفعول). والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير عن حالها، فهذا يدلك، ويبصرك أن الياء أخف من الواو، فاعرف ذلك.
هذا ما انتهت إليه المقدرة، وأحاطت به المعرفة، من الأوصاف التي توجد في اللفظة الواحدة، فليتأمله الواقف على كتابنا هذا وليتدبره؛ فإنه يفرق بين الجيد والرديء من الألفاظ، ويعرف ما يستعمله من ذلك، وما يطرحه. وحيث فرغنا من الكلام فيما يتعلق باللفظة المفردة، فلنتبعه بالكلام على الألفاظ المركبة، والله أعلم
بالصواب.
[ ٦٣ ]