وهو باب لطيف المأخذ، وإنما يفعل ذلك لضرب من المبالغة والتوكيد؛ كقوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب). قوله: (فضرب الرقاب) وأصله: فاضربوا الأعناق ضربًا؛ فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وفي ذلك اختصار مع إعطاءه (معنى) التوكيد المصدري، فاعرفه.
[ ١٢٨ ]
وأما حذف جواب الفعل، فإنه يكون في الأمر كقوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرًا. . .) إلى قوله: (. . . تدميرًا) ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؛ فإن تقديره: فقلنا: اذهبا إلى القوم الذين
كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا. فذكر حاشيتي القصة؛ أولها وآخرها، لأنهما المقصود من القصة بطولها، يعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف. . .) إلى قوله (. . . وهم لا يشعرون). اعلم أن في جواب الأمر من هذا الكلام محذوفًا تقديره (فأرسله معهم)، وبدلنا على ذلك ما جاء به بعده من قوله تعالى: (فلما ذهبوا به. كما حذف أيضًا في قوله ﷿): (وقال الذي نجا منهما واد كر بعد أمة. . .) إلى قوله (. . . بقرات سمان). الآية.
فجواب الأمر في هذا الموضع محذوف وتقديره. فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال له: (يوسف أيها الصديق). وكذلك قوله تعالى: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول. . .) إلى قوله: (. . . كيد الخائنين). ففي هذا الكلام حذف واختصار استغني عنه بدلالة الحال عليه، وتقديره (فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف، فدعا الملك بالنسوة وقال لهن ما خطبكن).
[ ١٢٩ ]
فانظر أيها المتأمل إلى هذه المحذوفات، التي كأنها لم تحذف من الكلام لظهور معناها وبيانه، ودلالة الحال عليه. وعلى نحو من ذلك ينبغي أن تكون الحذوف فاعرفها.