الخبر فى اللغة هو ما يحتمل الصدق والكذب. والإنشاء فى اللغة، هو ما لا يحتمل صدقا ولا كذبا، كالأمر والنهى، والدّعاء والتمنى، والتّرجّى، إلى غير ذلك مما يكون إنشاء، فإذا عرفت ذلك فنقول: لا شك أن قولنا: نذرت، وبعت واشتريت، وتصدّقت، وطلّقت، وعتقت، إخبارات فى وضع اللغة لاحتمالها الصّدق والكذب، وإنما التردد إذا وضعت لأحداث هذه الأحكام من النّذر، والبيع والشراء والتصدق والطلاق والعتاق إلى غير ذلك من تحصيل هذه الأحكام، فهل تكون إخبارات، أم إنشاءات، والأقرب أنها بحقيقة الإنشاء أشبه، لأمرين، أمّا أولا: فلأنها لو كانت موضوعة للإخبار، لكان حال الإخبار لوقوع مخبراتها، إما أن تكون فى الحال، أو فى
[ ١ / ٣٥ ]
الماضى، وهما باطلان، لأنها لو وقعت فى هذين الزمانين لا متنع تعليقها بالشرط، لأن الشرط لا يمكن تعليقه بالماضى، والحال. فبطل كونها إخبارا فى هذين الزمانين، ومحال أن تكون إخبارا فى الأزمنة المستقبلة، لأن قول المطلّق لامرأته أنت طالق، ليس بأقوى فى تصريحه بالزمن المستقبل، من قوله ستصيرين طالقا فى المستقبل، ولو صرّح بالتطليق فى المستقبل، لم تكن طالقا، فهكذا ما هو أضعف فى الدلالة على المستقبل، وهو قوله أنت طالق أولى ألّا يقتضى وقوع الطلاق، فبطل كونه دالا على الاستقبال. وأما ثانيا: فلأنها لو كانت موضوعة للإخبار، لكان لا يخلو حالها، إما أن تكون كاذبة، أو صادقة، فإن كانت كاذبة فلا عبرة بها، ولا التفات إليها فى تحصيل مقصودها، وإن كانت صادقة فهو باطل أيضا، لأن قولنا أنت طالق، إذا كان خبرا فلابدّ من أن يسبق مخبره ليكون مطابقا له، فيكون صدقا، فكان يلزم على هذا أن يكون الطلاق واقعا قبل حصول قولنا أنت طالق، وهذا محال، فظهر بمجموع ما ذكرناه ههنا أن الطلاق إنما يكون واقعا بقوله أنت طالق لا غير، وهذا هو فائدة الإنشاء وثمرته، ويؤيّد ما ذكرناه أنه للإنشاء قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[الطلاق: ١] وهذا أمر بالتطليق، فيجب أن يكون قادرا عليه، ومدوره لا ينصرف إلّا إلى قوله: طلّقت، وفى هذا دلالة على كونه مؤثرا فى الطلاق، وهو المقصود، فهذا ما أردنا ذكره من قسم الحقيقة وما يختص بها.