اعلم أن كثيرا من علماء البيان وجمعا من حذّاق الأصوليين قد أكثروا الخوض فى تعريف ماهية الحقيقة، وأتوا بأمور غير مرضيّة، فى بيان حقيقتها فأجمع تعريف ما ذكره أبو الحسين البصرىّ، فإنه قال: ما أفاد معنى مصطلحا عليه فى الوضع الذى وقع فيه التخاطب.
ولنفسّر هذه القيود فقوله «ما أفاد معنى» عامّ فى المعانى العقليّة والوضعية. وقوله مصطلحا عليه، يخرج عنه المعانى العقلية، كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادرا وعالما، إلى غير ذلك من المعانى العقلية. وقوله «فى الذى وقع فيه التخاطب» يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية، والعرفية، والشرعية، والاصطلاحية كما سنورد أمثلته. ولو قيل: هو اللفظ الدالّ على معنى بالوضع الذى وقع فيه ذلك الخطاب لكان جيدا، فقولنا:
«هو اللفظ الدالّ على معنى» يدخل فيه المعانى العقلية، والمعانى اللغوية والمجازية وقولنا «بالوضع» يخرج منه العقلية وقولنا: «الذى وقع فيه ذلك الخطاب» يدخل فيه جميع الحقائق
[ ١ / ٢٨ ]
كلها، على اختلاف أحوالها فى اللغة، والعرف، والشرع. ولنقتصر على هذا القدر من تعريف الحقيقة ففيه كفاية.