اعلم أنّ فى الناس من زعم أن اللغة حقيقة كلّها، وأنكر المجاز، وزعم أنه غير وارد فى القرآن ولا فى الكلام، ومنهم من زعم أن اللغة كلّها مجاز وأن الحقيقة غير محققة فيها.
وهذان المذهبان لا يخلوان عن فساد، فإنكار الحقيقة فى اللغة إفراط، وإنكار المجاز تفريط. فإن المجازات لا يمكن دفعها وإنكارها فى اللغة، فإنك تقول رأيت الأسد، وغرضك الرجل الشجاع، وقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[يوسف: ٢٠] وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ
[الإسراء: ٢٤] إلى غير ذلك، ولا يمكن أيضا إنكار الحقائق كإطلاق الأرض والسماء على موضوعيهما. وأيضا فإنه إذا تقرّر المجاز وجب القضاء بوقوع الحقائق لأنه من المحال أن يكون هنالك مجاز من غير حقيقة، فإذا بطل هذا القول فالمختار هو الثالث، وهو أن اللغة والقرآن مشتملان على الحقائق والمجازات جميعا، فما كان من الألفاظ مفيدا لما وضع له فى الأصول فهو المراد بالحقيقة، وما أفاد غير ما وضع له فى أصل وضعه فهو المجاز، وصار هذان المذهبان فى الفساد شبيهين بمن قال: إن الحقائق كلّها مفتقرة إلى التعريفات كلها وقول من قال: إنها مستغنية عن التعريفات كلها فكما أن المذهبين خطأ فهكذا ما قالاه. وإن الحق أن بعضها مفتقر إلى التعريف دون بعض. فالسواد والألم وما أشبههما لا يفتقر إلى تعريف، لوضوحه، والملك، والجنّ والجوهر، والعرض تفتقر كلها إلى التعريف فإذا تمهّدت هذه القاعدة فلنذكر ما يتعلّق بالحقيقة على الخصوص، ثم
[ ١ / ٢٧ ]
نذكر ما يتعلق بالمجاز على الخصوص. ثم نردفه بما يكون متعلقا بهما جميعا، فهذه أقسام ثلاثة، نفصلها بمشيئة الله تعالى.