فإن قال قائل فإذا كان موضوع اللغة هو الكلم المفردة، وهذا بعينه هو موضوع الفصاحة. فإذا كان موضوع علم الإعراب هو الكلم المركبة فهذا بعينه هو موضوع البلاغة، فمن أين تقع التفرقة بين موضوع علم اللغة وعلم الإعراب، وبين موضوع علم البيان، وعلم المعانى مع اتحاد الموضوع منهما فى الإفراد والتركيب؟
وجوابه هو أن علم اللغة، وعلم الفصاحة. وإن كان متعلّقهما الألفاظ المفردة، لكنهما يفترقان فى الدلالة، فإنّ نظر اللغوىّ مقصور على معرفة ما يدلّ على اللفظ بالوضع.
وصاحب علم البيان ينظر فى الألفاظ المفردة من جهة جزالتها، وسلامتها عن التعقيد، وبراءتها عن البشاعة، مع ما يتعلق بها من الأنواع المجازية، فإنها مؤدية المقصود بالطرق المختلفة، فافترقا كما ترى، وهكذا فإن النحوىّ، وصاحب علم المعانى، وإن اشتركا فى تعلقهما بالألفاظ المركبة، لكن نظر أحدهما مخالفا لنظر الآخر، فالنحوىّ ينظر فى التركيب من أجل تحصيل الإعراب لتحصل كمال الفائدة، وصاحب علم المعانى، ينظر فى دلالته الخاصة وهو ما يحصل عند التركيب من بلاغة المعانى. وبلوغها فى أقصى المراتب، فقد حصل مما ذكرناه التمييز مع الاشتراك فيما ذكرناه، وفى ذلك افتراقهما، وكشف الغطاء عما ذكرناه بمثال نورده وهو قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: ١٧٩] . فنظر اللغوىّ إنما هو من جهة كون القصاص والحياة موضوعين لمعانيهما المفردة، وغير ذلك من سائر الكلمات المفردة، ونظر صاحب البيان من جهة سلامة هذه الألفاظ المفردة عن التعقيد، وسلاستها، وسهولتها على اللسان. وهذه هو المقصود بالفصاحة. فقد افترقت الدلالتان مع اشتراكهما فى التعلق بالألفاظ المفردة وهكذا.
ونظر النحوىّ من جهة رفع المبتدأ، وتقديم خبره عليه وتنكير المبتدأ، وتوسيط الظرف إلى غير ذلك من الأحوال الإعرابية.
ونظر صاحب المعانى من جهة بلاغتها، وتأدية المعنى المقصود منها، على أوفى ما يكون
[ ١ / ١٣ ]
وأعلاه. وهذا هو المراد من البلاغة. فقد افترقا مع إشراكهما فى تعليقهما بالتركيب. ومن ههنا امتاز قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: ١٧٩] عما يؤثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» .
ومن أحاط علما بالفصاحة، وتغلغل فكره فى إحراز أسرارها، عرف أن بين ما ورد فى التنزيل، وبين ما أثر عن العرب فيما أوردناه من المثال فى الفصاحة والبلاغة، بونا لا تدرك غايته، وبعدا لا يحصر تفاوته، ولهذا فإنه من كان من المفسّرين نظره فى تفسير كلام الله مقصورا على معرفة المعانى الإعرابية، وبيان مدلولات الألفاظ الوضعية لا غير، من غير بيان ما تضمنه من أنواع الفصاحة والبلاغة، وتقرير مواقعهما الخاصة. فإنه يعدّ مقصّرا في تفسيره لكونه قد أخلّ بمعظم علومه، وأهملها وأعرض عن أجلّ مقاصده وتركها. وهو معرفة الإعجاز، لأنه موقوف على ما ذكرناه من معرفة الفصاحة والبلاغة جميعا.
ومن اعتمد فى تفسير كلام الله على ملاحظة جانب الفصاحة والبلاغة، ونزّل المعانى القرآنية عليها، سلم عن أكثر التأويلات النادرة، وبعد عن حمله على المعانى الركيكة التى وقع فيها كثير من المفسرين كما هو مذكور فى كتبهم.