فأما الأول وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى، فإنه ينقسم إلى ضربين: مفيد وغير مفيد.
فالأول المفيد، وهو فرعان:
الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان:
كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.
هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: "يحق الحق وليحق الحق" وإنما جيء به ههنا لاختلاف المراد، وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين، والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ٢.
فكرر قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: الآيتان ٧ و٨. ٢ سورة الزمر: الآيات ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥.
[ ٣ / ٥ ]
الأول: إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخص الله وحده دون غيره بعبادته، مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخره في الأول؛ لأن الكلام أولًا وقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل من أجله، ولذلك رتب عليه ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ .
وعليه ورد قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١.
وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: "زيد الأفضل"، وقلنا: "الأفضل زيد"، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول الأول الذي هو "زيد الأفضل"، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها، فيقال: "زيد الأجمل"، أو "زيد الأنقص"، وإذا قلنا: "الأفضل زيد"، وجب تخصيصه بالنفس، ولم يمكن تغيير عنه.
وكذلك يجري الحكم في هذه الآيات، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم قال: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها
_________________
(١) ١ سورة النور: الآية: ٦٢.
[ ٣ / ٦ ]
من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١.
فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني.
ومما يعد من هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٢.
وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه، وليس الأمر كذلك، فإن معنى قوله: ﴿لا أَعْبُدُ﴾ يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت ما، فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام؟ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ في الماضي في وقت ما ما أنا على عبادته الآن.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: الآية ١٥. ٢ سورة الكافرون. ٣ سورة فاتحة الكتاب: الآيات ١ و٢ و٣.
[ ٣ / ٧ ]
فكرر"الرحمن الرحيم" مرتين، والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني بأمر الآخرة.
فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلا منهم على أكمل صفة، وأعطاه جميع ما يحتاج إليه حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها.
وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين.
وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه، لتنكشف لك الفائدة منه.
ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ١.
فكرر قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٢ ليؤكده عندهم، ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما بعلة، فجعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه فيهم، وخلوه من الأغراض فيما يدعوهم إليه.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء: الآيات ١٠٥-١١٠. ٢ زيادة عن الأصل يقتضيها السياق.
[ ٣ / ٨ ]
ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ١.
وإنما كرر تكذيبهم ههنا؛ لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة، فذ كره أولًا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية، فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولًا، وبالاستثناء ثانيًا، وما في الاستثناء من الوضع على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق العذاب وأبلغه.
وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعرف مواقع التكرير، والفرق بينه وبين غيره، فافهمه إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني من الضرب الأول ٢:
إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدل على معنى واحد، والمراد به غرض واحد، كقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ٣.
والتكرير دلالة على التعجب من تقديره، وإصابته الغرض، وهذا كما يقال: "قتله الله ما أشجعه أو ما أشعره! "
_________________
(١) ١ سورة ص: الآيات ١٢ و١٣ و١٤. ٢ أي: التكرير المفيد. ٣ سورة المدثر: الآيتان ١٩ و٢٠.
[ ٣ / ٩ ]
وعليه ورد قول الشاعر:
ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي١
وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد إثباته.
وعليه ورد الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ قال: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا، فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن إلا أن يطلق علي ابنتي وينكح ابنتهم".
فقوله: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن" من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز، لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع علي ﵁ من التزويج بابنة أبي جهل بن هشام.
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ ٢.
ومن أجل ذلك نقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"؛ لأن قولنا: "لا إله إلا الله" مثل قولنا: " وحده لا شريك له" وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته؛ وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثنوية.
_________________
(١) ١ صدر بيت وعجره: ثلاث تحيات وإن لم تكلمي والبيت في ديوان الحماسة ٢/ ١٣٧. والبيت ثالث ثلاثة أبيات رواها أبو تمام، ولم ينسبها لصاحبها، والأبيات هي: ولا غرو إلا ما يخبر سالم بأن بني أشباهها نذروا دمي وما لي من ذنب إليهم علمته سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي نعم فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلمي ٢ سورة القيامة: الآيتان ٣٤ و٣٥.
[ ٣ / ١٠ ]
والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن وأشد موقعا.
ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ١.
فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول، فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم٢، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
وعلى ذلك ورد قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ ٣.
فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ يقوم مقام قوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾؛ لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم بالذم، ورجمهم بالعظائم، ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم.
وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهم من الأمر، بصرف العناية إليه ليثبت ويتقرر.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا
_________________
(١) ١ سورة الروم: الآيتان ٤٨ و٤٩. ٢ الإبلاس اليأس، أبلس إذا يئس. ٣ سورة التوبة: الآية ٢٩.
[ ٣ / ١١ ]
تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١.
فتكرير لفظة "أولئك" من هذا الباب الذي أشرنا إليه، لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ ٢.
فإنه إنما تكررت لفظة "هم" للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون، لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار إليها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ ٣.
وأمثال هذا في القرآن كثير.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص:
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الرعد: الآية ٥. ٢ سورة النمل: الآية ٥. ٣ سورة الحشر: الآية ١٧. ٤ سورة القصص: الآيتان ١٨ و١٩.
[ ٣ / ١٢ ]
فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ بتكرير "أن" مرتين دليل على أن موسى ﵇ لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته إلى قتل الأول، بل كان عنه إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ .
وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية، فقال: إن "أنّ" الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل: لما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ١.
وقد اتفق النحاة على أن "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل زائدة.
فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا "أن" ترد بعد "لما" وقبل الفعل في القرآن الكريم، وفي كلام فصحاء العرب، فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت "لما" وورد الفعل بعدها بإسقاط "أن" دل ذلك على الفور، وإذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء.
وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أني أقول: فائدة وضح الألفاظ أن تكون أدلة على المعاني، فإذا وردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة، فالأولى
_________________
(١) ١ سورة يوسف: الآية ٩٦.
[ ٣ / ١٣ ]
أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه.
ولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة "أن" الواردة بعد "لما" وقبل الفعل دالة على معنى، فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة؟.
فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه.
قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالة على معنى فالذي أشرت إليه معنى مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودل الدليل حينئذ أنها ليست زائدة.
الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجة إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا، إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز؟ هذا محال.
وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ فإنه إذا نظر في قصة يوسف ﵇ مع إخوته منذ ألقوه في الجب إلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇ وجد أنه كان ثم إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون حول تلك المدة، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد "لما" وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه.
[ ٣ / ١٤ ]
وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم.
واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة.
وقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل في فصيح الكلام. فمنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ ١ والرجز هو العذاب.
وعليه ورد قول أبي تمام٢:
نهوض بثقل العبء مضطلع به وإن عظمت فيه الخطوب وجلت
والثقل هو العبء، والعبء هو الثقل.
وكذلك ورد قول البحتري٣:
ويوم تثنت للوداع وسلمت بعينين موصولا بلحظهما السحر
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر
فإن الكرى هو النوم.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: الآية ٥. ٢ ديوان أبي تمام. من قصيدة له يمدح فيها حبيش بن المعافى، ومطلعها. نسائلها أي المواطن حلت وأي بلاد أوطنتها وأيت ٣ ديوان البحتري ١/ ٥٤ من قصيدة له في مدح المتوكل مطلعها: متى لاح برق أوبدا طلل قفر جرى مستهل لا بكي ولا نزر
[ ٣ / ١٥ ]
وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة، وظنوه مما لا فائدة فيه، وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، والمبالغة فيه.
أما الآية فالمراد بقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: عذاب مضاعف من عذاب. وأما بيت أبي تمام فإنه يتضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال.
وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم، فكرر المعنى على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له، وزيادة في بيانه.
وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي.
ولربما أدخل في التكرير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه أيضًا أحد سواي.
فمنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فلما تكرر "إن ربك" مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
ومثل هذا قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ
_________________
(١) ١ سورة النحل: الآية ١١٩. ٢ سورة النحل: الآية ١١٠.
[ ٣ / ١٦ ]
أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١.
وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك.
وقد أنعمت نظري فيها فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذلك أنه أطال الفصل من الكلام، وكان أوله يفتقر إلى تمام إلا يفهم إلا به، فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ الأول مرة ثانية، ليكون مقارنا لتمام الفصل، كي لا يجيء الكلام منثورا، لا سيما في "إن وأخواتها".
فإذا وردت "إن" وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام فإعادة "إن" أحسن في حكم البلاغة والفصاحة، كالذي تقدم من هذه الآيات.
وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة٢:
أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ونأي حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنه لكريم٣
فإنه لما طال الكلام بين اسم إن وخبرها أعيدت "إن" مرة ثانية؛ لأن تقدير الكلام: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ١٨٨. ٢ ديوان الحماسة ٢/ ١٠٥ ولم ينسبهما أبو تمام. ٣ رواية البيت الثاني في ديوان الحماسة: وإن امرأ دامت مواثيق عهده على مثل ما قاسيته لكريم وعلى هذه الرواية لا يكون البيت موضعا للاستشهاد؛ لأنه لا تكرار فيه.
[ ٣ / ١٧ ]
لكن بين الاسم والخبر مدى طويل، فإذا لم تعد "إنّ" مرة ثانية لم يأت على الكلام بهجة ولا رونق.
وهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما.
وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر "إن" عاملا في معمول يطول ذكره، فإن إعادة الخبر ثانية هو الأحسن.
وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١.
فلما قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ .
وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا مثل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ٢ فإنه لما طال الفصل أعاد قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فاعلم ذلك وضع يدك عليه.
وكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: الآية ٤. ٢ سورة آل عمران: الآية ١٨٨. ٣ سورة النحل: الآية ١١٩.
[ ٣ / ١٨ ]
وكذلك الآية الأخرى وهي: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ .
ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد ﷿: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ١.
فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة؛ ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة، فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألا يتهموه، فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم.
وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز، وأشد موقعا من الاختصار، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٢.
فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجددوا عند استماع كل نبإ من أنباء الأولين ادكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا، إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرات؛ لئلا يغلبهم السهو، وتستولي عليهم الغفلة.
_________________
(١) ١ سورة المؤمن: الآيتان ٣٨ و٣٩. ٢ سورة القمر: الآيتان ٣٩ و٤٠.
[ ٣ / ١٩ ]
وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
وذلك عند كل نعمة عددها على عباده.
وأمثال هذا في القرآن الكريم كثير.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة١:
إلى معدن العز المؤثل والندى هناك هناك الفضل والخلق الجزل٢
فقوله: "هناك هناك" من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده.
وكذلك ورد قول المساور بن هند٣:
جزى الله عني غالبا من عشيرة إذا حدثان الدهر نابت نوائبه٤
_________________
(١) ١ نسبه أبو تمام إلى خلف بن خليفة مولى قيس بن ثعلبة، وهو شاعر إسلامي مجيد مقل عاصر جريرا والفرزدق، ويعرف بالأقطع؛ لأنه قطعت يده بسرقة اتهم بها. ٢ رواية ديوان الحماسة ٢/ ٣٣٦ "المؤيد" موضع "المؤثل" والبيت من جملة أبيات أولها: عدلت إلى فخر العشيرة والهوى إليهم وفي تعداد مجدهم شغل ٣ هو ابن قيس بن زهير بن حذيفة بن خزيمة بن روحة، هكذا قال التبريزي، وقال غيره: هو شاعر إسلامي مقل. ٤ بعد هذين البيتين بيتان، وهما: إذا قلت عودوا عاد كل شمردل أشم من الفتيان جزل مواهبه إذا أخذت بزل المخاض سلاحها تجرد فيها متلف المال كاسبه راجع ديوان الحماسة ٢/ ٢٩١. ولم ينسب أبو تمام هذه الأبيات للمساور، ولكنه رواها بعد أبيات للمساور أولها: فدا لبنى هند غداة دعوتهم يجو وبال النفس والأبوان ثم روى بعد هذه الأبيات الأبيات الأربعة، ونسبها لآخر، ورواية الحماسة في البيت الأول جزى الله خيرا غالبا
[ ٣ / ٢٠ ]
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت علي وموج قد علتني غواربه١
فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك؛ لأنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند حدثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان القائل هاجيا، فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين لا في الوسط.
واعلم أنه إذا وردت "إن" المكسورة المخففة قبل "ما" كانت بمعناها سواء.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ فـ"إن" و"ما" بمعنى واحد، وإذا أوردت من بعد "ما" كانت من باب التكرير كقولنا: "ما إن كذا وكذا" أي: ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من التكرير، فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه.
وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله٢:
العارض الهتن ابن العارض الهتن ابـ ـن العارض الهتن ابن العارض الهتن
_________________
(١) ١ الغوارب أعلى الموج وأعلى الظهر. ٢ ديوان المتنبي ٤/ ٢٠٩ من قصيدة له في مدح أبي عبيد الله محمد بن عبد الله القاضي الأنطاكي، ومطلعها: أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
[ ٣ / ٢١ ]
وليس في هذا البيت من تكرير، فإنه كقولك: "الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا"، أي: إنه عريق النسب في هذا الوصف.
وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك، كقول النبي ﷺ في وصف يوسف الصديق ﵇: "الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ الطعن من جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب فيه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضي على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه، فإن الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب الحسن عنها.
وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية١.
ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة "العارض"٢ بلفظة "السحاب"، أو ما يجري مجراها، لكان أحسن.
وكذلك لفظة "الهتن"٣ فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ولفظة "العارض"، وإن كانت قد وردت في القرآن،
_________________
(١) ١ انظر صفحة "٢١١" من القسم الأول من هذه الطبعة. ٢ العارض السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله تعالى: ﴿عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ . ٣ هتنت السماء تهتن هتنا وهتونا وهتنانا وتهتانا، وتهاتنت: انصبت، أو هو فوق الهطل، أو الضفيف الدائم، أو مطر ساعة، ثم يفتر ثم يعود، وسحاب هاتن وهتون.
[ ٣ / ٢٢ ]
وهي لفظة حسنة، فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر.
وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك.١
وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع، وهم الذين قيل فيهم:
وكذا كل أخي حذلقة ما مشى في يابس إلا زلق
فترى أحدهم قد جمع نفسه وظن على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام بالإيجاز، وكلام بالتطويل، أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم يوجد عنده من القول شيء، إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض.
_________________
(١) ١ انظر صفحة "٢١٣" من القسم الأول من هذه الطبعة، وقد وازن فيها بين استعمال كلمتي "العسل" و"الشهد" في شعر للأعرج ولأبي الطيب وآية من القرآن الكريم.
[ ٣ / ٢٣ ]