ولنورد الآن الضرب الأول الذي هو "الإيجاز بالتقدير":
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ١.
فقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ دعاء عليه، وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله عليه.
ولا نرى أسلوبًا أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أخشن مسا، ولا أدل على سخط مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه!
ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى زمانه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾؟
ثم بين الشيء الذي خلق منه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أي: هيأه لما يصلح له.
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي: سهل سبيله، وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريق الخير والشر، والأول أولى؛ لأنه تال لخلقته وتقديره، ثم بعد ذلك يكون تيسير سبيله لما يختاره من طريقي الخير والشر.
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، أي: جعله ذا قبر يوارى فيه.
﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه.
﴿كَلَّا﴾، ردع للإنسان عما هو عليه.
﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقض مع تطاول زمانه ما أمر الله به، يعني أن إنسانًا لم يخل من تقصير قط.
_________________
(١) ١ سورة عبس: الآيات ١٧-٢٣.
[ ٢ / ٢٦١ ]
ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك؛ لأنك كنت تذهب بجزء من معناه؟.
والإيجاز هو ألا يمكنك أن تسقط شيئا من ألفاظه١.
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ ٢.
فقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ من جوامع الكلم، ومعناه أن خطاياه الماضية قد غفرت له وتاب الله عليه فيها، إلا أن قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أبلغ: أي أن السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنما هو له.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣.
ف"عليه كفره" كلمة جامعة تغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأن من أحاط به كفره، فقد أحاطت به كل خطيئة.
وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
فهذا الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم.
وروي أن النبي -ﷺ- قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي، أعده، فأعاد النبي ﷺ قراءتها عليه، فقال له: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
ومن هذا النحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ
_________________
(١) ١ أي من ألفاظ هذا الكلام. ٢ سورة البقرة: الآية ٢٧٥. ٣ سورة فاطر: الآية ٣٩. ٤ سورة النحل: الآية ٩٠.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ١.
وهذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة التي دلت على تخويف، وإرهاب ترق القلوب، وتقشعر منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك الأمر الفظيع في أسهل لفظ وأقربه، وما مررت عليها ألا جدت لي موعظة، وأحدثت عندي إيقاظا.
ومن هذا الضرب، ورد عن النبي -ﷺ- في دعائه لأبي سلمة٢ عند موته، فقال: "اللهم ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين لنا، وله يا رب العالمين".
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأوله مفتتح بالمهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة، وثانيه مردف بالمهم الذي يؤثر المدعو له من صلاح حاله عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختتم بالجمع بين الداعي والمدعو له.
وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما قصد له.
وكلام النبي -ﷺ- هكذا كما قال: "أوتيت جوامع الكلم".
وكذلك ورد قوله -ﷺ- يوم بدر، فإنه قال: "هذا يوم له ما بعده"، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة "ق": الآيات ١٦-٢٢. ٢ هو أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي، اسمه عبد الله بن عبد الأسد، وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم، كان ممن هاجر بامرأته أم سلمة بنت أبي أمية إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح يوم أحد جرحًا اندمل ثم انتقض فمات منه، وذلك لثلاث مضين لجمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله -ﷺ- امرأته.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ولما جرح عمر بن الخطاب -﵁- الجراحة التي مات بها اجتمع إليه الناس، فجاءه شاب من الأنصار وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، لك من صحبة رسول الله وقدم في الإعلام ما علمت، ووليت فعدلت، ثم شهادة.
وهذا كلام سديد قد حوى المعنى المقصود، وأتى به في أوجز لفظ وأحسنه، ومع ما فيه من الإيجاز فإنه مستغرب، وسبب استغرابه أنه جعل المساءة بشرى، وأخرجها مخرج المسرة، وتلطف في ذلك فأبلغ، ولو أراد الكاتب البليغ والخطيب المصقع، أن يأتي بذلك على هذا الوجه لأعوزه.
ومن هذا النمط ما كتبه طاهر بن الحسين١ إلى المأمون٢ عند لقائه "علي بن" عيسى بن ماهان٣ وهزمه إياه وقتله، فكتب إليه: "كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس "علي بن" عيسى بن ماهان٣ بين يدي، وخاتمه في يدي، وعسكره مصرف تحت أمري، والسلام"٤.
وهذا من الكتب المختصرة التي حوت الغرض المطول، وما يكتب في هذا المقام مثله.
_________________
(١) ١ كان جده رزيق بن هامان، مولى طلحة الطلحات الخزاعي المشهور بالكرم والجود المفرط، وكان طاهر من أكبر بن أعوان المأمون، وسيره من مروكرسي خرسان لما كان المأمون، بها إلى محاربة أخيه الأمين ببغداد لمام خلع بيعته، وسير الأمين أبا يحيى علي عيسى بن ماهان لدفع طاهر عنه، فتواقعا، وقتل علي في المعركة ومولد طاهر سنة تسع وخمسين ومائة، وتوفي يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين بمدينة مرو. ٢ ويروى أنه كتب بهذا الكتاب إلى الفضل بن سهل أول وزراء المأمون. ٣ في الأصل "عيسى بن ماهان"، والصحيح ما ذكرناه. ٤ ويروى أن نص الكتاب إلى الفضل بن سهل "أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك وجعل من يشناك فداءك، كنيت إليك ورأس علي بن عيسى في حجري وخاتمه في يدي، والحمد لله رب العالمين"، فلما وصل الكتاب إلى الفضل نهض، فسلم على المأمون بأمير المؤمنين، وأمد طاهرا بالرجال والقواد وسماه "ذا اليمينين وصاحب حبل الدين".
[ ٢ / ٢٦٤ ]
ولما أرسل المهلب بن أبي صفرة١ أبا الحسن المدائني٢ إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار الأزارقة كلمه كلاما موجزا كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، وذاك أن الحجاج سأله، فقال: كيف تركت المهلب؟ فقال: ما أدرك ما أمل، وأمن مما خاف.
فقال: كيف هو لجنده؟ قال: والد رءوف.
قال: كيف جنده له؟ قال: أولاد بررة.
قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله٣.
قال: كيف تصنعون إذا لقيتم عدوا؟٤ قال: نلقاهم بجدنا "فنطمع فيهم"٥، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا"٥، قال: كذلك الجد إذا لقي الجد.
"قال: فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه.
قال: فما منعكم من اتباعه، قال: رأينا المقام من ورائه خيرًا من اتباعه"٥.
_________________
(١) ١ عمل المهلب لبني أمية، وحارب عنهم الأزارقة، وآخر ما تولى من الأعمال بلاد خرسان، تولاها من جهة الحجاج يوم كان له العراقان، وما زال عليهما حتى توفي سنة ٨٣هـ، وهو من كبار رجال الإسلام في تلك الدولة، وقداشتهر هو وآله بالكرم والشجاعة. ٢ اختلط الأمر على ابن الأثير، فإن المهلب لم يرسل أبا الحسن المدائني، وإنما أرسل مالك بن بشير، وأبو الحسن المدائني إنما هو راوية هذا الخبر فقط، والصحيح ما ذكره صاحب العقد "١/ ١٢٢" أن أبا الحسن المدائني، قال: لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة، صاحب الأزارقة بعث إلى مالك بن بشير، فقال له: إني موفدك إلى الحجاج، فلم دخل على الحجاج قال له: ما اسمك؟ قال: مالك بن بشير، قال: ملك وبشارة! كيف تركت المهلب؟ ". ٣ رواية العقد الفريد "١/ ١٢٢": وسعهم، بالفضل وأقنعهم بالعدل". ٤ وفي العقد: "إذا لقيتم عدوكم". ٥ زيادة عن العقد الفريد.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال: فأخبرني عن بني١ المهلب، قال: هم أحلاس٢ القتال بالليل، حماة السرح٣ بالنهار.
قال: أيهم أفضل٤ "قال: ذلك إلى أبيهم.
قال: لتقولن"٥.
قال: هم كحلقة مضروبة لا يعرف طرفاها٦.
فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله هو الكلام الفصل الذي ليس بمصنوع٦.
وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب شيء كثير، وسأورد منه أمثلة يسيرة.
فمن ذلك قول النبي -ﷺ: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات".
وهذا الحديث من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة، وذاك أنه يشتمل على جل الأحكام الشرعية، فإن الحلال والحرام إما أن يكون الحكم فيهما بينا لا خلاف فيه بين العلماء؛ وإما أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات، فكل منهم يذهب فيه مذهبا.
وكذلك جاء قوله -ﷺ: "الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
فإن هذا الحديث أيضا من جوامع الأحاديث للأحكام الشرعية.
ومن ذلك قوله -ﷺ: "المضعف أمير الركب"، وقد ورد آخر هذا الحديث بلفظ آخر، فقال -ﷺ: "سيروا بسير أضعفكم" إلا أن الأول أحسن؛ لأنه أبلغ
_________________
(١) ١ في العقد "ولد المهلب" موضع "بني المهلب". ٢ في العقد "أعداء القتال" موضع "أحلاس القتال". ٣ في الأصل "السرج" بالجيم المعجمة، وهو تصحيف، والسرح هو المال السائم من الأنعام، ويروى: كانوا حماة السرح نهارا فإذا أليلوا ففرسان البيات". ٤ وفي رواية: فأيهم كان أنجد؟ ٥ ويروى: "كانوا كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها". ٦ رواية العقد: "فقال الحجاج لجلسائه: هذا والله الكلام المطبوع لا الكلام المصنوع".
[ ٢ / ٢٦٦ ]
معنى، فإن الأمير واجب الحكم فهو يتبع، وإذا كان المضعف أمير الركب كانوا مؤتمرين له في سيرهم ونزولهم، وهذا المعنى لا يوجد في قوله: "سيروا بسير أضعفكم".
وأحسن من هذا كله ما ورد عنه -ﷺ- في حديث مطول يتضمن سؤال جبريل ﵇، فقال من جملته: "ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
فقوله: "تعبد الله كأنك تراه" من جوامع الكلم؛ لأنه ينوب مناب كلام كثير، كأنه قال: تعبد الله مخلصا في نيتك، واقفا عند أدب الطاعة من الخضوع والخشوع، آخذا أهبة الحذر، وأشباه ذلك؛ لأن العبد إذا خدم مولاه ناظرا إليه استقصى في آداب الخدمة بكل ما يجد إليه السبيل، وما ينتهي إليه الطوق.
ومما أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنه جاء بديل بن ورقاء١ إلى النبي -ﷺ-، فقال له: "إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي معهم العوذ٢ المطافيل٣، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال له النبي -ﷺ: "إن قريشا قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذن الله أمره".
وهذا الحديث من جوامع الكلم، وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصف.
_________________
(١) ١ هو بديل بن ورقاء بن عبد العزى الخزاعي، أسلم يوم فتح مكة هو وابنه عبد الله بن بديل، وحكم بن حزام بمر الظهران، وقيل: أسلم قبل الفتح، وذكر ابن إسحاق أن قريشا يوم فتح مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولاه رافع، وشهد بديل وابنه عبد الله حنينا، والطائف وتبوك. ٢ العوذ الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى. ٣ المطافيل جمع مطفل يقال: طفلنا إبلنا تطفيلا إذا كان معها أولادها، فرفقنا بها في السير، هذا هو الأصل؛ والمطفل ذات الطفل.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وأما ما ورد من ذلك شعرا، فقول النابغة١:
وإنك٢ كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه!
وكذلك قوله٣:
ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث، أي الرجال المهذب
وعلى هذا الأسلوب ورد قول الأعشى في اعتذاره إلى أوس بن لام عن هجائه إياه:
وإني على ما كان مني لنادم وإني إلى أوس بن لام لتائب
وإني إلى أوس ليقبل عذرتي ويصفح عني ما حييت لراغب
فهب لي حياتي، فالحياة لقائم بشكرك فيها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
وهذا من المعاني الشريفة في الألفاظ الخفيفة، وهو من طنانات الأعشى المشهورة.
وعلى نحو منه جاء قول الفرزدق٤:
صبحناهم الشعث الجياد كأنها قطا هيجته يوم ريح أجادله٥
_________________
(١) ١ ديوان النابغة، من مجموع مشتمل على خمسة دواوين من أشعار العرب، ٥٥ من قصيدة له في مدح النعمان بن المنذر، والاعتذار إليه، وهجاء مرة بن ربيعة لما قذف عليه عند لنعمان، ومطلعها: عفا ذو حسا من فرتنى فالفوارع فجنبا أريك فالتلاع الدوافع ٢ رواية الديوان "فإنك" بالفاء. ٣ المصدر السابق ١٤ من قصيدة له أولها: أتاني أبيت اللعن أنك لمتنى وتلك التي أهتم منها وأنصب ٤ شرح ديوان الفرزدق ٢/ ٧٣٦ والنقائض ٦٢٩ الطبعة أوروبا، من قصيدة في هجاء جرير وأولها: سمونا لنجران اليماني وأهله ونجران أرض لم تديث مقاوله وهي إحدى نقائضه، وقد نقضها عليه جرير بقوله: ألم تر أن الجهل أقصر باطله وأمسى عماء قد تجلت مخايله ٥ رواية الديوان والنقائض: صبحناهم الجرد والجياد كأنها قطا أفزعته يوم طل أجادله والأجادل: جمع الأجدل وهو الصقر.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
إلى كل حي قد خطبنا بناتهم بأر عن جرار كثير صواهله١
إذا ما التقينا أنكحتنا رماحنا من القوم أبكارا كراما عقائله٢
وإنا لمناعون تحت لوائنا حمانا إذا ما عاد بالسيف حامله
وهذا من محاسن ما يجيء في هذا الباب.
ومما يجري هذا المجرى قول جرير٣:
تمنى رجال من تميم منيتي وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي٤
فلو شاء قومي كان حلمي فيهم وكان على جهال أعدائهم جهلي٥
وكذلك ورد قوله متغزلا، وهو من محاسن أقواله٦:
سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهموم يروم كل مرام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام
ولقد أراك وأنت جامعة الهوى أثني٧ بعهدك خير دار مقام
طرقتك صائدة القلوب فليس ذا حين الزيارة٨ فارجعي بسلام
_________________
(١) ١ رواية الديوان للشطر الثاني: بأرعن مثل الطود جم صواهله ٢ رواية الديوان "من الحي" موضع "من القوم". ٣ ديوان جرير ٤٦٢، والنقائض ١/ ١٤٤ "طبع مصر" وهي من قصيدة له في هجاء البعيث والفرزدق، مطلعها: عوجي علينا وأربعي ربة البغل ولا تقتليني لا يحل لكم قتلي وهي نقيضه لقصيدة البعيث التي أولها: أهاج عليك الشوق أطلال دمنة بني صفة الجوين أو جانب الهجل ٤ رواية الديوان "لي الردى" موضع "منيتي". ٥ في الأصل "مثلي" موضع "جهلي"، والتصويب عن الديوان والنقائض. ٦ ديوان جرير ٥٥١ والنقائض ١/ ٢٥٦، وهي نقيضة قصيدة الفرزدق التي أولها: عفى المنازل آخر الأيام قط ومور اختلاف نعام ٧ رواية الديوان "نبني" بالنون. ٨ رواية الديوان "وليس ذا وقت الزيارة".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
تجري السواك على أغر كأنه برد تحدر من متون غمام
لو كان عهدك كالذي حدثتنا لوصلت ذاك فكان خير زمام١
ولقد أراني والجديد إلى بلى في موكب٢ طرف الحديث كرام
لولا مراقبة العيون أريتنا حدق المها٣ وسوالف الآرام
وإذا صرفن عيونهن بنظرة نفذت نوافذها بغير سهام
هل تنفعنك إن قتلن مرقشا٤ أو ما فعلن بعروة بن حزام٥
وحلاوة هذا الكلام أحسن من إيجازه، ولقد أعوز غيره أن يأتي بمثله حتى أقر عوازه.
ومن باب الإيجاز الذي يسمى "التقدير" قول علي بن جبلة:
وما لأمرئ حاولته عنك مهرب ولو حملته في السماء المطالع
_________________
(١) ١ في الأصل "خير زمام" وفي الديوان "غير رمام"، وإذا كان لنا أن نفضل آثرنا رواية ابن الأثير، لاتصال معنى الكلام، ولذلك أبقينا، ورواية الموشح "١٦٧" توافق رواية الديوان. ٢ رواية الديوان "في فتية"، ويرى الشطر الثاني أيضا: في فتية طرفي الحديث كرام ٣ رواية الديوان، "أرنا مقل المها" وهي أجود، لمناسبة ما بعدها في الإخبار عن جماعة الإناث. ٤ المرقش الأكبر، هو عوف، وقيل: عمرو بن سعد بن مالك بن بكر بن وائل، وه عم ربيعة بن سفيان المعروف بالمرقش الأصغر، والمرقش لقب غلب عليه لقوله: الدار قفر والرسوم كما رقش في الأديم قلم وكان للمرقشين جميعا موقع في بكر بن وائل وفي حروبها مع بني تغلب، وبأس وشجاعة ونجدة، وللمرقش الأكبر شعر حسن، وهو يعد من أهل الطبقة الأولى في الشعر، وكان بنو بكر يدعون التقدم له ولعمرو بن قميئة، إلا أن شعره قليل، تولت عليه يد الضياع، مات نحو سنة ٥٥٢م، ودفن في أرض مراد. وسائر أخباره في "شعراء النصرانية" ٢٨٢. ٥ يروى "ابن حذام" و"ابن حمام" و"ابن خذام"، روى محمد بن سلام الجمحي "طبقات فحول الشعراء ٣٣" قول امرئ القيس: عوجًا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حذام قال ابن سلام: وهو رجل من طيئ، لم يسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعر ذكر فيه، غير هذا البيت الذي ذكره امرؤ القيس".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
بلى هارب ما يهتدي لمكانه ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
فهذا هو الكلام الذي ألفاظه وفاق معانيه، فإنه قد اشتمل على مدح رجل بشمول ملكه وعموم سلطانه، وأنه لا مهرب عنه لمن يحاوله، وإن صعد السماء، ثم ذكر جميع المهارب في المشارق والمغارب، وأشار إلى أنه يبلغ الظلام والضياء، وذلك مما لم تزد عبارته على المعنى المندرج تحته، ولا قصرت عنه.
ومن هذا الضرب قول أبي النواس١، وهو من نادر ما يأتي في هذا الموضع:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا بها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضغاث ريحان٢ جني ويابس
حبست بها صحبي فجددت عهدهم وإني على أمثال تلك لحابس
تدار٣ علينا الراح في عسجدية حبتها بأنواع التصاوير فارس
قراراتها٤ كسرى وفي جنباتها مها تدريها٥ بالقسي الفوارس
فللراح٦ ما زرت عليه جيوبها٧ وللماء ما دارت عليه القلانس
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ٢٩٥، وهي إحدى خمرياته. ٢ الزقاق جمع زق، وهووعاء من جلد يحمل فيه الماء ونحوه، والأضغاث جمع ضغث، وهو القبضة من الحشيش، وجنى جنى لساعته. ٣ في الديوان "تدور" وقبل هذا البيت بيتان أغفلهما ابن الأثير، وهما: ولم أدر منهم ما شهدت به بشرق ساباط الديار البسابس أقمنا بها يوما ويومين بعده ويوم له يوم الترحل خامس والبسابس -جمع بسبس بالفتح- وهو القفر. ٤ في الأصل "قرار بها" وهو تحريف، والصواب عن الديوان. ٥ أدري الصيد خلته، وأدري غفلته بمعنى تحيتها. ٦ رواية الديوان: "فللمخمر". ٧ رواية الديوان: "جيوبهم"، والضمير عائد على الفوارس في البيت قبله، والمراد صورهم المرسومة على جنبات الكئوس.
[ ٢ / ٢٧١ ]
ومما انتهى إلي من أخبار ابن المزرع١، قال: سمعت الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات التي لأبي نواس، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان، إن هذا لهو الشعر، ولو نقر لطن، فقلت له: ويحك! ما تفارق عمل الجرار والخزف!
ولعمري إن الجاحظ عرف فوصف وخبر فشكر، والذي ذكره هو الحق.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول أبي تمام٢:
إن القوافي والمساعي لم تزل مثل النظام٣ إذا أصاب فريدا
هي جوهر نثر فإن ألفته بالشعر صار قلائدا وعقودا
في كل معترك وكل مقامة يأخذن منه ذمة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءها لم ترض منها مشهدا مشهودا
من أجل ذلك كانت العرب الألى يدعون هذا سوددا محدودا
وتند عندهم العلا إلا علا جعلت لها مرر القريض٤ قيودا
_________________
(١) ١ هو يموت بن المزرع بين موسى بن سيار العبدي، من عبد قيس البصري ابن أخت أبي عثمان الجاحظ، نحوي أديب راوية، كره الزبيدي في نحاة في مصر، أخذ عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي، وكان من مشايخ العلم والشعر، أخباريا حسن الآدب، دخل بغداد، ومات بطبرية، وقيل: بدمشق سنة ثلاث أو أربع وثلثمائة، وكان له ولد يقال: له مهلهل بن يموت. ٢ ديوان أبي تمام ٩٠ من قصيدة له في مدح خالد بن يزيد الشيباني، مطلعها: طلل الجميع لقد عفوت حميدًا وكفى على رزئي بذك شهيدا ٣ رواية الديوان "لجمان". ٤ رواية الديوان "مرر القصيدة" والمرر الحبال المحكمة.
[ ٢ / ٢٧٢ ]