وأما الضرب الثاني: وهو الإيجاز بالقصر؛ فإن القرآن الكريم ملآن منه، وقد تقدم القول أنه قسمان١:
أحدهما: ما يدل على محتملات متعددة
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا
_________________
(١) ١ انظر صفحة ١٩٠ من هذا القسم.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ ١.
فقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ من جوامع الكلم التي يستدل على قلتها بالمعاني الكثيرة، أي غشيهم من الأمور الهائلة، والخطوب الفادحة ما لا يعلم كنهه إلا الله، ولا يحيط به غيره.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
فجمع في الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن في الأمر بالمعروف صلة الرحم، ومنع اللسان عن الغيبة وعن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات، وغير ذلك، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وغيرهما.
وقال بعض الأعراب في دعائه: "اللهم هب لي حقك، وأرض عني خلقك"، فقال النبي -ﷺ: "هذا هو البلاغة".
ومن ذلك قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ ٣.
فإنه دخل تحت الأمن جميع المحبوبات، وذلك أنه نفى به أن يخافوا شيئا من الفقر، والموت وزوال النعمة، ونزول النقمة، وغير ذلك من أصناف المكاره.
وأشباه هذا في القرآن الكريم كثيرة، فهو يكثر في بعض الصور، ويقل في بعض، قال النبي -ﷺ: "من شاء يرتع في الرياض الأنائق فعليه بآل حم".
ومن ذلك قول النبي -ﷺ: "الخراج بالضمان"، وذاك أن رجلا اشترى عبدا، فأقام عنده مدة، ثم وجد به عيبا، فخاصم البائع إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي، فقال: "الخراج بالضمان"، ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" أن الرجل إذا اشترى عبدا فاستغله، ثم وجد به عيبا دلسه عليه البائع فله أن يرده، ويسترجع الثمن جميعه،
_________________
(١) ١ سورة طه: الآيات ٧٧ و٧٨ و٧٩. ٢ سورة الأعراف: الآية ١٩٩. ٣ سورة الأنعام: الآية ٨٢.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ولو مات العبد أو أبق، أو سرقه سارق كان في مال المشتري، وضمانه عليه، وإذا كان ضمانه عليه فخراجه له: أي له ما تحصل من أجرة عمله.
وأما ما ورد شعرا، فقول السموءل بن عادياء الغساني١ من جملة أبياته الرمية المشهورة٢، وذلك قوله منها:
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
فإن هذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق جميعها، من سماحة وشجاعة، وعفة، وتواضع، وحلم، وصبر، وغير ذلك، فإن هذه الأخلاق كلها من ضيم النفس؛ لأنها تجد بحملها ضيما، أي مشقة وعناء.
وقد تقدم القول أن الإيجاز بالقصر يكون فيما تضمن لفظه محتملات كثيرة، وهذا البيت من ذلك القبيل، ولا أعلم أن شاعرًا قديما ولا حديثا أتى بمثله، وقد أخذه أبو تمام، فأحسن في أخذه، وهو:
وظلمت نفسك طالبًا إنصافها فعجبت من مظلومة لم تظلم
ففاز في بيته هذا بالمقابلة بين الضدين في الظلم والإنصاف، ثم قال: "فعجبت من مظلومة لم تظلم"، وهذا أحسن من الأول.
ومعنى قوله: "ظلمت نفسي طالبا إنصافها" أي: أنك أكرهتها على مشاق الأمور، وإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها قد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، فأنت منصف لها في صورة ظالم.
وكذلك قوله:
"فعجبت من مظلومة لم تظلم"
_________________
(١) ١ هو السموءل بن غريض بن عادياء، والناس يدرجون غريضا في النسب، وينسبونه إلى عادياء جده، وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق بتيماء. والسموءل يضرب به المثل في الوفاء؛ لأنه أسلم ابنه، ولم يخن أمانته في أدراع أودعها عنده امرؤ القيس. ٢ ديوان الحماسة ١/ ٣٦ وأولها: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أي أنك ظلمتها وما ظلمتها؛ لأن ظلمك إياها أدى إلى ما هو جميل حسن.
وهذا القدر في الأمثلة كاف في هذا الباب.
القسم الآخر من الضرب الثاني، في الإيجاز بالقصر:
وهو الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكانا، وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء، فإنما يوجد شاذًّا نادرًا.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١.
فإنه قوله تعالى: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة؛ لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ولا يلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: القتل أنفى للقتل، فإن من لا يعلم يظن أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ لفظتان، و"القتل أنفى للقتل" ثلاثة ألفاظ.
الوجه الثاني: أن في قولهم: "القتل أنفى للقتل" تكريرا ليس في الآية.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ١٧٩.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الوجه الثالث: أنه ليس كل قتل نافيا للقتل، إلا إذا كان على حكم القصاص١.
وقد صاغ أبو تمام هذا الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال٢:
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم إن الدم المعتر٣ يحرسه الدم
فقوله: "إن الدم المعتر٣ يحرسه الدم"، أحسن مما ورد عن العرب من قولهم: "القتل أنفى للقتل".
ويروى عن معن بن زائدة٤ أنه سأله أبو جعفر المنصور، فقال له: أيما أحب إليك: دولتنا أو دولة بني أمية، فقال: ذاك إليك!
فقوله: "ذاك إليك" من الإيجاز بالقصر الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بألفاظ كثيرة،
_________________
(١) ١ قال أبو هلال العسكري: والإيجاز: القصر والحذف، فالقصر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني، وهو قول الله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، ويتبين فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه، وهو قوله: "القتل أنفى للقتل"، فصار لفظ القرآن فوق هذا القول، لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص، وذكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم الله به، ولإيجازه في العبارة، فإن الذي هو نظيره قولهم: "القتل أنفى للقتل"، إنما هو: ﴿الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وهذا أقل حروفا من ذلك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: "القتل أنفى للقتل، ولفظ القرآن بريء من ذلك، وبحسن التأليف، وشدة التلاؤم المدرك بالحسس؛ لأن الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة "وانظر الصناعتين ١٧٥". ٢ ديوان أبي تمام ٢٧٤ من قصيدة له في مدح مالك بن طوق، مطلعها: أرض مصردة وأخرى تثجم تلك التي رزقت وأخرى تحرم والمصردة التي لا تنال من السقي إلا قليلًا، وتثجم تمطر على الدوام. ٣ في الأصل "المغبر" والتصويب عن الديوان ومعنى المعتز المضطرب. ٤ هو معن بن زائدة الشيباني، أحد أجواد العرب وفرسانهم، وكان في أيام بني أمية متنقلا في الولايات، ومنقطعا إلى يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين، فما انتقلت الدولة إلى بني العباس، وجرى بين أبي جعفر المنصور، وبين يزيد بن عمر ما جرى من محاصرة واسط أبلى معن مع يزيد بلاء حسنا، فلما قتل يزيد هرب معن خوفا من المنصور، ثم دخل معن في شيعة المنصور، وصار من خواصه، وقتل معن بسجستان إذ كان واليا عليها سنة ١٥٢هـ.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
لأن معنى قوله: "ذاك إليك"، وهو لفظتان، أنه إن زاد إحسانك
على إحسان بني أمية، فأنتم أحب إلي، وهذه عشرة ألفاظ.
فإن قيل: كيف لا يمكن التعبير عن ألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، وفي المترادف من الألفاظ ما هو دليل على خلاف ذلك؟ فإنه إذا قيل: راح ثم قيل: مدامة أو سلافة كان ذلك سواء، وقامت هذه اللفظة مقام هذه اللفظة.
قلت في الجواب: ليس كل الألفاظ المترادفة يقوم بعضها مقام بعض، ألا ترى أن لفظة "القصاص" لا يمكن التعبير عنها بما يقوم مقامها، ولما عبر عنها بالقتل في قول العرب: "القتل أنفى للقتل" ظهر الفرق بين ذلك، وبين الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فالذي أردته أنا إنما هو الكلام الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها، فإن كان كذلك، وإلا كان داخلا في هذا القسم المشار إليه.
[ ٢ / ٢٧٧ ]