اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه، والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعوَّل عليه إلّا القليل.
وغاية ما يقال في هذا الباب أن "الفصاحة" هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: "أفصح الصبح"، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن السر فيه.
وبهذا القول لا تتبيِّن حقيقة الفصاحة؛ لأنه يُعْتَرَضُ عليه بوجوه من الاعتراضات:
أحدهما: إنه إذا لم يكن ظاهرًا بيِّنًا لم يكن فصيحًا، ثم إذا ظهر وتبيَّن صار فصيحًا.
الوجه الآخر: إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فإن اللفظ قد يكون ظاهرًا لزيد، ولا يكون ظاهرًا لعمرو، فهو إذًا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحالٍ من الأحوال؛ لأنه إذا تحقَّق حَدُّ الفصاحة، وعُرِفَ ما هي، لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف.
الوجه الثالث: إنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بين، ينبغي أن يكون فصيحًا وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، ولا وصف قبح.
فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، من غير تفصيل.
[ ١ / ٩٠ ]
ولمَّا وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه، انكشف لي السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا، وأحقق القول فيه، فأقول:
إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني الظاهر البين: أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرةً في كلامهم.
وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا، فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الألفاظ١ سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح إذًا من الألفاظ هو الحسن.
فإن قيل: من أيِّ وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا أن القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه؟
قلت في الجواب: إنَّ هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح.
ألا ترى أن السمع يستلذّ صوت البلبل من الطير، وصوت الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة "المزنة" و"الديمة" حسنةٌ يستلذها السمع، وأن لفظة "البعاق" قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي "المزنة" و"الديمة" وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ "البعاق" وما جرى مجراه متروكًا لا يستعمل، وإن استعمل، فإنما
_________________
(١) ١ في الأصل "وحسن الاستعمال" وهو تكرار يختل به المعنى.
[ ١ / ٩١ ]
يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة، أو من ذوقه غير ذوق سليم، لا جرم أنه ذمّ وقدح فيه، ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيًا محضًا من الجاهلية الأقدمين، فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرج على ما خرج عنها.
وإذن ثبت أنَّ الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيِّن، وإنما كان ظاهرًا بينًا لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع، والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثَّلْتُ ذلك في المثال المتقدم بلفظ "المزنة" و"الديمة" ولفظة "البعاق".
ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء: ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى.
وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلّا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى؟ فإني لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء فيه ضمنًا وتبعًا.
الوجه الثاني: إن وزن "فعيل" هو اسم فاعل من "فعل" بفتح الفاء وضم العين نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطرد في بابه، وعلى هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به.
فإن قيل: إنك قلت: إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي: المفهوم، ونرى من آيات القرآن الكريم ما لا يفهم ما تضمَّنَه من المعنى إلّا باستنباط وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته.
قلت: لأنَّ الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلّا
[ ١ / ٩٢ ]
ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحًا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظةً لفظةً، وجدت كلها فصيحة، أي: ظاهرة واضحة، وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركَّبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. وسأورد ههنا منه شيئًا، فأقول: قد ورد عن النبي -ﷺ- أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" وهذا الكلام مفهومةٌ مفردات ألفاظه؛ لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله، وإذا سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا يوم نفطر، وأضحانا يوم نضحي، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه؟
وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط.
وأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول أبي تمام١:
ولهت فأظلم كل شيءٍ دونها وأضاء٢ منها كل شيءٍ مظلم
فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما نالني من الجزع لولهها، كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي، أي: إني صرت كالأعمى
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٣١٢ وهو من قصيدة في مدح أبي الحسين محمد بن الهيثم ومطلعها: نثرت فريد مدامع لم تنظم والدمع يحمل بعض شجو المغرم ٢ رواية الديوان "وأنار".
[ ١ / ٩٣ ]
الذي لا يبصر، وأما قوله: "وأضاء منها كل شيء مظلم" أي: وضح لي منها ما كان مستترًا عني من حبِّها إياي.
وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتريِّ في منهزم١:
إذا سار سهبًا عاد ظهرًا عَدُوَّه وكان الصديق بكرةً ذلك السهب
فإن السَّير، والسَّهْب والظهر، والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكنَّ البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أنَّ هذا المنهزم يرى ما بين يديه محبوبًا إليه، وما خلفه مكروهًا عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه، والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبًا، وخلفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل أن يقطعه كان له صديقًا، أي: يطلب لقاءه ويحب الدنوّ منه.
فانظر أيها المتأمِّل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت بيانه.
وأما البلاغة: فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء منتهاه، وسميّ الكلام بليغًا من ذلك، أي: إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية.
والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخصّ من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان، فكل إنسانٍ حيوانٌ، وليس كل حيوان إنسانًا، وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغًا.
ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاصِّ والعام، وهو أنها لا تكون إلّا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها وصف المختص بالفصاحة، وهو الحسن، وأمَّا وصف البلاغة فلا يوجد فيها، لخلوِّها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلامًا.
_________________
(١) ١ ديوان البحتري ٢/ ٧٨، ومعنى السهب هنا: الفلاة.
[ ١ / ٩٤ ]
مسألة تتعلق بهذا الفصل:
هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب أم بالنظر وقضية العقل؟
الجواب عن ذلك أنَّا نقول: لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ألَّفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة، ومعرفة جيدها من رديئها، وحسنها من قبيحها، فذلك هو الذي أذهب إليه. وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا لا يتسلسل إلى أوّل من ابتدعه ولم يستقره، فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وَصْفَيْ الفصاحة والبلاغة المختصَّيْن بالألفاظ والمعاني، إلّا أن اللغة العربية مزية على غيرها، لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها.
مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضًا:
هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جارٍ مجرى علم النحو أم لا؟
الجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أُخِذَت من واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره، فإنه لو جعل الفاعل منصوبًا والمفعول مرفوعًا، قلَّد في ذلك، كما قلّد في رفع الفاعل ونصب المفعول، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيه إلى التوقيف منه، بل أخذت ألفاظ ومعانٍ على هيئة مخصوصة، وحكَمَ لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام من أيَّةِ لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة، يلذّها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خيرٌ من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه.
فإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها، وعُلِمَ بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعًا والمفعول منصوبًا؟
فالجواب عن ذلك أنَّا نقول: هذه الأدلة واهية لا تثبت على محك الجدل، فإن هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللًا، وإلّا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها؟
[ ١ / ٩٥ ]