قال النبي -ﷺ: "أوتيت جوامع الكلم" فالكلم: جمع كلمة، والجوامع: جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في المذكر: "جمع" فهو "جامع". والمراد بذلك أنه -ﷺ- أوتي الكلم الجوامع للمعاني.
وهو عندي ينقسم قسمين:
القسم الأول منهما: هو ما استخرجته ونبَّهت عليه، ولم يكن لأحد فيه قول سابق، وهو أن لنا ألفاظًا تتضمَّن من المعنى ما لا تتضمن أخواتها مما يجوز أن يستعمل مكانها، فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة.
أمَّا ما يأتي على حكم المجاز فقوله -ﷺ- يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله -ﷺ، ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: "استعرت الحرب" لما كان مؤديًا من المعنى ما يؤديه "حمي الوطيس"، والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور، وهو موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيّل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا
[ ١ / ٧٨ ]
"استعرت الحرب" أو ما جرى مجراه. وكذلك قال -ﷺ: "بعثت في نفس الساعة" فقوله: "نفس الساعة" من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بُعِثَ والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل على ما دلَّ عليه النفس، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحسّ الإنسان بنفس من هو إلى جانبه، وقد قال -ﷺ- في موضع آخر: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، ولو قال: بعثت على قرب من الساعة، أو والساعة قريبة مني، لما دلَّ ذلك على ما دلَّ عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه، لأنه بَيِّنٌ واضح.
وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفْلِقين، ولقد تصفَّحت الأشعار قديمها وحديثها، وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوةً كنشوة الخمر، وطربًا كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة.
فمما جاء من ذلك قول أبي تمام١:
كم صارمٍ عضبٍ أناف على قفًا منهم لأعباء الوعى حمَّال
سبق المشيب إليه حتى ابتزه وطن النُّهَى من مفرقٍ وقذال٢
فقوله: "وطن النهى" من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء بمثلها في معناها مما يسد مسدها. وكذلك ورد قول البحتري:
قلبٌ يطلُّ على أفكاره ويدٌ تمضي الأمور، ونفسٌ لهوها التعب٣
فقوله: "قلبٌ يطل على أفكاره" من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا تملوه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عالٍ عليها، يصف بذلك عدم احتفاله بالقوادح، وقلَّة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارًا تستغرق القلوب، وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٢٣٦. ٢ ابتزه: سلبه، وطن النهي: الرأي، المفرق: وسط الرأس، القذال: مؤخره. ٣ ديوان البحتري ٢٠٤، ورواية الديوان "يطل على أقطاره".
[ ١ / ٧٩ ]
وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي١:
سقى الله أوطارًا لنا ومآربًا تقطَّع من أقرابها ما تقطَّعا
ليالٍ تنسِّيني الليالي حسابها بُلهْنيَة أقضي بها الحول أجمعا
سوى عِزَّة لا أعرف اليوم باسمه وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا
فقوله: "لا أعرف اليوم باسمه" من الكلمات الجامعة، أي: إني قد شغلت باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله: "لا أعرف اليوم باسمه".
وأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدل به بالألفاظ القليلة على المعاني الكثيرة: أي: إن ألفاظه -صلوات الله عليه- جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجلّ كلامه جارٍ هذا المجرى، فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ومقنع.
فإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما، فإنهما في النظر سواء؟ قلت في الجواب: إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالَّة على معنى من غير أن تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها، فإنها تكون قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازًا وزيادة. وأمَّا هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها، فتارة تكون موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام "وطن النهي"؟ فإن ذلك عبارة عن الرأس، ولا شكَّ أن الرأس أوجز، لأن الرأس لفظة واحدة، و"وطن النهي" لفظتان، إلّا أن "وطن النهي" أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس، فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر.
_________________
(١) ١ ديوان ابن الرومي ٢٩٩، وروي صدر البيت الثالث في الديوان هكذا: سدى غرة لا أعرف اليوم بأسه
[ ١ / ٨٠ ]