وهذا الفصل مهمٌّ كبير من مهمات علم البيان، لا بل هو علم البيان بأجمعه، فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في مواضعها من هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على جملتها دون تفصيلها.
فأمَّا "الحقيقة" فهي: اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي.
وأما "المجاز" فهو: ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطَّاه إليه.
فالمجاز إذًا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، وحقيقته
[ ١ / ٨٤ ]
هي الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيدٌ أسدٌ، فإن زيدًا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية، أي: عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة.
وقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو "الاتِّساع"، كقولهم في كتاب "كليلة ودمنة" قال الأسد، وقال الثعلب، فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحالٍ من الأحوال، وإنما أُجْرِيَ عليها اتساعًا محضًا لا غير.
ولهذا مثال في المجاز الحقيقيِّ الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو إمَّا أن يجاز من سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر كقولنا: زيد أسد، فالمشابهة الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال الأسد، وقال الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك، وإشباع القول في تحقيقه في باب "الاستعارة" فليؤخذ من هناك.
وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كلَّه حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي.
وسأجيب الخصم عمَّا ادعاه فيهما، فأقول: محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين قولك: إنها كلها حقيقة، أو إنها كلها مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مُسَلِّمٍ لهما، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازًا.
و"الحقيقة اللغوية"، هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء، أي: نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذًا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره.
وتقرير ذلك بأن أقول: المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدلّ بها عليها، ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بُدَّ منها، فالاسم الموضوع بإزاء المسمَّى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازًا.
[ ١ / ٨٥ ]
ومثال ذلك: أنَّا إذا قلنا: "شمس" أردنا به الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وذلك إذا قلنا: "بحر" أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه.
فإذا نقلنا "الشمس" إلى "الوجه المليح" استعارةً، كان ذلك له مجازًا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا "البحر" إلى "الرجل الجواد" استعارةً، كان ذلك له مجازًا لا حقيقة.
فإن قيل: إن "الوجه المليح" يقال له: "شمس"، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما نظري، والآخر: وضعي.
أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني، ولو كان ما ذهبت إليه صحيحًا لكان "البحر" يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضًا، فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقًا بغير قرينة تخصصه، فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإنَّا إذا قلنا: "شمس" أو "بحر"، وأطلقنا القول، لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير، فبطل إذًا ما ذهبت إليه بما بيناه وأوضحناه.
فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه، فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلّا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم: "الغائط" فإن العرب خصص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض.
قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامَّة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم، فهؤلاء لا يفهمون من "الغائط" إلّا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة، وأنها مطمئن من الأرض. وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلّا
[ ١ / ٨٦ ]
الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لمَّا وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ١ فإن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقةً والنقل عنه مجازًا، وأما الجهَّال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم، والعجب عندي من الفقهاء الذين دوَّنوا ذلك على ما دوَّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه.
وأما الوجه الوصفيّ: فهو أنَّ المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة، التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمَّى شمسًا، ولا أن الرجل الجواد يسمَّى بحرًا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسَّعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية.
هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئًا لم يكن قبله، فمن ذلك أنه أوَّل من عبَّر عن الفرس بقوله: "قيد الأوابد"٢ ولم يسمع ذلك لأحد من قبله.
وقد رُوي عن النبي -ﷺ- أنه قال يوم حنين: "الآن حمي الوطيس"، وأراد بذلك شدة الحرب، فإن الوطيس في أصل الوضع التنور، فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي -ﷺ، وواضع اللغة ما ذكر شيئًا من ذلك.
فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازًا بتوسعات أهل الخطابة والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفًا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا زيد فيه، ولا نقص منه.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: آية ٦. ٢ من بيته المشهور في معلقته: وقد اغتدى والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل والأوابد: جمع آبدة الوحش، قال أبو هلال: والحقيقة مانع الأوابد من الذهاب والإفلات، والاستعارة أبلغ؛ لأن القيد من أعلى مراتب تمنع عن التصرف، لأنك تشاهد ما في القيد من المنع، فلست تشك فيه.
[ ١ / ٨٧ ]
وأمَّا الفرق بينه وبين الحقيقة، فهو أنَّ الحقيقة جارية على العموم في نظائر، ألا ترى أنَّا إذا قلنا: "فلان عالم" صدق على كل ذي علم، بخلاف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١؛ لأنه لا يصح إلّا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل.
واعلم أنَّ كلَّ مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلّا لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز هو اسم للموضع الذي يتنقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها.
وإذا كان كل مجازٍ لا بُدَّ له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية، فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات.
وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة٢؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه؛ حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقَّقَ أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانًا.
ألا ترى أن حقيقة قولنا: "زيد أسد" هي قولنا: "زيد شجاع"، لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل، وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن
_________________
(١) ١ سورة يوسف: آية ٨٢. ٢ هذا رأي من الآراء الشائعة، وليس على إطلاقه؛ لأنه إذا كانت البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، كانت البلاغة في المجاز كما تكون في الحقيقة، والتحقيق أنه لو لم يؤد المجاز غرضًا من الأغراض البلاغية لا تؤديه الحقيقة، لكانت الحقيقة أولى منه بالاستعمال، وقد ذكر المؤلف نفسه فيما يلي بعض الأغراض التي يفضل بها المجاز، وعاد إلى الرأي الذي قلناه.
[ ١ / ٨٨ ]
قولنا: "زيد شجاع" لا يتخيّل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: "زيد أسد" يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته، وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس، وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرِّع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال، أو ترك عقوبة، أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال.
واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يُحْمَل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه، فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلّا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل، والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلّا لفائدة. مثال ذلك قول البحتري:
مهيبٌ كحد السيف لو ضربت به ذرا أجإٍ ظلت وأعلامها وُهْدُ١
ويروى أيضًا "لو ضربت به طلى أجإ" جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن "الذرا" جمع "ذروة"، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطلى: جمع طلية، وهي العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلوِّ هنا، فلا يعدل إذًا إلى المجاز إذ لا مزية له على الحقيقة.
وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى، فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه
_________________
(١) ١ ديوان البحتري ١/ ١١٠ وأجأ أحد جبلي طيء أجأ وسلمى، والوهد: الأرض المنخفصة والهوة في الأرض، والبيت من قصيدته التي يصف فيها الذئب حين لقيه، ورواية الديوان: مهيبًا كنصل السيف لو ضربت به ذرا أجأ ضلت وأعلامها وهد وقبله: بني ناهل مهلًا فإن بن أختكم له عزمات هزل آرائها جد من هجتموه لا تهيجوا سوى الردى وإن كان خرقًا ما يحل له عقد
[ ١ / ٨٩ ]