المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية
وهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في اللفظة المفردة
اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء:
الأول منها: اختيار الألفاظ المفردة
وحكم ذلك اللآلئ المبدَّدَة، فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم.
الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها
لئلَّا يجيء الكلام قلقًا نافرًا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها.
الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه
وحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارةً يجعل إكليلًا على الرأس، وتارةً يجعل قلادة في العنق، وتارةً يجعل شنفًا١ في الأذن، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه.
فهذه ثلاثة أشياء، لا بُدَّ للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل المعتَمَد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر.
_________________
(١) ١ الشنف: القرط.
[ ١ / ١٦٣ ]
فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة.
وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة؟ ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار، حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها.
ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقَّ فهمه وجلَّ نظره.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ٢ فاستعمل "الجوف" في الأولى، و"البطن" في الثانية، ولم يستعمل "الجوف" موضع "البطن"، ولا "البطن" موضع "الجوف"، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عددٍ واحد، ووزنهما واحد أيضًا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٤ فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل القرآن أحدهما في موضع الآخر
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: الآية ٤. ٢ سورة آل عمران: الآية ٣٥، ومعنى "محررا": مخلصًا للعبادة. ٣ سورة النجم: الآية ١١. ٤ سورة ق: الآية ٣٧.
[ ١ / ١٦٤ ]
وعلى هذا ورد قول الأعرج١ من أبيات الحماسة:
نحن بنو الموت إذا الموتُ نزل لا عار بالموت إذا حُمَّ الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل٢
وقال أبو الطيب المتنبي:
إذا شئت حَفَّت على كل سابحٍ رجالٌ كأنَّ الموت في فمها شهد٣
فهاتان لفظتان هما "العسل" و"الشهد"، وكلاهما حسن مستعمل، لا يُشَكُّ في حسنه واستعماله، وقد وردت لفظة "العسل" في القرآن، دون لفظة "الشهد"، لأنها أحسن منها، ومع هذا، فإن لفظة "الشهد" وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة "العسل" في بيت الأعرج.
وكثيرًا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها، كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ، ووضعها في مواضعها اللائقة بها.
_________________
(١) ١ قال التبريزي: قيل الصحيح: إنها لعمرو بن يثربي، وكلاهما من شعراء الإسلام، والأعرج منسوب إلى معن طيئ، وقد أدرك الدولتين، وكان أحد الخوارج في زمن بني أمية وبني العباس. ٢ لعل ابن الأثير اختصر الشعر على هذا النحو، والشعر كما ورد في الحماسة "١/ ١١٠" على هذا الترتيب: أنا أبو برزة إذ جد الوهل خلقت غير زمل ولا وكل ذا قوة وذا شباب مقتبل لا جزع اليوم على قرب الأجل الموت أحلى عندنا من العسل نحن بني ضبة أصحاب الجمل نحن بنو الموت إذا الموت نزل ننعى ابن عفان بأسراف الأسل ردوا علينا شيخنا ثم يجل الوهل: الفزع، والزمل: الضعيف، والوكل: الذي يتَّكِل على غيره، والأصل: الرماح، ويجل بمعنى حسب. ٣ هكذا رواه ابن الأثير، ورواية الديوان "١/ ٣٧٤": إذا شئت حفَّت بي على كل سابح رجال كأن الموت في فمها شهد والسابح: الفرس السريع الجري، كأنه في سيره، والشهد: العسل.
[ ١ / ١٦٥ ]
واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق.
ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم -من حيث انفرادها- قد استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب.
وهل تشك أيها المتأمّل لكتابنا هذا إذا فكَّرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزيّة الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلّا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها٢.
فإن ارتَبْتَ في ذلك فتأمَّل، هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها، وأفردت من بين أخواتها، كانت لابسةً من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟
ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها٣.
وسأضرب لك مثالًا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلةً متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين،
_________________
(١) ١ سورة هود: الآية ٤٤. ٢ الرأي الذي قاله ابن الأثير في أنَّ مجال التفاوت إنما هو في التراكيب دون الألفاظ، هو رأي عبد القاهر الجرجاني الذي بسطه في كتابه "دلائل الإعجاز"، بل إن ابن الأثير الذي يباهي دائمًا بابتكاره نقل رأي عبد القاهر بأكثر كلماته، وهو ما زال عينه هو الذي مثل به عبد القاهر، وعلق عليه هذا التعليق بتفصيل أكثر -انظر دلائل الإعجاز: صفحة ٣٦ وما بعدها. ٣ عبارة عبد القاهر الجرجاني: ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر. انظر دلائل الإعجاز صفحة ٣٨.
[ ١ / ١٦٦ ]
أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ١.
وأمَّا بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي:
تلذُّ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلذُّ له الغرام٢
وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن، فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها، وحسن موقعها في تركيب الآية.
فأنصف أيها المتأمّل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته.
وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرَّض للتنبيه عليه أحد قبلي٣.
وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: "تلذ له المروءة وهي تؤذي" ثم قال: "ومن يعشق يلذ له الغرام" فجاء بكلام مستأنف.
وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأُضِيف إليها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي -ﷺ، فجاءه جبريل -﵇- ورقاه، فقال: "باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك".
فانظر إلى السرّ في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها وحسنها.
ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: الآية ٥٣. ٢ ديوان المتنبي ٤/ ٧٥. ٣ كذب ابن الأثير وغالط، وليس فيما قال رأي جديد لم يسبق إليه، بل إنه نقل كلام عبد القاهر ورأيه وأمثلته كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ٤ سورة الحاقة: الآيتان ١٩، ٢٠.
[ ١ / ١٦٧ ]
عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ١ فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلمَّا أضيفت الهاء إليها -وتسمَّى "هاء السكت"- أضافت إليها حسنًا زائدًا على حسنها، وكستها لطافةً ولباقة.
وكذلك ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢ فلفظة "لي" أيضًا مثل لفظة "يؤذي" وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضًا:
تمسي الأمانيُّ صرعى دون مبلغه فما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي٣
وربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع، فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي الطيب:
ما أجدر الأيام والليالي بأن تقول مَالَه ومَالِي٤
فإن لفظة "لي" ههنا قد وردت بعد "ما"، وقبلها "ما له"، ثم قال: "وما لي"، فجاء الكلام على نسقٍ واحد، ولو جاءت لفظة "لي" ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة.
وبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم.
وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت من شعر الفرزدق، فجاءت في القرآن حسنة، وفي بيت الشعر غير حسنة، وتلك اللفظة هي لفظة "القمل"، أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ ٥. أما بيت الشعر فقول الفرزدق:
من عِزِّهِ احتجرت كليبٌ عنده زربًا كأنَّهم لديه القمَّل٦
_________________
(١) ١ سورة الحاقة: الآيتان ٢٨، ٢٩. ٢ سورة ص: الآية ٢٣. ٣ ديوان المتنبي ٣/ ٨١. ٤ ديوان المتنبي ٣/ ٣١١. ٥ سورة الأعراف: الآية ١٣٣. ٦ هكذا في المثل السائر، ورواية ديوان الفرزدق "٧١٥": من عزهم جحرت كليب بيتها زربًا كأنهم لديه القمَّل ومعنى جحرت: دخلت جحرها، واجتحر له جحرًا: اتخذه، واحتجر الأرض: ضرب عليها منارًا، واحتجر به: التجأ واستعاذ، والزرب: موضع الغنم، والقمَّل: الدبي، وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها، أو البراغيث، أو كبار القردان.
[ ١ / ١٦٨ ]
وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت من الشعر؛ لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: آخرًا انقطع الكلام عندها.
وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصْنَا منه في بحر عميق لا قرار له.
فمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها قد تضمَّنت خمسة ألفاظ، وهي: الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم، فلمَّا وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قُدِّمَ منها لفظتا "الطوفان" و"الجراد"، وأُخِّرَت لفظة "الدم" آخرًا، وجعلت لفظة "القمل والضفادع" في الوسط، ليطرق السمع أولًا الحسن من الألفاظ الخمسة، وينتهي إليه آخرًا، ثم إن لفظة "الدم" أحسن من لفظتي "الطوفان" و"الجراد"، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرًا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية.
وقد ذكر من تقدَّمَني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئًا فخُولف فيه، وكذلك استقبح الآخر شيئًا فخولف فيه.
ولو حققوا النظر ووقفوا على السرِّ في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها.
وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن١ من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنىً عن غيره، لكن لا بُدَّ أن نذكر ههنا تفصيلًا لما أجملناه هناك، لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها مركَّبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح.
_________________
(١) ١ انظر صفحة ٩٠ من هذا الكتاب.
[ ١ / ١٦٩ ]
وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذًا في السمع كان حسنًا، وإذا كان حسنًا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه.
وقد رأيت جماعةً من الجهال إذا قيل لأحدهم: إن هذه اللفظة حسنة، وهذه قبيحة، أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنًا!.
ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة "الغصن" ولفظة "العسلوج"، وبين لفظة "المدامة" ولفظة "الإسفنط"، وبين لفظة "السيف" ولفظة "الخنشليل"، وبين لفظة "الأسد" ولفظة "الفدوكس"، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر١ في رحله، وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد، شوهاء الخلق، ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وشعر قطط٢ كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل٣، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاحٍ٤، وطرة٥ كأنها ليل على صباح.
فإذا كان بإنسان من سُقْمِ النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب.
فإن عاند معاند في هذا وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها، ويفضلها على صورة الرومية التي وصفتها!
قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذِّ النادر الخارج عن الاعتدال، بل
_________________
(١) ١ الجعر: ما يبس من العذرة في المجعر، أي: الدبر، أو نحو كل ذات مخلب من السباع. ٢ شعر قطط: شديد الجعودة، وفي التهذيب: القطط شعر الزنجي. ٣ الأسبل من الخدود: الطويل المسترسل. ٤ الأقاح والأقاحي: جمع الأقحوان وهو البابونج. ٥ الطرة: الناصية.
[ ١ / ١٧٠ ]
نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصًا يحبَّ أكل الفحم مثلًا، أو أكل الجص والتراب، ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة، أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته، وهو محتاج إلى علاج ومداواة؟
ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتًا منكرًا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضًا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم.
ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، وفجاجة الذهن، بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا، هو الذي كان عند العرب مستحسنًا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحًا.
والاستعمال ليس بدليل على الحسن، فإنَّا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها، فإنه معذور في أن يقول ما قال:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصَّبَابة إلا من يعانيها
ومع هذا، فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، وهذا دليل على أنه حسن" قولٌ فاسد لا يصدر إلا عن جاهل، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات، إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة.
وأما الذي تقلّد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل، ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، وجزم الشرط، وأشباه ذلك، وما عداه فلا.
[ ١ / ١٧١ ]
وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيًّا إلى زيد دون عمرو، أو إلى عمرو دون زيد؛ لأنه وصف ذَوويّ لا يتغير بالإضافة.
ألا ترى أن لفظة "المزنة" مثلًا حسنة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، وهلمَّ جرَّا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة "البعاق"، فإنها قبيحة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، فإذا استعملها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجًا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها.
وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلّق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسهما إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغَّرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. وفي الذي ذكرناه ما لا حاجة إليه.
أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسَّمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيًّا، ورباعيًّا، وخماسيًّا.
والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد ما يكره استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددًا واستعمالًا.
وأمَّا الخماسي فإنه الأقل، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر.
وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفًا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يُخِلُّ بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية؛ كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود، وبين حركات المصدر في النطق،
[ ١ / ١٧٢ ]
كالغليان، والضربان، والنقدان، والنزوان، وغير ذلك من مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود.
ومن نظر في حكمة وضع اللغة إلى هذه الدقائق، التي هي كالأطراف والحواشي، فكيف كان يخل بالأصل المعوَّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض؟ على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ، وهل هي متباعدة أو متقاربة، لطال الخطب في ذلك وعَسُرَ، وما كان الشاعر ينظم قصيدًا، ولا الكاتب ينشئ كتابًا، إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير.
ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإن حاسَّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح.
وسأضرب لك في هذا مثالًا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ، وقيل لك: ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة؟ فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر إلى أن أعتبر مخارج حروفها، ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبيح، لصحَّ لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطًا في اختيار الألفاظ، وإنما شذَّ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج، فحسن الألفاظ إذن ليس معلومًا من تباعد المخارج، وإنما عُلِمَ قبل العلم بتباعدها.
وكل هذا راجع إلى حاسَّة السمع، فإذا استحسنت لفظًا أو استقبحته وُجِدَ ما تستحسنه متباعد المخارج، وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده.
على أنَّ هذه القاعدة قد شذَّ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب من المخارج ما هو حسن رائق.
ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمَّى ثلاثتها "الشجرية"، وإذا تراكب منها شيء من الألفاظ جاء حسنًا رائقًا.
[ ١ / ١٧٣ ]
فإن قيل "جيش" كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل "شجي" كانت أيضًا لفظة محمودة، ومما هو أقرب مخرجًا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، وتسمَّى "الشفهية"، فإذا نُظِمَ منها شيء من الألفاظ كان جميلًا حسنًا، كقولنا: "فم"، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: "ذقته بفمي"، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها، وكلاهما حسن لا عيب فيه.
وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن لما كان سببًا للقبح، إذ هما ضدان لا يجتمعان.
فمن ذلك أنه يقال: "ملع"، إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا، فإن هذه اللفظة مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة.
وههنا نكتة غريبة، وهو أنَّا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها.
وما ندري كيف صار القبح حسنًا؟ لأنه لم يتغيِّر من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطًا، والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرًا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في "ملع" و"علم".
فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق، فإن ذلك انحدار وهذا صعود، والانحدار أسهل!.
فالجواب عن ذلك أني أقول: ولو استمرَّ لك هذا لصحَّ ما ذهبت إليه، لكنَّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق، أو من وسط اللسان، أو من آخره إلى الحلق، لا يتغير، كقولنا: "غلب"، فإن الغين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار "بلغ"، وكلاهما حسن مليح.
وكذلك تقول: "حلم" من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت "ملح"، على وزن فَعُلَ -فتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضًا حسن مليح.
وكذلك تقول: "عقر" و"رقع"، و"عرف" و"فرع"، و"حلف" و"فلح"
[ ١ / ١٧٤ ]
و"قلم" و"ملق" و"كلم" و"ملك"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئًا كثيرًا تضيق عنه هذه الأوراق.
ولو كان ما ذكرته مطَّردًا لكنَّا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحًا، وليس الأمر كذلك.
وأمَّا ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربيّ فليس ذلك مما يوجب حسنًا ولا قبحًا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ، فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟
وأمَّا تصغير اللفظة فيما يعبَّر به عن شيء لطيف أو خفيٍّ أو ما جرى مجراه، فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإنَّ المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، وما من كتاب نحوٍ إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا، فإن صاحب هذه الصناعة مخيَّر في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير، وإن شاء بمعناه كقول بعضهم:
لو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ من خلقه خفيت عنه بنو لبد
فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغِّر من هؤلاء القوم، ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير، ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا؟ فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها.
وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها.
فمنها ألا تكون الكلمة وحشيةً.
"الوحشي":
وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن.
والآخر: غريب قبيح.
وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا،
[ ١ / ١٧٥ ]
بل أن يكون نافرًا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنًا، وتارة يكون قبيحًا.
وعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشيِّ -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات.
وأما القسم الآخر من الوحشيّ -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي بادٍ، ولا قروي متحضر.
وأحسن الألفاظ ما كان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلا لمكان حسنه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونَقَّبُوا عنها، ثم عَدَلُوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضًا يتفاوت في درجات حسنه.
فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان، وقسم قبيح.
فالقسمان الحسنان:
أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشيّ.
والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشيّ، وقد تضمَّن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها "غريب القرآن"، وكذلك تضمَّن الحديث النبويّ منه شيئًا، وهو الذي يطلق عليه "غريب الحديث".
وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف، فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١؟ فهل في لفظة "ضيزى" من الحسن ما يوصف؟
_________________
(١) ١ سورة النجم: الآية ٢٢.
[ ١ / ١٧٦ ]
فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارًا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلَّهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون، وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة "ضيزى" فإنِّها لا يَسُدُّ غيرها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء١، فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢ وكذلك إلى آخر السورة، فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٣ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها.
وإذا نزلنا معك أيُّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها، ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة.
وسأبيِّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة، قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة، ولا شكَّ أن "جائرة" أو "ظالمة" أحسن من "ضيزى"، إلّا أنَّا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة، لم يكن النظم كالنظم الأول، وصار الكلام كالشيء المعوَّز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام.
فلمَّا سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحامًا، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيًا، ويقولون ما يقولونه جهلًا، وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم.
وحيث انتهى القول إلى ههنا، فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمَّى "وحشيًّا" فقط، بل يسمَّى "الوحشيّ" الغليظ، وسيأتي ذكره.
_________________
(١) ١ يبدو أن ابن الأثير نظر إلى الحرف المكتوب، والعبرة في هذا بالحرف المنطوق، وهو ههنا الألف المقصورة. ٢ سورة النجم: الآيتان ١، ٢. ٣ سورة النجم: الآيتان ٢١، ٢٢.
[ ١ / ١٧٧ ]
وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلًا سلسًا، وما تضمَّنه من الكلمات الغريبة يسير جدًّا.
هذا، وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا، وكفى به قدوةً في هذا الباب، قال النبي -ﷺ: "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ، يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه.
وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة.
وأمَّا ما ورد من اللفظ الوحشيّ في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي١، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي -ﷺ، قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة٢ على أكوار الميس٣، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير٤، ونستخلب الخبير٥، ونستعضد البرير٦، ونستخيل الرهام٧، ونستخيل الجهام٨، في أرض غائلة النطاء٩، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن١٠، ويبس الجعثن١١، وسقط الأملوج١٢، ومات
_________________
(١) ١ نهد إحدى قبائل اليمن. ٢ أصل الغور ما تداخل من الأرض وانهبط، وقيل: كل ما انحدر سيله مغربًا فهو الغور. ٣ الميس: شجر تتخذ منه الرحال للينة وقوته، ويطلق على الرحال نفسها. ٤ الصبير السحاب الكثيف. ٥ الخبير: العشب. ٦ استعضد الثمرة: اجتناها، والبربر: ثمر الأراك، وكانوا يأكلونه وقت الجدب لقلة الزاد. ٧ الرهام: جمع رهمة، وهي المطر الضعيف الدائم، ونستخيل: نخال ونظن. ٨ الجهام: السحاب قد أراق ماءه. ٩ النطاء: البعيد، أي: بعيدة بعدًا مهلكًا. ١٠ المدهن: مستنقع الماء، أو كل موضع حفره سيل. ١١ أصل النبات. ١٢ ورق كورق السرو لشجر بالبادية.
[ ١ / ١٧٨ ]
العسلوج١، وهلك الهَديّ٢ وفاد الودي٣، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن٤، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر، وقام تعار٥، ولنا نعم همل أغفال، ما تبضُّ ببلال٦، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل٧، أصابتنا سنيةٌ حمراء مؤزلة ليس لها عللٌ ولا نهل٨.
فقال رسول الله -ﷺ: "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها ٩، وابعث راعيها الدثر ١٠ بيانع الثمر، وافجر له الثمد ١١، وبارك له في المال والولد، ومن أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك ١٢، ووضائع ١٣ الملك، لا تلطط ١٤ في الزكاة، ولا تلحد ١٥ في الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة".
وكتب معه كتابًا إلى بني نهد: "من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ١٦، ولكم الفارض ١٧
_________________
(١) ١ ما لان واخضرَّ من القضبان، وعسجلت الشجرة: أخرجته. ٢ الهدي: ما يُهْدَى إلى مكة لينحر. ٣ الودي: الفسيل، وهو النخل الصغار. ٤ العثن: الصنم الصغير. ٥ جبل ببلاد قيس. ٦ الهمل: المهملة، والأغفال: جمع غفل -بالضم، وهو ما لا سمة عليه من الدواب، وبض الماء: بيض سال قليلًا قليلًا، والبلال المبلل، والمراد قلة اللبن. ٧ الوقير: القطيع من الغنم، والرسل: القطيع من كل شيء، والرسل: اللبن. ٨ سنية: تصغير سنة، وهي القحط والمجاعة، وحمراء: أي شديدة، ومؤزلة: ذات أزل لسكون الزاي، وهو الضيق والشدة. ٩ المخض: اللبن الخالص، ومخض اللبن: أخذ زبده، والمذق: اللبن الممزوج بالماء، والفرق: القطيع من الغنم. ١٠ الدثر: المال الكثير، وقيل: هو الكثير من كل شيء. ١١ الثمد: الماء القليل لا مادة له، أو ما يظهر في الشتاء ويذهب في الصيف. ١٢ أي: الغنائم التي تضمّ من المشركين، وتودع بيت مال المسلمين، ليقووا بها على شئونهم. ١٣ الوضائع: جمع وضيعة، وهي ما يأخذه السلطان من الخراج والعشور. ١٤ يقال: لططت عنه حقه إذا جحدته. ١٥ يقال: ألحد إذا مال ومارى وجادل. ١٦ الوظيفة النصاب في الزكاة، وأصله الشيء الراتب، والفريضة الهرمة المسنة، والمراد: أنها لا تؤخذ منهم في الزكاة، بل تكون لهم، ويروى "عليكم في الوظيفة الفريضة" أي: في كل نصاب ما فرض فيه. ١٧ الفارض المسنة كالفريضة، ويروى "العارض" بالعين وهي المريضة، أو التي أصابها كسر.
[ ١ / ١٧٩ ]
والفريش ١ وذو العنان الركوب ٢ والفلوّ الضبيس ٣، لا يمنع سرحكم٤، ولا يعضد طلحكم ٥، ولا يحبس دركم ٦، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق ٧، وتأكلوا الرباق ٨، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة".
وفصاحة رسول الله -ﷺ- لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابًا لمن يخاطبه بمثلها، كهذا الحديث وما جرى مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولًا بين العرب، ولكنه -ﷺ- لم يستعمله إلا يسيرًا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح.
وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيًّا لعدم الاستعمال.
فلا تظنّ أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله، فتارةً يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارةً يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة.
وذلك في اللفظ عيبان:
أحدهما: أنه غريب الاستعمال.
والآخر: أنه ثقيل على السمع، كريه على الذوق.
وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى
_________________
(١) ١ هي التي وضعت حديثًا، فهي كالنفساء من النساء، والفرس بعد نتاجها بسبع ليال. ٢ ذو العنان الركوب: الفرس الذلول. ٣ الفلوّ: المهر الصغير، وقيل: العظيم من جميع أولاد الحافر، والضبيس: العسر الصعب الذي لم يرض. ٤ السرح: المواشي السائمة، أي: إنها لا تمنع من المرعى. ٥ يعضد: يقطع، والطلح: شجر عظام. ٦ الدر: اللبن، والمراد ذوات الدر من المواشي. ٧ الإماق -مخفف من الإمآق، ترك الهمز منه ليوازن الرباق، والإماق: نكث العهد من الأنفة. ٨ الرباق: جمع ربق -بالكسر، وهو حبل فيه عدة عرى تشد به البهيمة من يدها أو عنقها، والمعنى تقطعوا رباق العهد الذي في أعناقكم وتنقضوه، واستعار الأكل لذلك؛ لأن البهيمة إذا أكلت الربقة خلصت من الشد.
[ ١ / ١٨٠ ]
"الوحشي الغليظ"، ويسمَّى أيضًا "المتوعِّر"، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفنِّ أصلًا.
فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ؟
قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به.
وسأضرب لك في ذلك مثالًا، فمنه ما ورد لتأبَّط شرًّا في كتاب الحماسة:
يظل بموْمَاةٍ ويمسي بغيرها جحيشًا ويَعْرَوْرِي ظهور المسالك١
فإن لفظة: "جحيش" من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويالله العجب! أليس أنها بمعنى "فريد"، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع "جحيش" لما اختلَّ من وزنه.
فتأبط شرًا ملوم من وجهين في هذا الموضع:
أحدهما: أنه استعمل القبيح.
والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها.
ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله:
قد قلت لما اطلخمَّ الأمر وانبعثت عشواء تليةٌ غبسًا دهاريسا٢
فلفظة: "اطلخمَّ" من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة، وأنها غليظة في السمع، كريهة على الذوق، وكذلك لفظة "دهاريس" أيضًا.
_________________
(١) ١ ديوان الحماة ١/ ٣١ ورواية الديوان: ويعرورى ظهور المهالك والموْمَاة: المفازة لا ماء فيها، والجحيش: المنفرد، ويعروري أي: يرتكب المهالك، والمعنى: إنه كثير الجولان في الأرض مستأنس بنفسه، يرتكب المهالك لشدة حماسته وجراءته. ٢ ديوان أبي تمام ٧١٧، وهو من قصيدة يمدح بها عياش بن لهيعة، ومطلعها: أحيا حشاشة قلب كان مخلوسًا ورم بالصبر عقلًا كان مألوسا ومعنى اطلخمَّ: أظلمَّ، والعشواء: ضعيفة البصر، والقبس: جمع غباء وهي المظلمة، والدهاريس: الدواهي.
[ ١ / ١٨١ ]
وعلى هذا ورد قوله من أبياتٍ يصف فرسًا من جملتها:
نعم متاع الدنيا حباك به أروع لا جيدرٌ ولا جبس١
فلفظة "جيدر" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي:
جفخت وهم لا يجفخون بها بهم شيمٌ على الحسب الأغرِّ دلائل٢
فإن لفظة "جفخ" مرة الطعم، وإذا مرَّت على السمع اقشعرَّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبَّط شرًّا لفظة "جحيش"، فإن تأبط شرًّا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدَّم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي "جفخت"، فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: "جفخ فلان"، إذا فخر، ولو استعمل عوضًا عن "جفخت" "فخرت" لاستقام وزن البيت، وحظي في استعماله بالأحسن.
وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟!
وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشيّ اللفظ، الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه.
والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ، وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضريّ فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أشدّ ملامة من الآخر.
على أنَّ هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، فإني
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ١٦٧ وهو من قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب، ومطلعها: هل أثر من ديارهم دعس حيث تلاقى الأجزاع والوعس ورواية الديوان "حيدر" بالحاء المهملة، وهو القصير، والجيدر بمعناه، والأروع الذي يعجب الإنسان، والجبس: الجامد الثقيل الروح. ٢ ديوان المتنبي ٣/ ٢٥٨ من قصيدة يمدح بها أحمد بن عبد الله الأنطاكي، ومطلعها: لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل جفخت: تكبرت وفخرت، وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: جفخت بهم شيم وفخرت، وهم لا يفخرون بها، وشيمهم دلائل على حسبهم الظاهر.
[ ١ / ١٨٢ ]
وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ولربما أنكره بعد ذلك، إما عنادًا وإما جهلًا، لعدم الذوق السليم عنده.
فمن ذلك قول الفرزدق١:
ولولا حياءٌ زدت رأسك شجةً إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي٢
شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها تشبه ولو بين الخماسيّ والطفل٣
فقوله: "شرنبثة" من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها.
وكذلك وردت لفظة "مشمخر"٤ فإنَّ بشرًا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه الأسد، فقال:
وأطلقت المهند عن يميني فقد له من الأضلاع عشرا
فخرَّ مضرجًا بدمٍ كأني هدمت به بناءً مشمخرَّا
وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال:
مشمخرٌ تعلو له شرفاتٌ رفعت في رءوس رضوى وقدس٥
فإن لفظة "مشمخر" لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها
_________________
(١) ١ ديوان الفرزدق ٢/ ٧١٣ من قصيدة مطلعها: ألا استهزأت مني هنيدة أن رأت أسيرًا يداني خطوه حلق الحجل ٢ رواة الديوان "هزمة" موضع "شجة"، والهزمة: الشق، والسير تقدير الجراحة. ٣ الشرنيث في الأصل الغليظ، أراد أنها قبيحة منكرة، في الأصل " من يرتمي بها يشبه "، ويقال "غلام خماسي" إذا كان طوله خمسة أشبار، ولا يقال: سداسي ولا سباعي؛ لأنه إذا بلغ ستة أشبار فهو رجل، والطفل هو الصغير أو المولود. ٤ المشمخر: الجبل العالي. ٥ شرفات القصر: ما أشرف من بنائه، ورضوى: جبل، وقدس: جبل بنجد، يشبه القصر في ضخامته وارتفاعه بهذين الجبلين.
[ ١ / ١٨٣ ]
أهوال يوم القيامة، فقال: "اقمطرَّ١ وبالها، واشمخرَّ نكالها" فما طابت ولا ساغت".
ومن هذا الأسلوب لفظة "الكنهور" في وصف السحاب كقول أبي الطيب٢:
يا ليت باكيةً شجاني دمعها نظرت إليك كما نظرت فتعذرا
وترى الفضيلة لا ترد فضيلةً الشمس تشرق والسحاب كنهورا٣
فلفظة "الكنهور" لا تعاب نظمًا، وتعاب نثرًا.
وكذلك يجري الأمر في لفظة "العرمس"، وهي اسم الناقة الشديدة، فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضًا:
ومهمهٍ جبته على قدمي تعجز عنه العراميس الذلل٤
فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ولا ساغت، وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام٥ كقوله:
هي العرمس الوجناء وابن ملمَّةٍ وجأشٌ على ما يحدث الدهر خافض٦
وكذلك ورد قوله أيضًا:
يا موضع الشدنية الوجناء٧
_________________
(١) ١ اقمطرَّ: اشتد. ٢ ديوان المتنبي ٢/ ١٧١ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها: بادهواك صبرت أم لم تصبرا وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى ٣ الكنهور: العظيم المتكاثف. ٤ ديوان المتنبي ٣/ ٢١١، والمهمه: ما بعد من الأرض واتَّسع، جبته: قطعته، العرامس: النوق الصلاب الشديدة، الذلل: المذللة بالعمل، والبيت من قصيدة يمدح بها بدر بن عمار، ومطلعها: أبعد نيل المليحة البخل في البعد ما لا تكلف الإبل ٥ ديوان أبي تمام ١٨٤ من قصيدة يمدح بها دينار بن عبد الله، ومطلعها: مهاة النقا لولا الشوى والمآبض وإنَّ محض الإعراض لي منك ماحض ٦ في الأصل "وحاش"، وفي الديوان "هي الحرة الوجناء"، والوجناء: العظيمة الوجنتين. ٧ صدر مطلع القصيدة وعجزه: ومصارع الإدلاج والإسراء الإيضاع ضرب من السير أو التسيير، والشدنية: الناقة الكريمة، نسبة إلى شدن بلد مشهور بالإبل الكرام.
[ ١ / ١٨٤ ]
فإن " الشَّدنية" لا تعاب شعرًا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها.
وعلى هذا، فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور.
وذلك شيء استنبطته، واطَّلعت عليه كثرة ممارستي لهذا الفن، ولأنَّ الذوق الذي عندي دَّلني عليه، فمن شاء فليقلدني فيه، وإلّا فليدمن النظر حتى يطَّلع على ما اطَّلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت!
وقد رأيت جماعةً من مدَّعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلامًا وحشيًّا غامض الألفاظ يعجبون به، ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا الغموض والخفاء.
وسأبيِّن لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول: الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه.
فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك.
وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق، وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك.
ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًّا متوعرًا، عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل: أن يكون متينًا على عذوبته في الفم، ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكًا سفسفًا١، وإنما هو اللطيف الرقيق
_________________
(١) ١ السفسف والسفسان: الرديء من كل شيء.
[ ١ / ١٨٥ ]
الحاشية الناعم الملمس؛ كقول أبي تمام١:
ناعمات الأطراف لو أنها تلـ ـبس أغنت عن الملاء الرقاق
وسأضرب لك مثالًا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول:
انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئًا من ذلك وحشي الألفاظ، ولا متوعرًا.
ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فإنَّك لا ترى شيئًا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفًا.
فمثال الأول، وهو الجزل من الألفاظ، قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ٢.
فتأمَّل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله، وذكر النار والجنة، وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة؟
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام، من قصيدة يمدح بها إسماعيل بن شهاب ويشكره، ومطلعها: أيها البرق بت بأعلى البراق واغد فيها بوابل غيداق البراق: أرض ذات حجارة ورمل وطين، والغيداق: المنسكب. ٢ سورة الزمر: الآيات ٦٩-٧٤.
[ ١ / ١٨٦ ]
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١.
وأما مثال الثاني: وهو الرقيق اللفظ، فقوله تعالى في مخاطبة النبي -ﷺ: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ إلى آخر السورة.
وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٣.
وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقَّة، وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد نثرًا، ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفوَ عن دم أبيه، فقال له:
"إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب، ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتد٤، يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمَّت رزيته بزارًا واليمن، ولم تخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع الذي كان لحجر، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: الآية ٩٤. ٢ سورة الضحى: الآيات ١-٣. ٣ سورة البقرة: الآية ١٨٦. ٤ المحتد: الأصل والطبع.
[ ١ / ١٨٧ ]
إمَّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقُدْنَاه إليك بنسعةٍ١ تذهب شفرات حسامك بباقي قصرته٢، فنقول: رجل امتُحِنَ بهالك عزيز، فلم يستلّ سخيمته٣ إلّا تمكينه من الانتقام.
أو فداءٌ بما يروح على بني أسد من نَعَمِها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداءً رجعت به القصب إلى أجفانها، لم يُرَدِّدْها تسليط الإحن على البراء.
وإمَّا أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأُزر، وتُعْقَد الخمر فوق الرايات".
فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال:
"لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة، فأكتسب به سُبَّة الأبد، وفتَّ العضد.
وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنَّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقًا٤، وفوق الأسنة علقًا٥:
إذا جالت الحرب في مأزقٍ تصافح فيه المنايا النُّفُوسَا
أتقيمون أم تنصرفون؟".
قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية، وحرب وبلية".
ثم نهضوا عنه، وقبيصة يتمثَّل:
لعلك أن تَسْتَوْخِمَ الورد إن غَدَتْ كتائبنا في مأزق الحرب تمطر
فقال امرؤ القيس: "لا والله! ولكن أستعذبه، فرُوَيْدًا ينفرج لك دجَاهَا من
_________________
(١) ١ النسع -بالكسر: سير ينسج عريضًا على هيئة أعنَّة النعال تشد به الرحال، والفعلية منه لسعة. ٢ القصرة أصل العنق. ٣ السخيمة: الحقد. ٤ الحنق: الغيظ، أو شدته. ٥ العلق: محركة الدم عامة، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد.
[ ١ / ١٨٨ ]
فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكرٌ غير هذا بي أَوْلَى، إذ كنت نازلًا بربعي، ولكنك قلت فأجبت، فقال امرؤ القيس: هو ذاك١.
فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمِّقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ، فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء.
وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة.
وإذا تصَّفحْتَ أشعارهم أيضًا وجدت الوحشيَّ من الألفاظ قليلًا بالنسبة إلى المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموءل بن عاديا، وهي٢:
إذا المرء لم يَدْنَس من اللوم عرضه فكل رداءٍ يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيل
تُعَيِّرُنَا أنَّا قليلٌ عديدنا فقلت لها إنَّ الكرام قليل
وما ضَرَّنَا أنَّا قليلٌ وجارنا عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
يقرب حُبُّ الموت آجالنا لنا وتكرهُه آجالهم فتطول
وما مات منَّا سيدٌ حتف أنفه٣ ولا طُلَّ منَّا حيث كان قتيل
علونا إلى خير الظهور٤ وحطنا لوقتٍ إلى خير البطون يزول
فنحن كماء المزن ما في نصابنا كَهَامٌ٥ ولا فينا يُعَدُّ بخيل
إذا سيدٌ منَّا خلا قام سيدٌ قئولٌ لما قال الكرام فعول
_________________
(١) ١ صححنا بعض ألفاظ هذا النص بمقابلته على رواية القلقشندي "انظر صبح الأعشى ٢/ ٢٠٨". ٢ الأبيات في ديوان الحماسة ١/ ٣٦. ٣ قال: "مات فلان حتف أنفه" إذا مات من غير قتل ولا ضرب -والمعنى أنفه لا تموت. ولكن تقتل، ودم القتيل منَّا لا يذهب هدرًا. ٤ يشير إلى صريح نسبهم وخلوصه بما يحط بشرفهم. ٥ كماء المزن أي: ماء السحاب -يشبه صفاء أنسابهم بصفاء ماء المطر، والنصاب: الأصل، والكهام: الكليل الحد.
[ ١ / ١٨٩ ]
وأيامنا مشهورةٌ في عدونا لها غررٌ مشهورةٌ١ وحجول
وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ بها من قراع الدارعين٢ فلول
مُعَوَّدَةٌ إلّا تسلَّ نصالها فتُغْمَد حتَّى يُسْتَبَاح قتيل
فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زُبَرًا من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة.
وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرِّقَّة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول عروة بن أذينة٣:
إن التي زعمت فؤادك ملها خُلِقَت هواك كما خُلِقتَ هوىً لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها بلباقةٍ فأدقَّها٤ وأجلها
حجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي: ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ شفع الضمير إلى الفؤاد٥ فسلَّها
وكذلك ورد قول الآخر٦:
أقول لصاحبي والعيس تهوي٧ بنا بين المنيفة فالضَّمار٨
_________________
(١) ١ رواية ديوان الحماسة "معلومة"، والحجول جمع حجل، وهو هنا البياض يكون في قوائم الفرس، والكلام على التشبيه. ٢ القراع والمقارعة المضاربة، والدَّارعون أصحاب الدروع، والفلول جمع فل، وهو الثلم في حد السيف. ٣ اسمه يحيى بن مالك، أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وهو شاعر غزل مقدم من شعراء المدينة، ومعدود في الفقهاء والمحدثين، روى عنه مالك بن أنس، والأبيات في ديوان الحماسة ٢/ ٦٣ وفي أمالي القالي ١/ ١٥٦. ٤ رواية الأمالي "بلباقة فأرقها". ٥ الوساوس خطرات النفس -والمعنَى أن النَّفس إذا حدَّثتني بالسلو عنها كان ضميري الشفيع إلى إخراج وساوس السلو من نفسي، ورواية الأمالي "شفع الضمير لها إلي فسلها". ٦ الأبيات الخمسة الأولى في أمالي القالي ١/ ٣٢ وفي حماسة أبي تمام ٢/ ٦٥ وهي غير منسوبة فيهما. ٧ رواية الأمالي "تخدى". ٨ المنيفة: ماء لبني تميم، والضمار: اسم موضع، قال التبريزي: وكان حق العطف في قوله: "فالضمار" أن يكون بالواو، لأن "بين" لا تدخل إلّا بين شيئين متباينين، إلّا إذا أريد بين أجزاء المنيفة.
[ ١ / ١٩٠ ]
تمتَّع من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشيَّة من عرار١
ألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍ وَرَيَّا روضه غِبَّ القطار٢
وأهلك إذ يحلُّ الحيُّ نجدًا وأنت على زمانك غير زار٣
شهورٌ ينقضين وما شعرنا بأنصافٍ لهنَّ ولا سرار٤
فأمَّا ليلهنَّ فخير ليلٍ وأطيب ما يكون من النهار
ومما ترقص الأسماع له، ويرنُ على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في محبوبته من جرم:
بنفسي مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بنانه على كبدي كانت شفاءً أنامله
ومن هَابَني في كل شيءٍ وهبْتُه فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
وإذا كان هذا قول ساكنٍ في الفلاة لا يرى إلّا شيحةً أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضبًّا أو يربوعًا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقَّة العيش، يتعاطون وحشيّ الألفاظ، وشظَفَت العبارات ولا يخلد إلى ذلك إما جاهل بأسرار الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد ممن شدا شيئًا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، وذاك أنَّه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقَّفه من أربابها، وأما الفصيح المتَّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدَرَ عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه.
فإن مارى في ذلك مُمارٍ فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممَّن كان مشارًا إليه، حتى يعلم صحَّة ما ذكرته: هذا ابن دُرَيْد٥، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت
_________________
(١) ١ الشميم مصدر، أراد به المشموم، والمراد وردة ناعمة صفراء طيبة الرائحة. ٢ القطار جمع قطر، والنفح تضوع الرياح بالنسيم بالطيب. ٣ زرى عليه: عابه، والمعنى: ومحبوب إلي أيضًا منها زمان أهلك حين كانوا نازلين بنجد، وأنت راض منه لمساعدته إياك بما تهواه وتريده. ٤ سرار الشهر: آخره. ٥ هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، ولد بالبصرة سنة ٢٢٣هـ، وكان نابغة في اللغة والأدب والأنساب، وبرع في الشعر، حتى قيل فيه: أشهر العلماء وأعلم الشعراء، وله عدة تصانيف منها كتاب "الجمهرة" في اللغة، توفي سنة ٣٢١هـ.
[ ١ / ١٩١ ]
إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطًّا، مع أنَّ أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه.
هذا العباس بن الأحنف١، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كممرّ نسيم على عذبات أغصان، وكلؤلؤات طلّ على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة، فمن ذلك قوله:
وإنِّي ليرضيني قليل نوالكم وإن كان لا أرضى لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم من الود إلّا عدتم بجميل
وهكذا ورد قوله في "فوز" التي كان يشبب في شعره:
يا فوز، يا منية عباس قلبي يُفَدَّي قلبك القاسي
أسأت إذ أحسنت ظنِّي بكم والحزم سوء الظنِّ بالناس
يقلقني شوقي فآتيكم والقلب مملوءٌ من الياس
وهل أعذب من هذه الأبيات، وأعلق بالخاطر، وأسرى في السمع؟ ولمثلها تخف رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخَّر السوابق عند الرهان، ولم أجرها بلساني يومًا إلّا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي٢:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ أراه غُبَاري ثُمَّ قال له الحق٣
ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة، قريبة بعيدة! وهذا أبو العتاهية٤، كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك موجودون
_________________
(١) ١ العباس بن الأحنف من بني عدي بن حنيفة، وهو شاعر غزل مطبوع، وله مذهب في الشعر جيد، ولمعانيه عذوبة، وكان من شعراء بني العباس، وقدَّمه المبرد على نظرائه، وأطنب في وصفه، ولم يتجاوز الغزل إلى غيره من أغراض الشعر، توفي سنة ١٩٢هـ. ٢ ديوان المتنبي ٢/ ٣١٤ من قصيدة مطلعها: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي وللحب ما لم يبق مني وما بقي ٣ أسكن الواو من الفعل "يلهو" وهو منصوب ضرورة. ٤ هو إسماعيل بن القاسم، نشأ بالكوفة يعالج الشعر مع إلمام بمذاهب المتكلمين والفلاسفة، ويغلب على شعره الزهد والسهولة، وقد توفي سنة ٢١١هـ.
[ ١ / ١٩٢ ]
كثيرًا، وكانت مدائحه في المهديّ بن المنصور، وإذا تأمَّلت شعره وجدته كالماء الجاري: رقة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واهٍ.
وكذلك أبو نواس، وبهذا قُدِّم على شعراء عصره، وناهيك بعصره وما جمعه من فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد١ الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه.
ويحكى أنَّ أبا نواس جلس يومًا إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى الماء، فلمَّا شرب قال:
عَذُبَ الماء وطابا
م قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي العتاهي فقال: ما شأنكم مجتمعين؟ فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس:
عَذُبَ الماء وطابا
فقال أبو العتاهية:
حبَّذا الماء شرابا
فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبثٍ.
وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ، وسأورد منه ههنا شيئًا يُسْتَدَلُّ به على سلاسة طبعه، وترويق خاطره.
فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهديّ، ويشبب فيها بجاريته "عتب":
ألا ما لسيدتي ما لها تُدِلُّ فاحمل إدلالها
ألا إن جارية للإما م قد سكن الحسن سربالها
لقد أتعب الله قلبي بها وأتعب في اللوم عذَّالها
كأن بعيني في حيثما سلكت من الأرض تِمثالها
_________________
(١) ١ هو صريح الغواني مسلم بن الوليد الأنصاري، تأدَّب في الكوفة، ونبه شأنه في الشعر، حتى صار من متقدمي عصره، وهو من متكلمي البديع، وقد توفي بجرجان سنة ٢٠٨هـ.
[ ١ / ١٩٣ ]
فلما وصل إلى المديح قال من جملته:
أتته الخلافة منقادةً إليه تجرر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحدٌ غيرك لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب١ لما قبل الله أعمالها
ويحكى أن بشارًا٢ كان شاهدًا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلمَّا سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده؟ يريد: هل زال عن سريره طربًا بهذا المديح؟
ولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره.
وقد أشرت إلى ذلك فما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر "الاستعارة"، فليؤخذ من هناك.
واعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلًا ومديحًا، وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا، فإنك تراها من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات.
وهذا هو الكلام الذي يسمَّى "السهل الممتنع"، فتراه يطمعك، ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب.
وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذنٍ!
وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت
_________________
(١) ١ بنات القلوب: حياتها، والمعنى: مَنْ لم يخلص للخليفة لا يتقبل الله عمله. ٢ هو أبو معاذ بشار بن برد العقيلي ولاء، الفارسي أصلًا، أخذ العربية عن أعراب البصرة، ونبغ في الشعر لشدة ذكائه، وسعة خياله، وحسن ابتكاره، وكان هجَّاء ماجنًا، مات مقتولًا سنة ١٦٧هـ.
[ ١ / ١٩٤ ]
وكانت في زمن العرب العاربة، فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحَضَر؟
وبعد هذا، فاعلم أنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر.
فالألفاظ الجزلة تُتَخَيَّل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار.
والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي رماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج.
ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبغات، وقد تحلَّيْن بأصناف الحلي.
وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالًا مناسبة.
واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والعين، فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها.
والناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأَنْ ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة، فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجُّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تَمَّام في قصيدته الثائية التي مطلعها:
قف بالطلول الدَّارسات علاثا١
وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها:
مبيتي من دمشق على فراش٢
وكما فعل ابن هانئ المغربي٣ في قصيدته الخائية التي مطلعها:
سرى وجناح الليل أقتم أفتخ
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٦٣، وعجز البيت: أضحت حبال فطينهن رثاثا ٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٠٧ وعجز البيت: حشاء لي بحر حشاي حاش هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي، أشعر شعراء الأندلس، والملقَّب بمتنبي المغرب، نشأ في أشبيلية واتهم بسوء العقيدة، فهرب إلى عدوة المغرب، وكانت في قبضة الفاطميين الأولين، فمدح المعز قبل فتح مصر، وفي أثنائه، ولما فتحت مصر وذهب المعز إليها تأهَّبَ للحاق به، فمات في الطريق سنة ٣٦٢هـ، ولم يناهز الأربعين، ويمتاز شعره بالغريب، وفخامة اللفظ، والأساليب البدوية، وكثرة التشبيهات والمجاز.
[ ١ / ١٩٥ ]
والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة.
وأمَّا الناثر فإنه أقرب حالًا من الناظم؛ لأنَّ غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة.
فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئًا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظًا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع، والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدًّا، ولا يصاغ منه إلّا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصَّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعًا كريهًا.
على أنَّ هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدَّها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإنَّ الأمر فيهنَّ أقرب حالًا.
وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن يُنْعِمَ نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم، فليعرفه وليقف عنده!
المبتذل من الألفاظ:
ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة.
وذلك ينقسم قسمين:
الأول: ما كان من الألفاظ دالًّا على معنى وُضِعَ له في أصل اللغة، فغيَّرته العامة وجعلته دالًّا على معنى آخر، وهو ضربان:
الأول: ما يُكْرَهُ ذكره، كقول أبي الطيب١:
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٤/ ٥٥ من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي، ومطلعها: ملام النوى في ظلمها غاية الظلم لعلَّ بها مثل الذي بي من الظلم
[ ١ / ١٩٦ ]
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني وعفَّ فجازاهنَّ عني بالصرم١
فإن [معنى] لفظة "الصرم" في وضع اللغة هو القطع، يقال: "صرمه" إذا قطعه، فغيَّرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادًا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكنَّ المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا: "صرمه" و"صرمته" و"تصرَّمه" فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك.
وهذا الضرب المشار إٍليه لا يعاب البدوي على استعماله، كما يعاب المحتضر؛ لأنَّ البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرَّفت العامَّة فيها كما تصرَّفت في زمن المحتضرة من الشعراء، فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة "الصرم" وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المبتدئ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي٢:
قد كان صرمٌ في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم٣
فإنَّ هذا لا يعاب على أبي صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدَّم ذكره.
وقد صنَّف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابًا في هذا الفن، ووسمه بـ"إصلاح ما تغلط فيه العامة"، فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكر استعماله لكراهته؛ ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان.
وأما الضرب الثاني:
وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى، فجعلته العامة دالًّا على غيره، إلّا أنه ليس بمستقبَحْ ولا مستكره.
_________________
(١) ١ رواية الديوان: وعفَّ فجازهن عنى بالصرم قد أسكن "الغواني" ضرورة؛ لأنها مفعول "ذاق". ٢ اسمه عبد الله بن سلم السهميّ، أحد بنى هذيل بن مدركه، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وكان مواليًا لبني مروان، متعصبًا لهم، وله في عبد الملك مدائح، وقد كان حبسه ابن الزبير إلى أن شفع له رجال من قريش، فأطلقه بعد سنة، فلمَّا ولي عبد الملك وحجَّ لقيه أبو صخر، فأدناه عبد الملك وقرَّبه، فمدحه ونال جائزته. ٣ من أبيات ثمانية في ديوان الحماسة ٢/ ٦٢.
[ ١ / ١٩٧ ]
وذلك كتسميتهم الإنسان "ظريفًا" إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، "والظرف" في أصل اللغة مختَصٌّ بالنطق فقط.
وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو: الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر.
فالظرف إنما يتعلَّق بالنطق خاصَّة، فغيَّرته العامَّة عن بابه، ومِمَّن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال:
اختصم الجود والجمال فيك فصارا إلى جدال
فقال هذا يمينه لي للعرف والبذل والنوال
وقال هذاك وجهه لي للظرف والحسن والكمال
فافترقا فيك عن تراضٍ كلاهما صادق المقال
وكذلك غلط أبو تمام، فقال١:
لك هضبة الحلم التي لو وازنت أجَأ إذن ثقُلَت وكان خفيفًا
وحلاوة الشَّم التي لو مازجت خلق الزمان الفدم عاد ظريفًا
فأبو نواس غلط ههنا في أنَّه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضًا، إلّا أنَّ هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحًا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة.
القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن وضعه:
وإنما أنكر استعماله؛ لأنه مبتذل بينهم، لا لأنَّه مستقبح، ولا لأنَّه مخالف لما وضع له.
وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارةً عمَّا يكثر تداوله بين العامة، فإن
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٣٠٩ من قصيدة في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف، ومطلعها: أطلالهم سلبت دماها الهيفا واستبدلت وحشًا بهن عكوفا
[ ١ / ١٩٨ ]
من الكثير المتداول بينهم ألفاظًا فصيحة، كالسماء، والأرض، والنار، والماء، والحجر، والطين، وأشباه ذلك.
وقد نطق القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظمًا ونثرًا.
والذي ترجَّح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامَّة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي١:
وملمومةٌ سيفيَّةٌ ربعيةٌ يصيح الحصى فيها صياح اللقالق٢
فإن لفظة "اللقالق" مبتذلة بين العامة جدًّا، وكذلك قوله٣:
ومن الناس من يجوز إليهم شعراء كأنها الخازباز٤
وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة "البرسام" الذي ذكره في شعره حيث قال٥:
إن بعضًا من القريض هراءٌ ليس شيئًا وبعضه أحكام٦
فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام٧
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ٢/ ٣٢٥ من قصيدة مطلعها: تذكرت ما بين العذيب وبارق مجر عوالينا ومجرى السوابق ٢ الملومة: الكتيبة المجتمعة، وسيفية: منسوبة إلى سيف الدولة، وربعية: منسوبة إلى بيعة، وهي قبيلة سيف الدولة، واللقالق: جمع لقلق، وهو طائر كبير يسكن العمران في أرض العراق. ٣ ديوان المتنبي ٢/ ١٨٣ من قصيدة في مدح أبي بكر علي بن صالح، ومطلعها: كفرندي فريد سبقي الجرار لذة العين عدة للبراز ٤ رواية الديوان: ومن الناس من يجوز عليه، والخازباز: حكاية صوت الذباب، ويسمَّى الذباب "الخازباز"، وقال الأصمعي: هو نبت، وقال قوم: الخازباز داء يأخذ الإبل في حلوقها والناس، والمعنى: أنت ناقد الكلام تعرف الشعر، وغيرك يجوز عليه شعراء يهذون، كأنهم طنين الذباب في هذيانهم. ٥ ديوان المتنبي ٤/ ١٠١ من قصيدته التي مطلعها: لا افتخار لمن لا يضام مدرك أو محارب لا ينام ٦ رواية الديوان "هذاء" موضع "هراء"، والهذاء والهذيان مصدر هذى يهذي، إذا قال قولًا لا فائدة له، والأحكام جمع حكم بمعنى: الحكمة. ٧ رواية الديوان "الفضل" موضع "الفهم"، والبرسام علة يهذي فيها.
[ ١ / ١٩٩ ]
ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفًا.
وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلُّ ومنهم المكِْثرُ، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلّا أنه في أشعارها أقلَّ، فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها:
من آل مية رائحٌ أو مغتدي١ أو دميةٍ في مرمرٍ مرفوعةٍ
بنيت بآجرٍ يشاد بقرمد٢ فلفظة "آجر" مبتذلة جدًّا.
وإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر "الآجر" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ "القرمد" أيضًا، ولا بلفظ "الطوب" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٣ فعبَّر عن الآجر بالوقود على الطين.
ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها:
عرفت بأعشاش وما كدت تعزف٤
وأصبح مبيض الضريب كأنه على سروات النيب قطن مُنَدَّف٥
_________________
(١) ١ ديوان النابغة بشرح الوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي ص٢٧ وعجز البيت: عجلان ذا زاد وغير مزود ٢ صفحة ٣٠ من الديوان، والدمية: التمثال والصورة، والمرمر: الرخام الأبيض، ويشاد: يرفع بالشيد وهو الجصّ، والقرمد: خزف مطبوخ. ٣ سورة القصص: الآية ٣٨. ٤ ديوان الفرزدق ٢/ ٥٥١، وهي إحدى نقائضه، وعجز البيت: وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف في الأصل "عرفت" و"تعرف" بالراء فيهما، والصواب عن الديوان. ٥ في الأصل "الضريب" موضع "الصقيع"، و"البيت" موضع "النيب"، والتصويب عن الديوان، وسروات النيب: أسنمة الإبل، يقول: وقع الثلج على أسنمتها كأنَّه قطن مندَّف، والصقيع: الجليد.
[ ١ / ٢٠٠ ]
فقول: "مندَّف" من الألفاظ العامية، ومن هذا القسم قول البحتري:
وجوه حسَّادك مسودَّة أم صُبِغَتْ بعدي بالزاج
فلفظة: "الزَّاج" من أشدِّ ألفاظ العامَّة ابتذالًا.
وقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرًا، كقوله:
يا من جفاني وملا نسيت أهلًا وسهلا
ومات مرحب لما رأيت مالي قلا
إني أظنك فيما فعلت تحكي القرلّى٢
وكقوله٣:
وأنمر الجلدة صيَّرته في الناس زاغًا وشقرَّاقا٤
ما زلت أجري كلكي فوقه حتى دعا من تحته قاقا
وكقوله:
وملحة بالعذل تحسب أنني بالجهل أترك صحبة الشطار
وقد استعمل لفظة "الشاطر" "والشاطرة" "والشطار" كثيرًا، وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها.
وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها.
ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره، وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح.
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ١٥٣ في عتاب عمرو الوراق. ٢ القرلى كزمكى: طائر ذو حزم لا يرى إلا فرقًا على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعًا، ويرفع الأخرى في الهواء حذرًا، ومنه المثل "أحزم من قرلى، إن رأى خيرًا تدلى، وإن رأى شرًّا تولَّى". ٣ ديوان أبي نواس ١٨٩ في هجاء زنبور. ٤ الأنمر: ما فيه نمرة، أي: نكتة بيضاء وأخرى سوداء، والزاغ: غرب صغير، والشقراق -بكسرتين وراء مشددة أو كقرطاس ويفتح طائر مرقط بخضرة وحمرة وبياض، ويكون بأرض الحرم.
[ ١ / ٢٠١ ]
فأمَّا إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ألَا ترى أن لفظة "التعزيز" مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام، وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها، فخصت معناها بالحسن، وميزته عن القبيح. ولو وردت مهملة بغير قرينة، وأريد بها المعنى الحسن لَسَبَق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح.
مثال ذلك: لو قال قائل: لقيت فلانًا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانًا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس.
واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجئ معه لما استقبح، كقول الشريف الرضي:
أعزر علي بأن أراك وقد خلا
عن جانبيك مقاعد العواد
وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه، فقال: إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا سيِّمَا وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به، هذا حكاية كلامه٢، وهو مرضي واقع في موقعه.
ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ٣ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية ١٥٧. ٢ انظر سر الفصاحة ٩٣، ونصّ عبارة ابن سنان: فإيراد "مقاعد" في هذا البيت صحيح، إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشأن، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم وهو العوّاد، ولو انفرد كان الأمر فيه سهلًَا، فأمَّا إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء به. ٣ سورة آل عمران: الآية ١٢١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ١
ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر.
ولو قال الشاعر بدلًا من "مقاعد العواد" "مقاعد الزيارة"، أو ما جرى مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي.
وعلى هذا ورد قول تأبَّط شرًّا:
أقول للحيان وقد صفرت لهم وطابي ويومي ضيق الجحر معور٢
فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن "الجحر" يطلق على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملًا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره.
ومن ههنا ورد قول النبي -ﷺ: "المؤمن لا يلسع من حجرٍ مرتين" وحيث قال: "يلسع" زال اللبس؛ لأنَّ اللسع لا يكون إلا للحيَّة وغيرها من ذوات السموم.
وأما ما ورد مهملًا بغير قرينة فقول أبي تمام٣:
أعطيت لي دية القتيل وليس لي عقلٌ ولا حقٌ عليك قديم٤
فقوله: "ليس لي عقل" يظنَّ أنه من "عقل الشي" إذا علِمَه، ولو قال: "ليس لي عليك عقل" لزال اللبس.
_________________
(١) ١ سورة الجن: الآيتان ٨، ٩. ٢ ديوان الحماسة ١/ ٢٦، ولحيان بطن من هذيل، وصفرت جلت، والوطاب جمع وطب، وهو سقاء اللبن، وقوله: "ضيق الجحر" مثل لضيق المنفذ، والمعور: المنكشف العورة. ٣ ديوان أبي تمام ٣٠١ من قصيدة يمدح بها أبا الحسين محمد بن الهيثم، ومطلعها: أسقى طلولهم أجشّ هزيم وغدت عليهم نضرة ونعيم ٤ رواية الديوان "أعطيتني" موضع "أعطيت لي"، والعقل: الدية.
[ ١ / ٢٠٣ ]
فيجب إذًا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع، وهو من جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة.
عدد حروف الكلمة:
ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلَّفة من أقلِّ الأوزان تركيبًا، وهذا مما ذكره ابن سنان في كتابه، ثم مثَّله بقول أبي الطيب المتنبي١:
إن الكرام بلا كرامٍ منهم مثل القلوب بلا سويداواتها٢
وقال: إن لفظة "سويداواتها" طويلة، فلهذا قبحت٣.
وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت -وهي مفردة- حسنة، فلمَّا جمعت قَبُحَت، لا بسبب الطول.
والدليل على ذلك أنَّه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ٥ فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة.
ولو كان الطول مما يوجب مما يوجب قبحًا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك.
ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة "سويداواتها". الهاء والألف اللتين هما عوض عن
_________________
(١) ١ ديوان المتنبي ١/ ٢٣٠ وهو من قصيدة في مدح أبي أيوب أحمد بن عمران ومطلعها: سرب محاسنه حرمت ذواتها دانى الصفات بعيد موصوفاتها ٢ سويداء القلب: حبته، وجمعه سويداوات، يقول: الكرام من الخيل إذا لم يكن عليها فرسان من هؤلاء الممدوحين كالقلب إذا لم يكن فيه.. ويداء. ٣ عبارة ابن سنان: فسويداواتها كلمة طويلة جدًّا، فلذلك لا أختارها، وانظر سر الفصاحة ٩٥-٩٧. ٤ سورة البقرة: الآية ١٣٧. ٥ سورة النور: الآية ٥٥.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف؟، ومع هذا فإنها قبيحة، ولفظة "ليستخلفنهم" عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنها حسنة رائقة.
والأصل في هذا الباب ما أذكره: وهو أنَّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلّا في الثلاثي، وفي بعض الرباعي؛ كقولنا: "عذب" و"عسجد". فإن هاتين اللفظتين إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، لا يكاد يوجد منه شيء حسن، كقولنا: "جحمرش"، و"صهصلق"، وما جرى مجراهما.
وكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان الَّلفظتان حسنتين، واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأنَّ تلك تسعة أحرف وعشرة، وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلّا ما كان من اسم نبي عُرِّبَ اسمه ولم يكن في الأصل عربيًّا نحو: "إبراهيم" و"إسماعيل".
ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلَّفة من حروف يثقل النطق بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال١:
غدائره مستشزرات إلى العلا تضل المدارى في مثنًّى ومرسل٢
فلفظة "مستشزرات" مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا: "مستنكرات" أو "مستنفرات" على وزن "مستشزرات" لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة.
ولربَّما اعترض بعض الجهَّال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها.
_________________
(١) ١ هي المشهورة باسم "المعلقات". ٢ الغدائر: جمع الغديرة، وهي الخصلة من الشعر، والاستشزار: الارتفاع، والمدارى: جمع مدرى وهي الشط، ويروى "تضل العقاص"، والعقاص: جمع عقيصة، وهي الخصلة المجموعة من الشعر.
[ ١ / ٢٠٥ ]
وليس الأمر كذلك، فإنَّا لو حذفنا منها الألف والتاء قلنا: "مستشزر" لكان ذلك ثقيلًا أيضًا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، وإلّا فلو جعلنا عوضًا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا "مستشرف" لزال ذلك الثقل.
ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، فأكبر ذلك، لوقوفه مع شهرة التقليد في أنَّ امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك، فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة الطيب حاميةً للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك.
وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنَّا إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهنَّ مكانًا، وأحسنهنَّ وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك؟ وقد جاءت آخرًا، فنفت القبيح من اللغات قبلها، وأخذت الحسن؟ ثم إن واضعها تصرَّف في جميع اللغات السالفة فاختصر ما اختصر، وخفَّف ما خفَّف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني "كوميل" ممالًا على وزن "فوعيل"، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقيل المستبشع، وقال: "جمل"، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به.
خفة الحركات:
ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيَّة من حركات خفيفة، ليخفَّ النطق بها، وهذا الوصف يترتَّب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة، فإنه إذا توالى منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو، والكسرة على الياء؛ لأن الضمَّة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان.
ولنمثِّلْ لك مثالًا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنَّا نقول: إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف، وهي -ج ز ع، فإذا جعلنا الجيم مفتوحة قلنا: "الجزع"، أو مكسورة قلنا: "الجِزع"، كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: "الجُزع"، وكذلك إذا والينا حركة الفتح قلنا: "الجَزَع" كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم عند قولنا: الجُزُع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرًا لمخارج حروفها، حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج، بل وجدناها تارة تكسى حسنًا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها.
واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٣ فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية، وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد قول أبي تمام٤:
نفسٌ يحتَثُّه٥ نَفَس ودموع ليس تحتبس
ومغانٍ للكرى دُثُرٌ عُطُلُ من عهده دُرُسُ٦
شهرت ما كنت أكتمه ناطقاتٌ بالهوى خُرُسُ
_________________
(١) ١ سورة القمر: الآية ٣٦. ٢ سورة القمر: الآية ٤٧. ٣ سورة القمر: الآية ٥٢. ٤ ديوان أبي تمام ٤٤٨، وهي أبيات في النسيب. ٥ يحتَثُّه على الخروج. ٦ المغاني: المنازل، والكرى: النعاس، والدثر: البالية، والعطل: الخالية، والدرس: الممحوة.
[ ١ / ٢٠٧ ]
فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة كلها مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها؟
وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلًا، فإذا شذَّ عن ذلك شيء يسير، لا ينقض الأصل المقيس عليه.
[ ١ / ٢٠٨ ]