النوع الأول: السجع
وحدُّه أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد.
وقد ذمَّه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهًا سوى عجزهم أن يأتوا به، وإلا فلو كان مذمومًا لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما، وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ١.
وكقوله تعالى في سورة طه: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى، تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
وكذلك قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٣.
وكقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٤ وأمثال ذلك كثيرة.
وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي -ﷺ- شيء كثير أيضًا.
فمن ذلك ما رواه ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "استحيوا من الله حق الحياء"، قلنا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله! قال: "ليس
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: الآيتان ٦٤، ٦٥. ٢ سورة طه: الآيات ١-٨. ٣ سورة ق: الآيات ٥-٧. ٤ سورة العاديات: الآيات ١-٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
ذلك! ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا".
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام، فقال: لما قدم رسول الله -ﷺ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما تبيَّنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أوَّل شيء تكلَّم به أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".
فإن قيل: إن النبي -ﷺ- قال لبعضهم منكرًا عليه وقد كلَّمه بكلام مسجوع: "أسجعًا كسجع الكهان"؟ ولولا أنَّ السجع مكروه لما أنكره النبي -ﷺ؟.
فالجواب عن ذلك أنَّا نقول: لو كره النبي -ﷺ- السجع مطلقًا لقال: أسجعًا؟ ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلمَّا قال: "أسجعًا كسجع الكهان" صار المعنى معلقًا على أمر، وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه.
فعلم أنه إنما ذمّ من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير، وأنه لم يذمّ السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم، وهو -ﷺ- قد نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها اتباعًا لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته -﵄: "أعيذه من الهامة والسامة وكل عينٍ لامة"، وإنما أراد "ملمة"؛ لأن الأصل فيها من "ألمَّ" فهو "ملم".
وكذلك قوله -ﷺ: "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات". وإنما أراد "موزورات" من الوزر، فقال: "مأزورات" لمكان "مأجورات"، طلبًا للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع.
على أن هذا الحديث النبويّ الذي يتضمَّن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلّق الإنكار به، ونهى عنه رسول الله -ﷺ؟
والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع، ألا ترى أنه لما أمر رسول الله -ﷺ- في الجنين بغُرَّة عبد
[ ١ / ٢١١ ]
أو أَمَةٍ، قال الرجل: "أَأَدِي من لا شَرِبَ ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله -ﷺ: "أسجعًا كسجع الكهان" أي: أتتبع سجعًا كسجع الكهان؟
وكذلك كان الكهنة كلهم، فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام مسجوعًا كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتُحِنَ قبل السؤال عن قصتها "ثمرة في كمرة" فقيل له: نريد أبين من هذا! فقال: "حبة بر في إحليل مهر"، والحكاية مشهورة، فلهذا اختصرناها هنا.
وكذلك قال سطيح١، فإنه قال: "عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موفٍ على الضريح، لرؤيا المؤبذان وارتجاس الإيوان"، وأتمَّ الكلام إلى آخره مسجوعًا، والحكاية مشهورة أيضًا، فلهذا اختصرناها.
فالسجع إذًا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله -ﷺ: "أسجعًا كسجع الكهان"؟ أي: أحكمًا كحكم الكهان، وإلّا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به، لأنه قال: "أَأَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق٢، ولا استهل، ومثل ذلك يطل"٣؟ وهذا كلام حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه، وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة٤.
واعلم أنَّ الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع.
ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع، لكان كل أديب من الأدباء سجَّاعًا، وما من أحد منهم -ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب- إلّا ويمكنه أن يؤلف
_________________
(١) ١ سطيح: أحد كهان العرب، وهو ابن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب. ٢ رواية البيان "ولا صاح واستهلَّ". ٣ يطل: أي يهدر دمه. ٤ قال عبد الصمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لو أنَّ هذا المتكلم لم يرد إلّا الإقامة لهذا الوزن لما كان عليه بأس، ولكنَّه عسى أن يكون أراد إبطال حق، فتشادق في الكلام، وانظر البيان والتبين ١/ ٢٨٧.
[ ١ / ٢١٢ ]
ألفاظًا مسجوعة، ويأتي بها في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة طنَّانة رنَّانة، لا غثَّة ولا باردة، وأعني بقولي: "غثَّة باردة" أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن، ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف١ أو ينظم عقدًا من الخزف الملون.
وهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلّا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلًا.
فإذا صُفِّيَ الكلام المسجوع من الغثاثة والبَرْد، فإنَّ وراء ذلك مطلوبًا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعًا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعًا للفظ، فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموّه، على باطن مشوّه، ويكون مثله كغِمْدٍ من ذهب، على نصلٍ من خشب.
وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع وغيرهما.
وسأبيِّن لك في هذا مثالًا تتبعه، فأقول: إذا صوَّرت في نفسك معنًى من المعاني، ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع، ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ، أو نقصان منه، ولا يكون محتاجًا إلى الزيادة ولا النقصان، إنما تفعل ذلك؛ لأنَّ المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعًا إلّا أن تضيف إليه شيئًا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلُّف والتعسُّف.
وأمَّا إذا كان محمولًا على الطبع غير متكلَّف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام، وإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلِم، يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، وفي مثل ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي٢:
_________________
(١) ١ الكرسف: القطن. ٢ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها: باد هواك صبرت أم لم تصبرا وبكاك إن لم يجرد معك أو جرى
[ ١ / ٢١٣ ]
أنت الوحيد إذا ركبت طريقةً ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا١
فإن قيل: فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي أن يأتي القرآن كله مسجوعًا؟ وليس الأمر كذلك، بل منه المسجوع ومنه غير المسجوع؟
قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إنَّ السورة لتأتي جميعها مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعًا إلّا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب.
وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمَّن القرآن غير المسجوع؛ لأنَّ ورود غير المسجوع معجزًا أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمَّن القرآن القسمين جميعًا.
واعلم أنَّ للسجع سرًّا هو خلاصته المطلوبة، فإن عُرِّي الكلام المسجوع منه فلا يعتدُّ به أصلًا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه قولًا هو أبين مما تقدَّم، وأمثِّل لك مثالًا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، وقيل في كلامك ليبلغ الشاهد الغائب.
والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملةً على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك التطويل بعينه؛ لأن "التطويل" إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلَّان على معنى واحد كانت إحداهما كافيةً في الدلالة عليه، وجُلّ كلام الناس المسجوع جارٍ عليه.
وإذا تأمَّلت كتابة المفْلِقين ممن تقدَّم، كالصابي وابن العميد وابن عباد، وفلان
_________________
(١) ١ الديوان ٢/ ١٦٧ وروايته "ارتكبت" موضع "ركبت"، يقول: أنت في كل أمر تفعله فرد لا يقدر أحد أن يتبعك فيه، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يتبعه، ولا أن يكون رديفًا له.
[ ١ / ٢١٤ ]
وفلان، فإنك ترى أكثر المسجوع منه كذلك، والأقلّ منه على ما أشرت إليه.
ولقد تصفَّحت المقامات الحريرية والخطب النباتيّة، على غرام الناس بهما، وإكبابهم عليهما، فوجدت الأكثر من السجع فيهما على الأسلوب الذي أنكرته.
فالكلام المسجوع إذًا يحتاج إلى أربع شرائط:
الأولى: اختيار مفردات الألفاظ على الوجه الذي أشرت إليه فيما تقدَّم.
الثانية: اختيار التركيب على الوجه الذي أشرت إليه أيضًا فيما تقدَّم.
الثالثة: أن يكون اللفظ في الكلام المسجوع تابعًا للمعنى، لا المعنى تابعًا للفظ.
الرابعة: أن تكون كل واحدة من الفقرتين المسجوعتين دالَّة على معنى غير المعنى الذي دلَّت عليه أختها.
فهذه أربع شرائط لا بُدَّ منها.
وسأورد ههنا من كلامي أمثلة يُحْذَى حذوها، فإنِّي لما سلكت هذه الطريق، وأتيت بكلامي مسجوعًا توخَّيت أن تكون كل سجعة منه مختصَّة بمعنى غير المعنى الذي تضمنته أختها، ولم أخل بذلك في مكاتباتي كلها، وإذا تأمَّلتها علمت صحة ما قد ذكرته.
فمن ذلك ما كتبته في صدر كتاب عن بعض الملوك إلى دار الخلافة وهو:
الخادم واقف موقف راجٍ هائب، لازم بكتابه هذا وقار حاضرٍ عن شخص غائب، موجِّه وجهه إلى ذلك الجناب الذي تُقْسَمُ فيه أرزاق العباد، ويتأدب به الزمان تأدب ذوي الاستعباد، وتستمد الملوك من خدمته شرف الجدود، كما تستغني بنسبتها إليه عن شرف الأجداد، ولو ملك الخادم نفسه لقصرها على خدمة قصره، وأحظاها من النظر إليه ببرد العيش الذي عمرها محسوبٌ من عمره، وهذا القول يقوله وكل ما جدَّ فيه حاسد، وبتأميله راكع ساجد، والديوان العزيز محسود الاقتراب، وهو موطن الرغبات الذي الاغتراب إليه ليس بالاغتراب، وما ينافس في القرب من أبوابه
[ ١ / ٢١٥ ]
الكريمة إلا ذَوُو الهمم الكريمة، وقد ودَّت الكواكب بأسرها أن تكون له منادمةً فضلًا عن ندماني جذيمة"١.
ومن ذلك ما كتبته من كتابٍ يتضمَّن العناية ببعض الناس، وهو:
"الكريم من أوجب لسائله حقًّا، وجعل كواذب آماله صدقًا، وكان خرق العطايا منه خلقًا، ولم ير بين ذِمَمِه وبين رحمه فرقًا، وكل ذلك موجود في كرم مولانا أجراه الله من فضله على وتيرة، وجعل هممه على تمام كل نقص قديرة، وأوطأه من كل مجد سريرًا كما بوأه من كل قلب سريرة، ولا زالت يده بالمكارم جديرة، ومن الأيام مجيرة، ولضرائرها من البحار والسحاب معيرة، ولا برحت تستولد عقائم المعاني، وتستجد أبنيتها، حتى يشهد الناس منها في كل يوم عقيقة أو وكيرة٢، ومن صفات كرمه أنه يسبك الأموال مآثر، ويتَّخذها عند السؤال ذخائر، فهي تفنى لديهم بالإنفاق، وذكرها على مرور الأيام باق، ومن أربح منه صفقةً وقد باع صامتًا بناطق، وما هو معرض لحوادث السرقات بما لا تصل إليه يد سارق، ومثله من عرف الدنيا فرغب عن اقتنائها، وجدَّ في ابتناء المحامد بهدم بنائها، وعلم أن مالها ليس عن الضنين به إلّا أحجارًا، وأنَّ غناه منها لا يزيده إلّا افتقارًا، فهو لماله عبدٌ يخدمه ولا يستخدمه، وأم ترضعه بسعيها ولا تفطمه":
_________________
(١) ١ نديما جذيمة، يضرب بهما المثل في طول الصحبة، كما يضرب بالفرقدين وابني شمام -جبلان في ديار بني تميم- وتخلتى حلوان، وكان جذيمة الوضَّاح الملك لا ينادم أحدًا ذهابًا بنفسه، وكان يقول: أنا أعظم من أن أنادم أحدًا إلا الفرقدين، وكان يشرب كأسًا، ويصب لكل منهما كأسًا. فلما أتاه مالك وعقيل بابن أخته عمرو، صاحب الطوق الذي استهوته الجن، قال لهما: ما حاجتكما؟ قالا: منادمتك! فنادمهما أربعين سنة، كانا يحادثانه، وما أعادا عليه حديثًا قط، حتى فرق بينهما الدهر، وفيهما يقول الشاعر: ألم تعلما أن قد تفرَّق قبلنا نديما صفاء مالك وعقيل ويقول متمم بن نويرة في أخيه مالك وهو من الأمثال السائرة: وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلمَّا تفرقنا كأني ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلة معًا ٢ العقيقة: الشاة التي تذبح عند حلق شعر المولود، أو الطعام الذي يدعى إليه حينئذ، والوكيرة: طعام يعمل لفراغ البنيان.
[ ١ / ٢١٦ ]
ومنه ما كتبته في جواب كتابٍ يتضمَّن إباق غلام، وهو أول كتاب ورد من المكتوب عنه إلى المكتوب إليه، فقلت:
"وأمَّا الإشارة الكريمة في أمر الغلام الآبق عن الخدمة فقد يَفِرُّ المهْرُ من عليقه، ويطير الفراش إلى حريقه، وغير بعيد أن ينبو به مضجعه، أو يكبو به مطمعه، فيرجع وقد حمد رجوعه ما ذمَّه من ذهابه، وعلم أن الغنيمة كل الغنيمة في إيابه، فما كل شجرة تحلو لذائقها، ولا كل دارٍ ترحِّب بطارقها، ومن أبق من مولاه مغاضبًا، وجانب محل إحسانه الذي لم يكن مجانبًا، فإنَّه يجد من مفارقة الإحسان، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان، وهل أضلَّ سعيًا ممن دفع في صدر العافية، وغدًا يسأل عن الأسقام، وألقى الثروة من يده ومضى في طلب الإعدام، ومع هذا فإن الخادم يشكره على ذنب الإباق الذي أقدم على اجتراحه، وليس ذلك إلّا لأنَّه صار سببًا لافتتاح باب المكاتبة الذي لم يطمع في افتتاحه، ولا جزاءً له عنده إلّا السعي في إعادته إلى الخدمة التي تقلب في إنشائها، وهي أبر به من أمه التي تقلَّب في أحشائها، ومن فضلها أنها تلقاه من حملها بوسيلة الشافع، ومن كرمها بالوجه الضاحك والفضل الواسع".
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الأسجاع جميعها، وأعطها حق النظر حتى تعلم أن كل واحدة منها تختص بمعنى ليس في أختها التي تليها، وكذلك فليكن السجع، وإلّا فلا.
من سجع الصابي:
وسأورد ههنا من كلام الصابي ما ستراه.
فمن ذلك تحميد في كتاب، فقال ١:
"الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بألحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها"٢.
_________________
(١) ١ المختار من رسائل أبي إسحاق الصابي ١/ ١٣. ٢ اختصر ابن الأثير كلامًا كثيرًا، وفي المختار "الفاعل لا عن مادة استمدها، والصانع لا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين إلخ.
[ ١ / ٢١٧ ]
ثم انتهى إلى الصلاة على النبي -ﷺ، فقال: "لم ير للكفر١ أثرًا إلّا طمسه ومحاه، ولا رسمًا إلّا أزاله وعفاه".
ولا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، وكذلك لا فرق بين محو الأثر وعفاء الرسم.
ومن كلامه أيضًا في كتاب وهو ٢:
"وقد علمت٣ أن الدولة العباسية لم تزل على سالف الأيام، ومتعاقب٤ الأعوام، تعتل طورًا وتصح أطوارًا، وتلتاث٥ مرَّة وتستقل مرارًا، من حيث أصلها راسخ لا يتزعزع، وبنيانها ثابت لا يتضعضع".
وهذه الأسجاع كلها متساوية المعاني، فإن الاعتلال والالتياث والطور والمرة والرسوخ والثبات كل ذلك سواء.
وكذلك ورد له في جملة كتابٍ كتبه عن عز الدولة بن بويه جوابًا عن كتاب وصله من الأمير عبد الكريم بن المطيع لله، فقال:
"وصلني كتابه مفتتحًا من الاعتزاء إلى إمارة المؤمنين، والتقلُّد لأمور المسلمين، بما أعراقه الزكية مجوّزة لاستمراره، وأرومته العلية مسوّغةً لاستقراره، له ولكل نجيب أخذ بحظه من نسبه، وضارب بسهم في منصبه؛ إذ كان جاريًا على الأصول المعهودة فيه، والأسباب العاقدة له، من إجماع المؤمنين كافة، فإن تعذر اجتماعهم مع انبساطهم في الأرض، وانتشارهم في الطول والعرض، فلا بُدَّ من اتفاق أشراف كل قطر وأفاضله، وأعيان كل صقع وأماثله".
وهذا الكلام كله متماثل المعاني في أسجاعه، فإنَّ إمارة المؤمنين والتقلُّد لأمور
_________________
(١) ١ المختار ١/ ١٧، وفيه " ولا يرى للكفر أثرًا إلخ". ٢ المختار من رسائل أبي إسحاق الصابي ١/ ٢١٦. ٣ حذف ابن الأثير بعض العبارات، وفي المختار "وقد علمت وعلم غيرك بعيان ما أدركته الأعمار، وسماع ما نقلته الأخبار، أن الدولة العباسية التي رفع الله عماد الحق بها، وخفض منار الباطل.. إلخ. ٤ في الأصل "معاقب"، والصواب عن المختار. ٥ تلتاث: تختلط.
[ ١ / ٢١٨ ]
المسلمين سواءٌ في المعنى، وكذلك الأعراق والأرومة، والتجويز والتسويغ، والأشراف والأفاضل، والأعيان والأماثل، والقطر والصقع، كل ذلك سواء.
وعلى هذا جاء كلامه في كتاب آخر، فقال:
"يسافر رأيه وهو دانٍ لم ينزح، ويسير تدبيره وهو ثاوٍ لم يبرح".
وكلا هذين سواء أيضًا. وما أحسن هذا المعنى لو قال: "يسافر رأيه وهو دانٍ لم يبرح، ويثخن الجراح في عدوِّه وسيفه في الغمد لم يجرح". فإنه لو قال مثل هذا سلم من هُجْنَة التكرار.
وأمثال ذلك في كلام الصابي كثير، وعلى منواله نسج الصاحب بن عباد.
من سجع الصاحب بن عباد:
فمن ذلك ما ذكره في وصف مهزومين، فقال:
"طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم".
وكلا المعنيين سواء.
وكذلك قوله في هذا الكتاب يصف ضيق مجال الحرب:
"مكانٌ ضنك على الفارس والراجل، ضيِّقٌ على الرامح والنابل"١.
ومن كلامه في كتاب وهو:
"لا تتوجَّه همته إلى أعظم مرقوب إلّا طاع ودان، ولا تمتد عزيمته إلى أفخم مطلوب إلّا كان واستكان".
وكل هذا الذي ذكره شيء واحد.
وله من كتاب وهو:
"وصل كتابه جامعًا من الفوائد أشدَّهما للشكر استحقاقًا، وأتمَّها للحمد استغراقًا
_________________
(١) ١ الرامح: ذو الرمح، والنابل: الذي يرمي بالنبل.
[ ١ / ٢١٩ ]
وتعرفت من إحسان الله فيما وفره من سلامته، وهنَّأه من كرامته، أنفس موهوب ومطلوب، وأحمد مرقوب ومخطوب".
وهذا كله متماثل المعاني، متشابه الألفاظ.
وفيما أوردته ههنا مُقْنِع.
فأنعم نظرك أيها الواقف على هذا الكتاب فيما بينته لك، ووضعت يدك عليه، حتى تعلم كيف تأتي بالمعاني في الألفاظ المسجوعة، والله الموفق للصواب.
فإن قيل: إنك اشترطت أن تكون كل واحدة من الفقرتين في الكلام المسجوع دالّةً على معنى غير المعنى الذي دلَّت عليه أختها، وإنما اشترطت هذه الشريطة فرارًا من أن يكون المعنيان شيئًا واحدًا، ونرى قد ورد في القرآن الكريم لفظتان بمعنًى واحد في آخر إحدى الفقرتين المسجوعتين، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ١. وكل رسول نبي؟!.
قلت في الجواب: ليس هذا كالذي اشترطته أنا في اختصاص كل فقرة بمعنى غير المعنى الذي اختصت به أختها، وإنما هذه هو إيراد لفظتين في آخر إحدى الفقرتين بمعنى واحد، وهذا لا بأس به، لمكان طلب السجع.
ألا ترى أن أكثر هذه السورة التي هي مريم -﵍- مسجوعة على حرف الياء، وهذا يجوز لصاحب السجع أن يأتي به، وهو بخلاف ما ذكرته أنا؟
ألا ترى أن النبي -ﷺ- قد غيَّر اللفظة عن وضعها طلبًا للسجع، فقال: "مأزورات" وإنما هي "موزورات"؟، وقال: "العين اللامَّة"، وإنما هي "الملمة"؟ إلّا أنه ليس في ذلك زيادة معنى، بل يفهم من لفظة "مأزورات" أنها "موزورات"، وكذلك يفهم من لفظة "لامَّة" أنها بمعنى "ملمة".
فالسجع قد أجيز معه تغيير وضع اللفظة، وأجيز معه أن يورد لفظتان بمعنى واحد في آخر إحدى الفقرتين، ومع هذا فلم يجَز في استعماله أن يورد فقرتان بمعنى واحد؛ لأنه تطويل محض لا فائدة فيه.
_________________
(١) ١ سورة مريم: الآية ٥٤.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وبين الذي ذكرته أنت وبين الذي ذكرته أنا فرق ظاهر.
والذي قدمته من الأمثلة المسجوعة للصابي والصاحب ابن عبَّاد ربما كانت يسيرة أتَّهَم فيها بالتعصب، ويقال: إني التقطتها التقاطًا من جملة رسائلهما!
وقد خرجت من عهدة هذه التهمة، وذاك أنِّي وجدت للصابي تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين ببغداد، وكنت أنشأت تقليدًا بنقابة الأشراف العلويين بالموصل، وقد أوردت التقليدين ههنا، ليتأملهما الناظر في كتابي هذا، ويحكم بينهما إن كان عارفًا، أو يسأل عنهما العارف إن كان مقلدًا.
تقليد الصابي:
وقد أوردت تقليد الصابي أولًا؛ لأنه المقدَّم زمانًا وفضلًا، وهو:
"هذا ما عهد أمير المؤمنين إلى محمد بن الحسين بن موسى العلوي، الموسوي، حين وصلته به الأنساب، وتأكدت له الأسباب، وظهرت دلائل عقله ولبابته، ووضحت مخايل فضله ونجابته، ومهَّد له بهاء الدولة وضياء الملة أبو نصر بن عضد الدولة وتاج الملة، مولى أمير المؤمنين ما مكَّن له عند أمير المؤمنين من المحل المكين، ووصفه به من الحلم الرزين، وأشاد به فيه من رفع المنزلة، وتقديم المرتبة، والتأهيل لولاية الأعمال، والحمل للأعباء الثقال، وحيث رغَّبه فيه سابقه الحسين أبيه، في الخدمة والنصيحة، والمواقف المحمودة، والمقامات المشهودة، التي طابت بها أخباره، وحسنت فيها آثاره، وكان محمد متخلقًا بخلائقه، وذاهبًا في طرائقه، علمًا وديانة، وورعًا وصيانة، وعفَّة وأمانة، وشهامة وصرامة، بالحظ الجزيل، من الفضل الجميل، والأدب الجزل، والتوجه في الأهل، والإيفاء بالمناقب على لداته وأترابه، والإبرار على قرائبه وأضرابه، فقلَّده ما كان داخلًا في أعمال أبيه من نقابة نقباء الطالبين أجمعين، بمدينة السلام وسائر الأعمال والأمصار شرقًا وغربًا، وبعدًا وقربًا، واختَّصه ذلك جذبًا بصنعه، وإنافة بقدره، وقضاء لحق رحمه، وترفيهًا لأبيه، وإسعافًا بإيثاره فيه أمير المؤمنين، واستخلافه عليه من النظر في المظالم، وتسيير الحجيج في المواسم، والله يُعْقِب أمير المؤمنين فيما أمر ودبَّر حُسْنَ
[ ١ / ٢٢١ ]
العاقبة فيما قضى وأمضى، وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكل وإليه ينيب.
وأمره بتقوى الله التي هي شعار المؤمنين، وسناء الصالحين، وعصمة عباد الله أجمعين، وأن يعتقدها سرًّا وجهرًا، ويعتمدها قولًا وفعلًا، ويأخذ بها ويعطي، ويسر بها وينوي، ويأتي ويذر، ويورد ويصدر، فإنها السبب المتين، والمعقل الحصين، والزاد النافع يوم الحساب، والمسلك المفضي إلى دار الثواب، وقد حض الله أولياءه عليها، وهداهم في محكم كتابه إليها، فقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ١.
وأمره بتلاوة كتاب الله مواظبًا، وتصفُّحه مدوامًا ملازمًا، والرجوع إلى أحكامه فيما أحلَّ وحرم، ونقض وأبرم، وأثاب وعاقب، وباعد وقارب، فقد صحَّح الله برهانه وحجته، وأوضح منهاجه ومحجته، وجعله نجمًا في الظلمات طالعًا، ونورًا في المشكلات ساطعًا، فمن أخذ به نجا وسلم، ومن عدل عنه هوى وندم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢.
وأمره بتنزيه نفسه عمَّا تدعو إليه الشبهات، وتطلع إليه التبعات، وأن يضبطها ضبط الحليم، ويكفها كف الحكيم، ويجعل عقله سلطانًا عليها، وتمييزه آمرًا ناهيًا لها، ولا يجعل لها عذرًا إلى صبوة ولا هفوة، ولا يطلق منها عنانًا عند ثورة، لا فورة، فإنها أمَّارة بالسوء، منصَبَّة إلى الغيّ، فمن رفضها نجا، ومن اتبعها هوى، فالحازم متَّهم عند تحرك وطره وأربه، واهتياج غيظه، ولا يدع أن يغضَّها بالشكيم، ويعركها عرك الأديم، ويقودها إلى مصالحها بالخزائم، ويفتقدها من مقارفة المآثم والمحارم، كيما يعزّ بتذليلها وتأديبها، ويجل برياضها وتقويمها، والمفرط تطمح به إذا طمحت، ويجمح معها إذا جمحت، ولا يلبث أن تورده حيث لا يصدر، وتلجئه إلى أن تعتذر، وتقيمه مقام النادم الواجم، وتتنكَّب به سبيل الراشد السالم،
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية ١١٩. ٢ سورة فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وأحقُّ من تحلَّى بالمحاسن، وتصدَّى لاكتساب المحامد، من ضرب بمثل سهمه في نسب أمير المؤمنين الشريف، ومنصبه المنيف، واجتمع معه في ذؤابة العترة الطاهرة، واستظلّ بأوراق الدوحة الفاخرة، فذلك الذي تتضاعف به المآثر إن آثرها، والمثالب إن أسف إليها، ولا سيما من كان مندوبًا بالسياسة، ومرشحًا للتقليد على أهله؛ إذ ليس يفي بالصلاح لمن ولي عليه، ولا يفي بإصلاح ما بين جنبيه، ومن أعظم الهجنة عليه أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، قال الله تعالى -جل ذكره: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وأمره أن يتصفَّح أحوال من ولي عليهم من استقراء مذاهبهم، والبحث عن بواطنهم ودخائلهم، وأن يعرف لمن تقدَّمت قدمه منهم، وتظاهر فضله فيهم منزلته، ويوفِّيه حقَّه وزينته، وينتهي في إكرام جماعتهم إلى الحدود التي توجبها أنسابهم وأقدارهم، وتقتضيها مواقعهم وأخطارهم، فإن ذلك يلزمه لشيئين:
أحدهما: يخصُّه، وهو النسب الذي بينه وبينهم.
والآخر: يعمّه والمسلمين جميعًا، وهو قول الله -جل ذكره: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٢ فالمودة لهم الإعظام لأكابرهم، والاشتمال على أصاغرهم، واجب متضاعف الوجوب عليه، متأكد اللزوم له، ومن كان منهم في دون تلك الطبقة من أحداثٍ لم يحتنكوا عليه، وجذعان لم يقرحوا، ومجرين إلى ما يزري بأنسابهم، ويغض من أحسابهم عذلهم، وأنبهم، ونهاهم ووعظهم، فإن نزعوا وأقلعوا فذاك المراد بهم، والمقصد فيهم، وإن أصروا وتتابعوا أنَّا لهم من العقوبة بقدر ما يكف ويردع، فإن نفع وإلّا تجاوزه إلى ما يلذع ويوجع، من غير تطرق لأعراضهم، ولا امتهانٍ لأحسابهم، فإن الغرض منهم الصيانة لا الإهانة، والإدالة لا الإذالة، وإذا وجبت عليهم الحقوق، أو تعلقت بهم دواعي الخصوم، قادهم إلى الإغفاء بما يصح منها ويجب، والخروج إلى سنن الحق فيما يشتبه ويلتبس، ومتى لزمتهم الحدود أقامها عليهم بحسب ما أمره الله تعالى فيها، بعد أن تثبت الجرائم وتصح، وتبين وتتضح، وتتجرد
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٤٤. ٢ سورة الشورى: الآية ٢٢.
[ ١ / ٢٢٣ ]
عن الشك، وتتجلَّى عن الظن والتهمة، فإن الذي يستحبُّ في حدود الله -﷿- أن تدرأ مع نقصان اليقين والصحة، وأن تمضي عليهم مع قيام الدليل والبينة، قال الله -﷿: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وأمره بحياطة أهل النسب الأطهر، والشرف الأفخر، وعن أن يدَّعيه الأدعياء، أو يدخل فيه الدخلاء، ومن انتمى إليه كاذبًا، أو انتحله باطلًا، ولم يوجد له بيت في الشجرة، ولا مصداق عند النسابين المهرة، أوقع به كذبه وفسقه، وشَهَرَهُ شهرةً ينكشف بها غِشَّه ولَبْسَه، وينزع بها غيره ممن تسوِّل له ذلك نفسه.
وأن يحصن الفروج عن مناكحة من ليس كفؤًا لها في شرفها وفخرها، حتى لا يطمع في المرأة الحسيبة النسيبة إلّا من كان مثلًا لها مساويًا، ونظيرًا موازايًا، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢.
وأمره بمراعاة متبتِّلي أهله ومتهجديهم، وصلحائهم ومجاوريهم، وأرملهم وأصاغرهم، حتى تستدَّ الخلة من أحوالهم، وتدرَّ الموارد عليهم، وتتعادل أقساطهم فيما يصل إليهم من وجوه أموالهم، وأن يزوّج الأيامى، ويربي اليتامى، وليلزمهم المكاتب فليتلقنوا القرآن، ويعرفوا فرائض الإسلام والإيمان، ويتأدبوا بالآداب اللائقة بذوي الأحساب، فإن شرف الأعراق محتاج إلى شرف الأخلاق، ولا حمد لمن شرفه حسبه، وسَخُفَ أدبه؛ إذ كان لم يكتسب الفخر الحاصل بفضل سعي، ولا طلب ولا اجتهاد، بل بصنع الله تعالى، ومزيد المنة عليه، وبحسب ذلك لزوم ما يلزمه من شكره سبحانه على هذه العطية، والاعتداد بها من المزية، وإعمال النفس في حيازة الفضائل والمناقب، والترفُّع عن الرذائل والمثالب.
وأمره بإجمال النيابة عن شيخه الحسين بن موسى فيما أمره أمير المؤمنين باستخلافه عليه من النظر، والأخذ للمظلوم من الظالم، وأن يجلس للمترافعين إليه جلوسًا عامًّا، ويتأمَّل كلامهم تأملًا تامًّا، فما كان منها متعلقًا بالحاكم ردَّه إليه، ليحمل الخصوم عليه، وما كان من طريقة الغشم والظلم، والتغلب والغضب، قبض عنه اليد المبطلة، وثبَّتَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٢٢٩. ٢ سورة الأحزاب: الآية ٣٣.
[ ١ / ٢٢٤ ]
فيه اليد المستحقة، وتحرَّى في قضاياه أن تكون موافقة للعدل، ومجانبة للخذل، فإنَّ عادة الحكام وصاحب المظالم واحدة، وهي إقامة الحق ونصرته، وإبانته وإثارته، وإنما يختلف سبيلاهما في النظر؛ إذ كان الحاكم يعمل بما ثبت عنده وظهر، وصاحب المظالم يفحص عمَّا غمض واستتر، وليس له مع ذلك أن يرد للحاكم حكومة، ولا يعلّ له قضية، ولا يتعقَّب ما ينفذه ويمضيه، ولا يتتبع ما يحكم به ويقضيه، والله يهديه ويوفقه، ويسدده ويرشده.
وأمره أن يسير حجيج بيت الله -﷿- إلى مقصدهم، ويحميهم في بدأتهم وعودتهم، ويرتبهم في مسيرهم ومسلكهم، ويرعاهم في ليلهم ونهارهم، حتى لا تنالهم شدة، ولا تصل إليهم مضرَّة، وأن يريحهم في المنازل، ويوردهم المناهل، ويناوب بينهم في النهل والعلل، ويمكنهم من الارتواء والاكتفاء، مجتهدًا في الصيانة لهم، ومعذرًا في الذبِّ عنهم، ومتلوِّمًا على متأخرهم ومتخلفهم، ومنهضًا لضعيفهم ومهيضهم، فإنهم حجاج بيت الله الحرام، وزوَّار قبر رسوله -ﷺ؛ قد هجروا الأهل والأوطان، وفارقوا الجيرة والإخوان، وتجشَّموا المغارم الثقال، وتعسَّفوا السهولة والجبال، يلبون دعاء الله، ويطيعون أمره، ويؤدون فرضه، ويرجون ثوابه، وحقيقٌ على المسلم أن يحرسهم متبرعًا، ويحوطهم متطوعًا، فكيف من تولَّى ذلك وضمنَه، وتقلَّده واعتقبه؟ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١.
وأمره أن يراعي أمور المساجد بمدينة السلام وأطرافها وأقطارها وأكنافها، وأن يجبي أموال وقفها، ويستقصي جميع حقوقها، وأن يلمَّ شعثها، ويسدّ خللها، بما يتحصَّل من هذه الوجوه قبله، لا يزيل رسمًا جرى، ولا ينقض عادة كانت لها، وأن يكتب اسم أمير المؤمنين على ما يعمره منها، ويذكر اسمه بعده بأن عمارتها جرت على يده، وصلاحٌ أدَّاه قول أمير المؤمنين في ذلك، تنويهًا باسمه، وإشادةً لذكره، وأن يولي ذلك من قبله من حسنت أمانته، وظهرت عفته وصيانته، فقد قال الله -جل من قائل: ﴿إِنَّمَا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ٩٧.
[ ١ / ٢٢٥ ]
يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.
وأمره أن يستخلف على ما يرى استخلافه عليه من هذه الأعمال في الأمصار الدانية والنائية، والبلاد القريبة والبعيدة مَنْ يثق به من صلحاء الرجال ذوي الوفاء والاستقلال، وأن يعهد إليهم مثل ما عهد إليه، ويعتمد عليهم مثل ما اعتمد عليه، ويستقصي في ذلك آثارهم، ويتعرَّف أخبارهم، فمن وجده محمودًا قرَّبه، ومن وجده مذمومًا صرفه ولم يمهله، واعتاض من تُرْجَى الأمانة عنده، وتكون الثقة معهودة منه، وأن يختار لكتابته وحجابته، والتصرف فيما قرب منه وبعد عنه من يزينه، ولا يشينه، وينصح له ولا يغشه، ويجمله ولا يهجنه، من الطبقة المعروفة باللطف، المتصوِّنة عن النّطف٢، ويجعل لهم من الأرزاق الكافية، والأجرة الوافية، ما يصدّهم عن المكاسب الذميمة، والمآكل الوخيمة، فليس تجب عليهم الحجة إلّا مع إعطاء الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ ٣.
وأمَرَه أن يكتب لمن تقوم بيِّنَتَه عنده، وتنكشف له حجته إلى أصحاب المعارف بالشد على يده، واتصال حقه إليه، وحسم الطمع الكاذب فيه، وقبض اليد الظالمة عنه؛ إذ هم مندوبون للتصرف بين أمره ونهيه، والوقوف عند رسمه وحده.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته لك وعليك، قد أبان منه سبيلك، وأوضح دليلك، وهداك لرشدك، وجُعِلْتَ على بينة من أمرك، فاعمل به ولا تخالفه، وانته إليه ولا تتجاوزه، وإن عرض لك عارض يعجزك الوفاء به، يشتبه عليك الخروج منه أنهيته إلى أمير المؤمنين مبادرًا، وكنت إلى ما يأمرك به صائرًا، إن شاء الله تعالى".
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية ١٨. ٢ يقال: نطف: أي اتهم بريبة وتلطّخ بعيب وفسد، ويقال: نطف فلانا: فذفه بفجور، أو لطخه بعيب. ٣ سورة النجم: الآيات ٣٩-٤١.
[ ١ / ٢٢٦ ]
التقليد بأسلوب ابن الأثير:
وأمَّا التقليد الذي أنشأتُه أنا فقد أوردته بعد هذا التقليد، وهو:
"أما بعد، فإن كل كلامٍ لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم، وكل كتاب لا يُرْقَم باسمه فليس بمُعْلَم، وعلى هذا فإن حمده يتنَزَّل من الكلام منزلة الرقوم من الثياب، وقد جمعنا في كتابنا هذا بين التسمية والتحميد، وجعلنا أحدهما مفتاحًا للتيمن، والآخر سببًا للمزيد، ثم ردفناهما بالصلاة على سيدنا محمد الذي أيَّده الله بالقرآن المجيد، وجعل شهادته قبل كل شهيد، وعلى آله وصحبه الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد.
ومما يقترن بهذه الصلاة في أثوابها، ويجيء على أعقابها، النظر في أمر الأسرة النبوية التي وصل ودّها بودّه، وجعلها إحدى الثقَلَين المخلفين من بعده١، وقد تقادم الآن زمانها، وتشعَّبت أغصانها، ونسي ما لها في الرقاب من عهدة الأمانة، ولم توضع فيما وضع الله تعالى ورسوله -ﷺ- من المكانة، وأولى الناس بها مَنْ أضمر ولاءها حقًّا، وأوجب أن يردَ معها الحوض حين يقال لوارده: سحقًا، وكان بمن تحت يده منها بارًّا رفيقًا، حتى لا يسأله برًّا ولا رفقًا، ونحن نرجو أن نفوز بفضيلة هذه الحسنة، وأن يسبق إليها سبق المتقرّب في الجمعة ببدنة.
ومن أهمّ أمورها أن يختار لها زعيمٌ يرأف بها رأفة الوالد بولده، ويقوم بأمرها قيام الرأس بجسده، حتى تأتلف أصولها كلها في مغرسها، ولا يحكم عليها من ليس من أنفسها، وقد اخترنا من وفقنا في اختياره، وأخذنا فيه ببيان الرأي وحزمه، لا بشبهة الهوى واغتراره، ولو لم يكن من القوم الذين ولُّوها لكان استحقاقه لها بينًا، والتعويل عليه متعيّنًا، فكيف وقدمه فيها قديمة الميلاد، ووراثته إياها عن سيادة الجدود وسؤدد الأجداد، وهو أنت أيها السيد الشريف الحسيب النسيب: "فلان بن فلان
_________________
(١) ١ روي عن النبي -ﷺ- أنه قال في آخر عمره: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي"، قالوا: وسماها ثقلين إعظامًا لقدرهما، لأن العرب تقول لكل شيء نفيس مصون ثقل، وأصله في بيض النعام الصون، ويقال للسيد العزيز: ثقل.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الحسيني" ولو شئنا لأسندنا هذه النسبة كابرًا عن كابر، ونضدناها آخرًا بعد أوّل عن أوَّل قبل آخر، حتى وصلنا هذا الفرع بشجرته الطيبة، وهذا القطر بسحابته الصيِّبة، وشرف الأنساب أصدقه ما كان الدهر به شهيدًا، وأجدّه ما كان قديمًا، وأخلقه ما كان جديدًا، وما تولَّى الروح الأمين مدحه قرآنًا أكرم مما تولَّى الشعراء مدحه قصيدًا، ولا فضل للمعتزَى إلى هذا النسب حتى تلحق البنوة بالأبوة، ويضيف درجة الفضيلة إلى محتد النبوة، وحينئذ يقال: ما أقرب الشبه على قدم عهده، وهذا ماء الورد بعد ذهاب ورده.
وأنت ذلك الرجل الذي تردَّد الشرف في مناسبه، تردد القمر في منازله، وزها المجد بمناقبه زَهْوَ الروض في خمائله، فلآلئ حسبك تغنيك عن سؤال مَنْ وما، وتملأ بودك وحمدك قلبًا وفمًا، والحسب ما حفظت أواخره أوائله، وأوضحت الليالي والأيام دلائله، وأقرَّت به الأعداء فما ردَّت فضائله، وهذه هي المآثر التي إذا نظمت غارت الشعراء عليها من الشعر، وإذا نُثِرَت وُجِدَت في محكم الذكر، وأنت صاحبها وابن صاحبها، ومن لم يرثها عن أباعدها بل عن أقاربها، ولو جانبت رياستها مصانعًا، ومشيت بها الضراء متواضعًا، لدل عليك وصفها، وعرف منك عرفها. ولو قلَّدْنَاك أمر هذه الأسرة التي هي أسرتك، وأمَّرناك عليها وإمرتها إمرتك، فتولَّها تولي من خفض لها جناحه، وأفاض عليها سماحه، وأنضى فيها غدوَّه ورواحه، حتى يقال: إنك الراعي الذي تناول ثُلَّثَهُ فأراح حسيرها، وجبر كسيرها، وارتاد لها خصبًا، وأوردها رفهًا لا غبًّا، وأذكى في كلاءتها عينًا وقلبًا.
ومن حقِّها عليك أن تنظر إلى ذات شمالها وذات يمينها، وتتصفَّح أحوالها في أمر دنياها ودينها، فأول ذلك أن تعلمها كتاب الله تعالى الذي في تعليمه نهج الصواب، وفي تلاوته مضاعفة حسنات الثواب، وقد مُثِّل قارئه بالبيت العامر، وتاركه بالبيت الخراب، وهو كتاب امتاز عن الكتب بنجوم التنزيل، وتولى الله حفظه من التحريف والتبديل، وافتتحه بالسبع المثاني التي لم ينزل مثلها في التوراة ولا في الإنجيل، وهو الموصوف بأنه النور المستضاء به في غيابة الظلماء، والحبل الممدود من الأرض إلى السماء،
[ ١ / ٢٢٨ ]
والبحر الذي لا يستخرج لؤلؤه ومرجانه إلّا الراسخون من العلماء.
وكذلك فخذ هذه الأسرة بتعليم الفضائل التي تتفاوت بها القيم، وسُسْهَا برياضة الآداب وتهذيب الشيم، ولا تتركها فوضى لا يتَّسم أحدها بسمة القدر المنيف، ولا يرجع إلى حسب تليد ولا إلى سعي طريف، وتكون غاية ما عنده من الفضيلة أن يقال: فلان الشريف.
ومن حفظ رسول الله -ﷺ- فيها أن تُوفيَ فضل مكانها، وتُخَالِفَ بين شأن غيرها من المسلمين وبين شأنها، فلا تبتذل بمجالس الولاة في انتزاع ظلامة، ولا في إقامة حدٍّ يسلب معه رداء الكرامة، وأنت تتولى ذلك منها، وجب عليها من حقٍّ فخذها باقتضائه، وأمض فيها حكم الله الذي أمر بإمضائه، وليكن ذلك على وجه الرفق الذي يُسْلِس له القياد، ويتوطَّأ له المهاد، وإن أمكنك افتداء شيء من هذه الظلامات التي تتوجّه عليها ففاد، وقد أتمَّ الله فضلها بمنع كرائمها إلّا من كفء لا دناءة في عنصره، ولا غضاضة في مخبره، وهو الذي إن فاته شرف النبوة في مغرسه، فلم يفته شرف النباهة في معشره، وإذا تباينت الأقدار فلا فرق بين المناكح المخطوبة، وبين الأسلاب المسلوبة.
فاحفظ لأسرتك حرمة هذه المنزلة، واجعلها في كتاب الوصايا التي وصيت بها مكان البسملة.
وكما أمرناك بالنظر في صون أقدارها، فكذلك نأمرك بالنظر في حفظ مادة درهمها ودينارها، وقد علمت أن لها أوقافًا وقفها قوم فحظوا بأجرها واسمها، وستحظى أنت بالعدل في قسمها، فأجر على كلٍّ منها رزقه، وأعط كل ذي حقٍّ حقه.
وفي الناس طائفة أدعياء يرومون إلحاق الرأس بالذنب، والنبع بالغرب١، ويلحقون أبًا لغير ابن، وابنًا لغير أب، كل ذلك رغبة في سحتٍ٢ يأكلونه، لا في
_________________
(١) ١ النبع: شجر للقسي وللسهام، ينبت في قلة الجبل، والنابت منه في السفح الشريان، وفي الحضيض الشوحط، ويقال: أصابه سهم غرب، أي: لا يدري راميه. ٢ السحت: هو كل حرام قبيح الذكر، أو ما خبُث من المكاسب وحرم، فلزم عنه العار.
[ ١ / ٢٢٩ ]
نسبٍ يوصلونه، فنَقِّبْ عن حال هؤلاء تنقيبًا، واجعل النسيب نسيبًا، والغريب غريبًا، حتى تخلص السلالة من طراقها، ويبقى الشجرة على أعراقها، ومن علمت كذبه فازجره بأليم الازدجار، وأعلمه بأنه قد تبوأ مقعده من النار، واشهره في الناس حتى ينتهي وينتهيَ غيره بذلك الاشتهار.
وههنا وصيةٌ هي أهم من هذه الوصية أمرًا، وأعظم أجرًا، وأجدر بأن تكون هي الأولى، وتكون هذه الأخرى، وهي الأخذ على ألسنة السفهاء من الخوض فيما شجر بين آل النبي -ﷺ- وأصحابه، وإظهار العصبية التي تزحزح الحق عن نصابه، وترجعه على أعقابه، وليس مستندها إلّا مغالاة ذوي الجهل، وربما نشأ منها فتنة، والفتنة أشد من القتل، فوكِّل بهؤلاء غربًا قاطعًا، ونهيًا قامعًا، وكن في ذلك شارعًا لما كان الله شارعًا، فأولئك السادات هم النجوم الذين بأيهم كان الاقتداء كان به الاهتداء، وقصارى المحسن في هذا الزمان أن يتعلّق منها سببًا، ويأخذ عنهم دينًا وأدبًا، ولا يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه١، ولو أنفق مثل أحد ذهبًا.
ونحن نعلم أنك واقف على سنن اقتصادك، وأنَّ هذه الوصية هي محض اعتقادك، والمنصف في هذا المقام من رمقه بنظر جليّ، ووفَّى أبا بكر وعمر -﵄- حقهما، وإن كان من نسل علي، فكلٌّ قد ذكره رسول الله -ﷺ- بفضله، وهؤلاء من صحابته وهذا من أهله، ونعوذ بالله من الأهواء الزائغة، والأقوال التي ليست بسائغة، ولا حجَّة إلّا بالحق، ولله الحجة البالغة.
وقد جعلنا لك في مالنا عطاءً دارًّا تستعين به على لوازم النفقات، وتخرج نافلته في وقاية عرضك التي هي محسوبة من الصدقات، فإنَّ من ساد قومًا يفتقر إلى تحمُّل أثقالهم، والإفاضة من حاله على أحوالهم، وهذا برٌّ يكون منا أصله ومنك فرعه، وثواب يكون لك قصده ولنا شرعه، وصاحب الإحسان من سنَّ سبيل الإحسان، ولم نرض أن أريناك مكانه حتى أمددناك فيه بالإمكان، فأعط مالنا، وتعلَّم من سنة إفضالنا، ولدولتنا بذلك ثوب جمال كلما لُبِسَ زاد جدَّةً، وعُمْرُ ذكر كلَّما مضت عليه
_________________
(١) ١ المد: المدى، يقال: قدر مَدّ البصر، أي: مداه، والنصيف هو النصف، أحد شقي الشيء.
[ ١ / ٢٣٠ ]
مدد الأيام طال مدة، ولا مُلْكَ في الدنيا لمن لم يجعل ملكَه حديثًا حسنًا، ويشتري المحامد فيجعله لها ثمنًا، ومن عَرَفَ قدر الثناء جدَّ في تحصيله، ولو أنفق الكثير في قليله، فكم مِنْ دولة أُعْدِمَتْ منه فدرست آثار معالمها، ولو كانت منه مثرية لما ذهبت مع بقاء مكارمها".
وإذ ذكرنا هذا فلنختمه بما يكون قلادةً لصاحب هذا التَّقليد، وهو أن نجرِّد العناية بوجاهته، حتى يلبس تقدمًا بذلك التجريد، وفحوى ذلك أن يعلم الناس ما له في الدولة من منزلة الكرامة، ويعرفوا أنه فيها ابن جلا١، غير محتاجٍ إلى وضع العمامة، ونحن نأمر نوَّابنا وولاتنا وأصحابنا أن يوفوه حقَّ أبوته الشريفة، وفضيلته التي ردفتها فأضحت وهي لها رَدِيفة، وأن يعطوه ما شاء من إعلاء شأنه، ويمضوا فعل يده وقول لسانه، إن شاء الله تعالى.
وقد وجدت للصابي أيضًا تقليدًا أنشأه لفخر الدَّولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي بن بُويَه، عن الخليفة الطائع -﵀، وهو مثبت ههنا على صورته، وكان عرض علي تقليد كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، من الخليفة المستضيء بالله -﵀- في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فوجدت فيه كلامًا نازلًا بالمرة، وسألني بعض الإخوان بمدينة دمشق أن أعارضه، فعارضته بتقليد في معناه، وهو مثبت أيضًا، وكلا التقليدين باسم ملك كبير، وفيهما يظهر ما يظهر من فصاحة وبلاغة.
تقليد آخر للصابي:
فأما التقليد الذي أنشأه الصابي فهو:
هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم الطائع لله أمير المؤمنين إلى فخر الدولة أبي الحسن بن ركن الدولة أبي علي مولى أمير المؤمنين، حين عرف غناه وبلاه، واستصح
_________________
(١) ١ ابن جلا: الواضح الأمر، وفي خطبة الحجاج المشهورة في أهل العراق: أنا ابن جلا وطلاع النقايا متى أضع العمامة تعرفوني
[ ١ / ٢٣١ ]
دينه ويقينه، ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره، وأثنى عز الدولة أبو منصور بن معز الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين عليه، وأشار بالمزيد في الصنيعة إليه، وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كل مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرضٍ رمى إليه من النصيحة، دخولًا في زمرة الأولياء المنصورة، وخروجًا عن جماعة الأعداء المدحورة، وتصرفًا على موجبات البيعة التي هي بعزِّ الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر ما يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة، فقلَّده الصلاة وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والأعشار والضياع والجهبذة١ والصدقات والجوالي٢، وسائر وجوه الجبايات والعرض والعطاء، والنفقة في الأولياء، والمظالم وأسواق الرقيق، والعيار في دور الضرب والطراز والحسبة بكور همذان، واستراباذ، والدينور، وقرميسين، والإيعارين، وأعمال أذربيجان، وأرَّان، والسحانين، وموقان٣، واثقًا منه باستقبال النعمة واستدامتها، والاستزادة بالشكر منها٤، والتجنب لغمطها وجحودها، والتنكب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمّد لما يمكن له الحظوة والزلفى، ويحرس عليه الأثرة والقربى، بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء الصريح، والغيب الأمين، والصدر السليم، والمقاطعة لكلِّ من قطع العصمة، وفارق الجملة، والمواصلة لكلِّ من حَمَى البيضة، وأخلص النية، والكون تحت ظلِّ أمير المؤمنين وذمته، ومع عز الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله -جلَّ اسمه- يعرف لأمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيمن رفع وخفض، ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد الندامة، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنة الحصينة، والطود الأرفع، والمعاذ
_________________
(١) ١ الجهبذة: الخبرة، والجهبذ: هو التناد الخبير. ٢ الحوالي: جمع جالية، وهي جزية أهل الذمة، وأصلها أن الإمام عمر -﵁- جلى أهل الذمة عن جزيرة العرب، فسمّوا جالية، ثم لزمهم هذا الاسم أين حلوا، وأطلق على الجزية المأخوذة منهم. ٣ الذي في المختار ٩٩ "بكور همذان واستراباذ والدينور وقرماسين والأيعارين وأعمال أذربيجان والسحانين وموقان". ٤ الذي في المختار "واثقًا منه باستبقاء النعمة واستدامتها، والاستدامة بالشكر منها".
[ ١ / ٢٣٢ ]
الأمنع، والجانب الأعزُّ، والملجأ الأحرز، وأن يستشعرها سرًّا وجهرًا، ويستعملها قولًا وفعلًا، ويتخذها ذخرًا دافعًا لنوائب القدر، وكهفًا حاميًا من حوادث الغِيَر، فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذرائع، وأعودها على العبد بمصالحه، وأدعاها إلى كل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنجاة من غوايته، والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتزدي مردياتها، وفي آخرته حين تروع رائعاتها، وتخيف مخيفاتها. وأن يتأدَّب بأدب الله في التواضع والإخبات والسكينة، وصدق اللهجة إذا نطق، وغضّ الطرف إذا رمق، وكظم الغيظ إذا أُحْفِظَ، وضبط اللسان إذا أُغْضِبَ، وكَفّ اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم.
وأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه، ويعلم أنه مسئول عمَّا اكتسب، مجزي عمَّا تزمل واحتقب١، ويتزوّد من هذا الممرِّ لذلك المقرّ، ويستكثر من أعمال البِرِّ لتنفعه، ومن مساعي الخير لتنقذه، ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها، ويزدجر عن السيئات قبل أن يزجر عنها، ويبتدئ بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيته، فلا يبعثهم على ما يأتي ضده، ولا ينهاهم عمَّا يقترف مثله، ويجعل ربه رقيبًا عليه في خلواته ومروأته، مانعة له من شهواته، فإن أحقَّ من غلب سلطان الشهوة، وأولى من ضرع لغذاء الحمية، من ملك أزمَّة الأمور، واقتدر على سياسة الجمهور، وكان مطاعًا فيما يرى، متَّبَعًا فيما يشا، يلي على الناس ولا يلون عليه، ويقتَص منهم ولا يقتصون منه، فإذا اطَّلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حُمِّلَه وجعل له مخلصًا من الشبهة، ومخرجًا من الحيرة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ٢، وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ
_________________
(١) ١ احتقب: ارتكب. ٢ سورة الطلاق: الآية ٣. ٣ سورة آل عمران: الآية ١٠٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الصَّادِقِينَ﴾ ١ إلى آي كثيرة حضَّنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطرق، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منها من بعث عليها وهو صادفٌ عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى -جلَّ ذكره: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وأمره أن يتخذ كتاب الله إمامًا متبعًا، وطريقًا متوقعًا، ويكثر من تلاوته إذا خلا بذكره، ويملأ بتأميله أرجاء صدره، فيذهب معه فيما أباح وحظر، ويقتدي به إذا نهى وأمر، ويستبين ببيناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمَّ عليه في المشكلات، فإنَّه عروة الإسلام الوثقى، ومحجته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظُلَم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلَّ، والمتلافي لمن زلَّ، فمن نجا به فقد فاز وسلم، ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.
وأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات، قائمًا على حدودها، متبعًا لرسومها، جامعًا فيها بين نيته ولفظه، متوقيًا لمطامح سهوه ولحظه، منقطعًا إليها عن كل قاطع لها، مشغولًا بها عن كل شاغلٍ عنها، متثبتًا في ركوعها وسجودها، مستوفيًا عدد مفروضها ومسنونها، موفِّرًا عليها ذهنه، صارفًا إليها همَّه، عالمًا بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ومثيبه، لا تُسْتَرُ دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم، أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، ويُسْتَمَع باستماعها، لا يتعدَّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، من استصفاحٍ واستغفارٍ، واستقالةٍ واسترحام، واستدعاء
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية ١١٩. ٢ سورة البقرة: الآية ٤٤. ٣ سورة فصلت: الآيتان ٤١، ٤٢.
[ ١ / ٢٣٤ ]
لمصالح الدين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ٢.
وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصليات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القُوَّام والمؤذنين والمكبِّرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضِّهم عليها، آخذين الأُهْبَة، متنظِّفين في البِزَّة، مؤدين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين خشية الله وخيفته، مدَّرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه -﷿- وسؤاله، مصلين على محمد -ﷺ- وعلى آله، بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة، فإن هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضَّلَها، ومناسكه التي شرَّفَها، وفيها يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائدون، ويتعبَّد المتعبِّدون، ويتهجد المتهجدون، وحقيقٌ على المسلمين أجمعين من والٍ ومولَى عليه أن يصونها ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها، قال الله تعالى في هذه الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٣، وقال في عمارة المساجد: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٤.
وأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومَوَاليه، ويطلق لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يُحْسِنَ في معاملتهم، ويجمل في
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية ١٠٣. ٢ سورة العنكبوت: الآية ٤٥. ٣ سورة الجمعة: الآية ٩. ٤ سورة التوبة: الآية ١٨.
[ ١ / ٢٣٥ ]
استخدامهم، ويتصرَّف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، مثيبًا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسَلِمَ معها من دواعي الأشر، ومتغمِّدًا لمسيئهم ما كان التغمُّد له نافعًا، وفيه ناجعًا، فإن تكرَّرت زلَّاته، وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحًا، ولغيره واعظًا، وأن يختصَّ أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في المُلِمِّ، والاطِّلاع على بعض المهمّ، مستخلصًا مخايل صدورهم بالبسط والإدناء، ومستشحذًا بصائرهم بالإكرام والاحتباء، فإنَّ في مشاورة هذه الطبقة استدلالًا على مواقع الصواب، وتحرُّزًا عن غلط الاستبداد، وأخذًا بمجامع الحزامة، وأمنًا من مفارقة الاستقامة، وقد حضَّ الله -﷿- على الشورى حيث قال لرسوله -ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١.
وأمره بأن يصمد بما يتَّصل بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ويقسِمَ لها قسمًا وافرًا من عنايته، ويصرف إليها طرفًا بل شطرًا من رعايته، ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب، واكتسب دربه بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، وأن يستظهر بكشف عدَدَهِم، واعتبار عُدَدِهم، وانتخاب خَيْلِهم، واستجادة أسلحتهم، غير مُجَمِّرٍ٢ بعثًا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجَّهه، بل يناوب بين رجاله مناوبةً تريحهم ولا تمدهم، وترفههم ولا تئودهم، فإن في ذلك من فائدة الإجمام، والعدل في الاستخدام زينًا، فليسوِّ بين رجال النّوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر، وبُعْدِ الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحقّ أن يكون الولاة به عاملين، وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم، مواعيد الله تعالى لمن صبر ورابط، وسامح بالنفس، من حيث لا يقدمون على تورّط غرة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ١٥٩. ٢ التجمير: حبس الجيش في أرض العدو.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأن يريح العَمَلَةَ فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها، وبناء حصونها ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلُوفة فيها للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها.
وأن يبذل أمانة لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمَّةً، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال -﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ١ ونهى عن النكث، فقال عز من قائل: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ٢.
وأمره أن يعرض مَنْ في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبًا أقرَّه، ومن كان إطلاقه سائغًا أطلقه، وأن ينظر في الشرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدَّم إليهم بقمع الجهال، وردع الضلال، وتتبُّع الأشرار، وطلب الزُّعار٣، مستدلين على أماكنهم، متوغِّلين إلى مكامنهم، متولجِّين عليهم في مظانِّهم، متوثِّقين ممن يجدونه منهم، منفِّذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها٤، ومهجةٍ إن أفاظوها واستهلكوها، وحرمةٍ إن استباحوها وانتهكوها، فمن استحق حدًّا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه، غير مخففين منه، وأحلُّوه به غير مقصرين عنه، بعد ألّا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة، فإنَّ الواجب في الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخَّاه رعاة الرعايا فيها ألا يقدِموا عليها مع نقصان، ولا يتوقَّفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب عليه القتل احتاط بما يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته
_________________
(١) ١ سورة المائدة: الآية ١. ٢ سورة الفتح: الآية ١٠. ٣ الزعار: ذو الشراسة وسوء الخلق. ٤ احتقبوها: ارتكبوها.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وثبوتها بإقرارٍ يكون منه، أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه، فإنَّ أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهَد إلا ما أحاط به علمًا، وأتقنه فهمًا، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شكّ، ولا يشوبها ريب.
ومن ألَمَّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم يتقدَّم له أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذَّره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاصٍ منه، وجزاء له، فإن عاد تناوَلَه من التقويم والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفَى بما قدَّم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١.
وأمره أن يعطِّل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح والمناكير، ويمنع من يجمع من أهل الخنا فيها، ويؤلّف شملها بها، فإنه شملٌ يصلحه التشتيت، وجمعٌ يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، والمطارح الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، وإهمال المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا معشر المؤمنين: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢، ويقول عز من قائل لغيرنا من المذمومين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ٣.
وأمره أن يولِّي الحماية في هذه الأعمال أهل الكفاية والعناية من الرجال، وأن يضمَّ إليهم كل مَنْ خفَّ ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتبًا لهم في المسالح٤، وسادًّا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقُّظ، ويأخذهم بالتحفُّظ، ويزيح عللهم في علوفة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ٢٢٩. ٢ سورة آل عمران: الآية ١١٠. ٣ سورة مريم: الآية ٥٩. ٤ المسالح: الثغور، واحدها مسلحة، والمرقب يكون فيه أرصاد يرقبون لئلَّا يطرقهم على غفلة.
[ ١ / ٢٣٨ ]
خيلهم، والمقرَّر من أزْوَادهم، ومَيْرِهم، حتى لا تنقل لهم على البلاد وطاءة، ولا يدعوهم إلى تحنّقهم وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة، ويُبَذرقوا١ القوافل صادرة وواردة، ويحرسوا الطريق ليلًا ونهارًا، ويتقَصَّوها رواحًا وغدوًّا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمَّنوا لهم بكل واد، ويتفرَّقوا عليهم حيث يكون التفرق لفضائهم، ومؤديًا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئًا لجمرتهم، وصادعًا لمروتهم، ولا يخلو هذه السبيل من حماة لها، وسيَّارة فيها، يتردَّدون في جوادها، ويتعسَّفون في عواديها، حتَّى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل في أيديهم من لصٍّ خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم، امتثل في أمره أمر أمير المؤمنين، الموافق لقول الله -﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وأمره بوضع الرَّصد على مَنْ يجتاز في أعماله من أُبَّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي استطرقوها، ومواليهم الذين أبقوا٣ منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردُّوهم عليهم قهرًا، ويعيدوهم إليهم صغرًا، وأن ينشد الضالَّة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربِّها بما جاز أن تحفظ، ويتجنَّبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، وألبان ما يجزّ ويُحْلَبُ، وأن يعرفوا اللقطة، ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خيرها، فإذا حضر صاحبها وعلمَ أنه مستوجبها سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ٤، ويقول رسول الله -ﷺ:$"ضالَّة المؤمن حرق النار"٥.
_________________
(١) ١ يبذرقوا: البذرقة: الخفارة، فارسية معرَّبة، معناها: والمبذوق الخفير. ٢ سورة المائدة: الآية ٣٣. ٣ في الأصل "أنفوا"، والصواب عن المختار ١٠٨. ٤ سورة النساء: الآية ٥٨. ٥ قاله النبي -ﷺ- لمن سأله عن ضوالِّ الإبل، فنهاه عن أخذها، وحذَّره النار إن تعرض لها.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وأمره أن يوصي عمَّاله بالشدِّ على يد الحكَّام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام، وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقَّرين لها، الذَّابين عنها، المقيمين لرسوم الهيبة، وحدود الطواعية فيها؛ ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف، وحلم سخيف، نالوه بما يردعه، وأحلّوا به ما يَزَعَه١، ومتى تقاعس متقاعسٌ عن حضورٍ مع خصمٍ يستدعيه بأمرٍ يوجبه الحكم إليه فيه٢، أو التوى ملتوٍ بحقٍّ يحصل عليه، ودين يستقر في ذمَّته، قادوه إلى ذلك بأزمَّة الصغار، وخزائم٣ الاضطرار، وأن يُحْبَسُوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبِّتوا الأيدي في الأملاك والفروج، وينزعوا بقضاياهم، فإنهم أمناء الله في فصل ما يقضون، وبثّ ما يبثون٤، وعن كتابه وسنة نبيه -ﷺ- يوردون ويصدّون، وقد قال الله -﷿: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٥.
وأن يتوخَّى بمثل هذه المعاملة عمَّال الخراج في استيفاء حقوق ما استعمِلُوا عليه، واستنظاف بقاياهم فيه، والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم، فمن آداب الله تعالى للعبد الذي يحقّ عليه أن يتخذها، ويجعلها للرضا عنه سببًا قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦.
وأمره أن يجلس للرعيِّة جلوسًا عامًّا، وينظر في مظالمها نظرًا تامًّا، يساوي في الحق بين خاصِّها وعامِّها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها، وينصف المظلوم من
_________________
(١) ١ في الأصل "ما ينزعه". ٢ في الأصل "بأمر يوجبه الحكم إليه". ٣ في الأصل "وحزائم" بالحاء المهملة وهو تصحيف، والخزائم جمع خزامة، وأصل الخزامة حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير يشد بها الزمام. ٤ في المختار "ما يفصلون". ٥ سورة ص: الآية ٢٦. ٦ سورة المائدة: الآية ٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمُّل، والبحث والتبيُّن، حتى لا يحكم إلّا بعدل، ولا ينطق إلا بفصل، ولا يثبت يدًا إلّا فيما وجب تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلّا عمَّا وجب قبضها عنه، وأن يُسَهِّلَ الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، والصون والرعاية، ما تتعادل به أقسامهم، وتتوازى منه أقساطهم، ولا يصل الركين منهم إلى استضامة ما تأخَّر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من دون حلَّ دونه، وأن يدعوهم إلى أحسن العادات والخلائق، ويحضهم على أحمد المذاهب والطرائق، ويحمل عنهم كَلَّه، ويمد عليهم ظله، ولا يسومهم عسفًا، ولا يلحق بهم حيفًا، ولا يكلفهم شططًا، ولا يجشمهم مضلعًا، ولا يلثم لهم معيشة، ولا يداخلهم في جريمة١، ولا يأخذ بريئًا بسقيم، ولا حاضرًا بعديم٢، فإن الله -﷿- ينهى أن تزر وازرة وزر أخرى، ويرفع عن هذه الرعية ما عسى أن يكون سنَّ عليها من سُنَّةٍ ظالمة، وسلك بها من محجَّة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، فيما أزلفوه من خيرٍ أو شرٍّ إليها، فيقِرُّ من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح، فإنَّ من غرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن زرع الشر يصلى بممرور ريعه، والله تعالى يقول: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ٣.
وأمره بأن يصون مال الخراج، وأثمان الغلَّات، ووجوه الجبايات موفِّرًا، ويزيد ذلك مثمرًا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرسوم فيها، فإنه مال الله الذي به قوة عباده، وحماية بلاده، ودرور حَلَبِه، واتصال مدَدِه، وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم، ويحمِّي الذمار، ويذاد الأشرار، وأن يجعل افتتاحه إياه بحسب إدراك أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه، غير مستلِّف شيئًا قبلها، ولا مؤخِّرًا لها عنها، وأن يخصَّ أهل الطاعة والسلامة بالترفيه لهم، وأهل
_________________
(١) ١ رواية المختار "ولا يداخلهم في حرفة". ٢ رواية المختار "ولا حاضرًا بغائب". ٣ سورة الأعراف: الآية ٥٨.
[ ١ / ٢٤١ ]
الاستصعاب والامتناع بالتشديد عليهم، لئلَّا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال لطامع، وعلى المتولِّي لذلك أن يضع كلًّا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه، متجنبًا إحلال الغلظة بمن لا يستحقها، وإعطاء الفسحة من ليس أهلها، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ .
وأمره أن يتخيَّر عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصَّدقات والجوالي من أهل الظلف٢ والنزاهة، والضبط والصيانة، والجزالة والشهامة، وأن يستظهر مع ذلك عليهم بوصيةٍ تعيها أسماعهم، وعهود يقلدها أعناقهم، بألّا يضيعوا حقًّا، ولا يأكلوا سحتًا، ولا يستعملوا ظلمًا، ولا يفارقوا غشمًا٣، وأن يقيموا العمارات، ويحتاطوا [على الغلات] ٤، ويحترزوا من إتواء٥ حقٍّ لازم، أو تعطيل رسمٍ عادل، مؤدِّين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين الخيانة، وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره، واستعمال الصحة في قبض ما يقبضوه، وإطلاق ما يطلقون، وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في أخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها، وألا يجمعوا فيها متفرقًا، ولا يفرِّقوا مجتمعًا، ولا يدخلوا فيها خارجًا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس منها، من فحل إبل، وأكولة راع، أو عقيلة مال، فإذا اجتبوها على حقها، واستوفوها على رسمها، أخرجوها في سبيلها، وقسَّموها على أهلها الذين ذكرهم الله -﷿- في كتابه العزيز، إلّا المؤلفة قلوبهم الذين ذكرهم الله -﷿- في كتابه الكريم، وسقط سهمهم٦، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا
_________________
(١) ١ سورة النجم: الآيات ٣٩-٤١. ٢ الظلف: منع النفس وكفِّها عمَّا لا يحسن. ٣ الغشم: الظلم. ٤ زيادة عن المختار. ٥ الإتواء: الإهلاك. ٦ المؤلفة قلوبهم: قوم من سادات العرب أمر الله نبيه في أول الإسلام بتألفهم، أي: بمقاربتهم وإعطائهم ليرغبوا من وراءهم في الإسلام، فلا تحملهم الحميَّة مع ضعف نيَّاتهم أن يكونوا ألبًا مع الكفار على المسلمين، فلمَّا دخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهر أهل دين الله على جميع أهل الملل سقط سهمهم، كما في نص هذا العهد.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وإلى جباة أهل الذمَّة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من كل سنة، بحسب منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال، وعلى الطبقات المطبَّقة فيها، والحدود المعهودة لها، وألّا يأخذوها من النساء ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال، ولا من ذي سنٍّ عالية، ولا ذي علةٍ بادية، ولا فقير معدَم، ولا مترهِّب متبتل.
وأن يراعي جماعة هؤلاء العمال مراعاة يُسِرُّها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها، لئلَّا يزولوا عن الحق الواجب، أو يعدلوا عن السَّنَن اللَّاحب٢، فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ٣.
وأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم، من يعرفه بالثقة في متصرفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف إلى الدنية، والاتِّباع للدناءة، وأن يبعثه على ضبط الرجال، وشيات الخيل، وتحديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق، فمن صحَّ عرضهم، ولم يبق في نفسه شيء منهم من شكٍّ يعرض له، أو ريبة يتوهمها، أطلق أموالهم موفورة، وحصَّلها في أيديهم غير ملثومة، وأن يردَّ على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال، ناسبًا ذلك إلى جهته، موردًا له على حقيقته، وأن يطالب الرِّجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة، على ما توجبه مبالغ أرزاقهم وحسب منازلهم ومراتبهم، فإن أخَّر أحدهم شيئًا من ذلك، قاصه به من رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإن المقصِّر فيه خائن لأمير المؤمنين، ومخالف لرب العالمين، إذ يقول سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية ٦٠. ٢ السنن اللاحب: الطريق الواضح. ٣ سورة الإسراء: الآية ٣٤. ٤ سورة الأنفال: الآية ٦٠.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية، وعلم وكتابة، ومعرفة ورواية، وتجربة وحنكة، وحصافة ومسكة، فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه، وأن يتقدَّم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفُّظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره، والتحرُّز من وقوع تخوّن فيه، أو إهمال له؛ إذ كان ذلك عائدًا بتحصين الفروج، وتطهير الأنساب، وأن يبعدوا عنه أهل الريبة، ويقربوا أهل العفّة، ولا يمضوا بيعًا على شبهة، ولا عقدًا على تهمة.
وإلى ولاة العيار بتخليص عين الدرهم والدينار، ليكونا مضروبين على البراءة من الغش، والنزاهة من المَشِّ١، وبحسب الإمام المقدّر بمدينة السلام، وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي المدغلة٢، وتتناقلها الجهات الظنينة٣، وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ذهبًا وفضة، وإجراء ذلك على الرسم والسنة، وإلى ولاة الطرز٤ أن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتمِّ النيقة، وأسلم الطريقة، وأحكم الصنعة، وأثبت٥ الصحة، وأن يكتبوا اسم أمير المؤمنين على طرز الكسا والفرش، والأعلام والبنود.
وإلى ولاة الحسبة بتصفُّح أحوال العوامِّ في حِرَفِهم ومتاجرهم، ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم، وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل والتكميل، ومن اطَّلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس، أو بخس ما يوفيه، واستفضال فيما يستوفيه، نالوه بغليظ العقوبة وعظمها، وخصوه بوجيعها وألمها، واقفين في ذلك عند الحدِّ الذي يرونه لذنبه مجازيًا، وفي تأديبه كافيًا، فقد قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ المش: هو أخذ المال شيئًَا بعد شيء. ٢ المدغلة: من الدغل وهو الفساد، وفي الأصل "المزغلة" بالزاي. ٣ الظنينة: المتهمة، وفي الأصل "المبنية". ٤ الطرز: الموضع الذي تنسج فيه الثياب الجيدة، والنمط، وثوب ينسج للسلطان. ٥ النيقة: التجويد والمبالغة. ٦ في الأصل "وأفضل" والصواب عن المختار ١١٣.
[ ١ / ٢٤٤ ]
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١.
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليمًا وتفهيمًا، ولم يألك جهدًا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدخِرك ممكنًا فيما أصلح بك وأصلحك، ولا ترك لك عذرًا في غلط تغلطه، ولا طريقًا إلى تورُّط تتورَّطه، بإلقائك في الأوامر والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه، مقيمًا لك على منجيات المسالك، صارفًا لك عن مرديات المهالك، مريدًا فيك ما يسلِّمك في دينك ودنياك، يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تحانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأوْلى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزاكي، ومنبتك النامي، وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنه محقِّقًا، ولمخيلته فيك مصدِّقًا، وأن تستزيده بالأثر الجميل قربًا وثوابًا يوم الدين، وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناءً حسنًا من المسلمين.
فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه، واجعل عهده مثالًا تحتذيه، وإمامًا تقتفيه، واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في معونتك، ومهما أشكل عليك من الخطب، أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين [به] منهيًا، وكن إلى ما يرد عليك من جوابه متطلعًا إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التقليد بأسلوب ابن الأثير:
وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا:
"أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكلِّ خطبة قيادًا، ولكل أمر مهادًا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى له زادًا، وحمَّلته عبء الخلافة
_________________
(١) ١ سورة المطففين: الآيات ١-٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فلم يضعف عنه طوقًاو ولم يأل فيه اجتهادًا، وصغَّرت لديه أمر الدنيا، فما تسوَّرت له محرابًا، ولا عرضت عليه جيادًا، وحققت فيه قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ ١. ثم يصلّي على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادًا، وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعًا شدادًا، وتجلَّى له ربه فلم يزغ منه بصرًا ولا أكذب منه فؤادًا، ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقًا وأعوادًا، وورثت النور المتين تلادًا، ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادًا، وخصوصًا عنه العباس المدعو له بأن يحفظ نفسًا وأولادًا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيها خالدة لا تخاف دركًا ولا تخشى نفادًا. وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفًا لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من راسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف المناقب التي كثرت، فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها، ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجلّ السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثًا بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويهًا بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذًا مساعيك التي أهَّلتك لما أهلتك، وفضلتك على الأولياء بما فضلتك، ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرقٌ بين من أمدَّ بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الإمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا: لو أمر بنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد٢.
_________________
(١) ١ سورة القصص: الآية ٨٣. ٢ قال صاحب القاموس: وبرك الغماد -بالكسر ويفتح- موضع باليمن، أووراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها، وطمست على الدَّعوة الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله -ﷺ- من السوارين اللذين أولهما كذابين، فبمصر منهما واحدٌ تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه صنمًا بينهم، ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجلٍ أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد، وجعلت في جيده حبلًا من مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته، فوضع بنية الكعبة اليمانية، وقال: هذا هو ذو الخلصة الثانية١، فأيُّ مقاميك يعترف الإسلام بسبقه؟ أم أيها يقوم بأداء حقه؟
وههنا فليصبح القلم للسيف من الحسَّاد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلّا لأنه أصبح لك صاحبًا، وفخر بك حتى طال فخرًا عمَّا عزَّ جانبًا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيًا لما كان حده قاضبًا.
وقد قلَّدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورًا ونجدًا، وما اشتملت عليه رعية وجندًا، وما انتهت إليه أطرافها برًّا وبحرًا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرًا، وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدَّنة، والمراكز المحصَّنة، مستثنيًا منها ما هو بيد نور الدين إسماعيل بن نور الدين محمود -﵀، وهو "حلب" وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذَّبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلّا من ذلك الجبل، فليكن له منك جارٌ يدنو منه ودادًا، كما دنا أرضًا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضًا.
والذي قدَّمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن
_________________
(١) ١ ذو الخلصة -محركة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم اسمه الخلصة.
[ ١ / ٢٤٧ ]
فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب، وتقول هذه بلاد أنا فتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله، ثم لخليفته من بعده، ولا منَّة للعبد بإسلامه، بل المنة لله بهداية عبده، وكم سلف من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك لتحظى من الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم، وقل: لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارًا، وفي الوسم فخارًا، وتناسب محل قلبك وبصرك، وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبًا وأبصارًا، ومن جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمدِّ يدك العليا لا بضمها إلى الجناح.
وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان، فيقال: إنها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب لها يومًا يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها عيدًا وقل: هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب.
هذا، ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرًا وأنت ناءٍ عن الحضور، وتضن أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك، والضنَّة من شيم الغيور، وهذه المكانة قد عرَّفَتْك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلّا أنَّها لك صاحبة وأنت يوسُفُها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها.
واعلم أنَّك قد قلدت أمرًا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة الملوم، وكثيرًا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمةٌ بأيدي الخصوم، ولا ينجو من ذلك إلّا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي -ﷺ:
[ ١ / ٢٤٨ ]
$"يا أبا ذر، إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولّين مال يتيم" فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثِّل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها، أليس مصيرها إلى الزوال؟ والسعيد إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها -وهي السم- دواء، وقد تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح.
والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولابسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء حظّ على قدر محلك من العناية التي جذبت بصبعك١، ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك، فخذ هذا الأمر الذي تقلَّدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان، وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان.
وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدَّر يومًا منه بعبادة ستين عامًا في الحساب، ولم يأمر به آمِرٌ إلّا زيد قوة في أمره، وتحصَّن به من عدوه ومن دهره، ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن، ومع هذا، فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلّا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن يمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيَّامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها، فلم يجعلوا أمدًا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرًا زادها الله محقًا، وقد استمرَّت عليها العوائد حتى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقًّا، ولولا أنَّ صاحبها أعظم الناس جرمًا لما أغلظ في عقابه، ومثِّلت توبة المرأة الغامدية
_________________
(١) ١ الضبع: العضد كلها، وأوسطها يلحمها، أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه.
[ ١ / ٢٤٩ ]
بمتابه، وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصمًا، ويصبح وهو مطالب بهم ما يعلم وبما لم يُحِطْ به عِلْمًا؟ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنجي على إبطالها، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صورةً منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنَّة سوء سنَّتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجًا مسلوكًا فجرى على مداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق ذرعًا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعًا، واحمد الله تعالى على أن قيَّض للإمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عِدَاك.
وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة، وتفتقر في سياستها إلى أيدٍ متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلّط عليه شاهدًا عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضلَّ الناس شيء كحب المال الذي فُورِقَت من أجله الأديان، وهُجِرَت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرًا ما نرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنتقل منتقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خُدِعَ عمر بن الخطاب -﵁- بالربيع بن زياد، وكذلك أؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر حاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الله الغالبين، وليبدأوا أولًا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونون ممن هدى إلى طريق البرِّ وهو عنه حائد، وانتصب لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلّا بمصباحهم، ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانًا في الاصطحاب، وجيرانًا في الاقتراب، وأعوانًا في توزُّع الحمل الذي يثقل على
[ ١ / ٢٥٠ ]
الرقاب، فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرًا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه كثيرًا، وليست الولاية لمن يستجدّ بها كثرة اللفيف، ويتولَّاها بالوطء العنيف، ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر، فذلك الذي يكون من أصحاب اليمين والذي يُدعى بالحفيظ العليم والقوي الأمين.
ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدِّبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسناتٍ مثبتة في كتابه.
وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأمِّ الولود، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود، وتيقَّظت لنصره العيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطَّاها البلاء.
ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدَّم وتأخر من ذنبه، وتلك هي الصدقة التي فضَّل الله بها بعض عباده لمزية أفضالها، وجعلها سببًا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو يأمرك أن تتفقَّد أحوال الفقراء الذين قُدِرَت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين مسَّتهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقًا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقًا.
وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلّا إعلامًا بأنها من المهم الذي يُسْتَقْبَل ولا يُسْتَدْبَر، ويُسْتَكْثَرُ منه ولا يُسْتكْثُر، وهذا يُعَدُّ من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخًا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن صفاته أنه العمل المحبوُّ بفضل الكرامة، الذي يُنْمَى بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه تُمْتَحَن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو المختص دونها برتبة
[ ١ / ٢٥١ ]
الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبًا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنًا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدوَّ هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينًا وأذنًا، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحًا، أو تطرق أرضه مماسيًا أو مصابحًا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدَّس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجَّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملًا فحميت موارده، أو مستهدمًا فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده، وكثيرًا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده، فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ويكون قتالها لِأَنْ تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كلّ منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار، ومع هذا لا بُدَّ لها من أسطول يكثر عدده، ويقوي مدده، فإنه العدة التي تستعين بها على كشف الغماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليماني، فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار١، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نُظِرَ إلى أشكالها قيل إنها أهِلَّةٌ غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يُغَالَى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمَّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من
_________________
(١) ١ العوم سير الإبل، والمطار سرعة سير الخيل.
[ ١ / ٢٥٢ ]
سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها، ولكن قتلها بخُبْرِه، وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه، وزحمتها مناكبه، وممن يذلّ الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن كان في الساقة١، ففي الساقة، أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه، وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه، واعلم أنه قد أخلَّ من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم، فإن الأيدي قد تداولته بالإجحاف، وخلطت فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل الظلم في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه، وبأسه شر باس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه، ثم نهمله إهمال مضيع، ولا إهمال ناسٍ.
والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدًا أنكالًا وجحيمًا، وطعامًا ذا غصةٍ وعذابًا أليمًا.
فتصفَّح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبَّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها، وابن لك منها مجدًا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: "اللهم أني أشهدك على من قلدته شهادةً تكون عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة
_________________
(١) ١ ساقة الجيش: مؤخرته.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجَّته يوم يسأل عن الحُجَج، ولم يختلج دون رسول الله -ﷺ- على الحوض من يختلج، وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام".
ثناء على الصابي، ومنزلته من فن الكتابة:
وهذا الذي ذكرته في كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على المحك.
ولا شكَّ أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودًا في الزمن القديم، إما لمكان عسره، أو لأنَّه لم ينتبه له.
وكيف أضع من الصابي وعلم الكتابة قد رفعه، وهو إمام هذا الفن والواحد فيه؟ ولقد اعتبرت مكاتباته فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ولو لم يكن له سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه١ إلى سبكتكين٢ عند خروجه عليه، ومجاهرته إياه بالعصيان؛ لاستحق به فضيلة التقدم، كيف وله من السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة؟ لكنه في الإخوانيات مقصِّر وكذلك في كتب التعازي.
وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي: وذاك أن عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر الناظر في هذين التقليدين اللذين أوردتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطًا واستدراكات
_________________
(١) ١ هو أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي، ولي مملكة أبيه يوم موته، وتزوج الإمام الطائع ابنته "شاه زمان" على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان عز الدولة ملكًا سريًّا، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقرنية فيصرعه، وكانت بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى التنازع والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال سنة ٣٦٧هـ فقتل عز الدولة، وحمل رأسه في طست ووضع بين يدي عضد الدولة، فلمَّا رآه وضع منديله على عينيه وبكى -رحمهما الله. ٢ نص الكتاب في المختار من رسائل الصابي ١/ ٢٢٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وأوامر ما بين أصل وفرع، وكلٍّ وجزء، وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في كلام غيره من الكتاب، إلا أنه عبَّر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على العلم خدعة.
ومع هذا فإني أقرُّ للرجل بالتقدُّم، وأشهد له بالفضل.
أقسام السجع:
وإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع، فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره من الكلام على السجع، وقد تقدَّم من ذلك ما تقدَّم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا، وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الفصلان متساويين، لا يزيد أحدهما على الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٢.
ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء، حتى كأنها أفرغت في قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال الذي فيه.
القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول، لا طولًا يخرج به عن الاعتدال خروجًا كثيرًا، فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبًا، فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الضحى: الآيتان ٩، ١٠. ٢ سورة العاديات: الآيات ١-٥. ٣ سورة الفرقان: الآيات ١١-١٣.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ١.
وأمثال هذا في القرآن كثيرة.
ويُسْتَثْنَى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فِقَرٍ، فإن الفقرتين الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة، فينبغي أن تكون طويلة طولًا يزيد عليهما، فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات، تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشر.
مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: "الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة حالف، وإذا بلَّغته أُذُنُه وشايةً أقام عليها حدَّ سارقٍ أو قاذفٍ".
فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات؛ لأن الأولى: "لم يعتض عنك بخالف"، والثانية "ولم يعاملك معاملة حالف"، وجاءت الثالثة عشر لفظات، وهكذا ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل.
وإن زادت الأولى والثانية عن هذه العدة فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، فافهم ذلك، وقس عليه.
إلّا أنه ينبغي أن تجعله قياسًا مطَّردًا في السجعات الثلاث أين وقعت من الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث، ومن زيادة السجعة الثالثة.
ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساوية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة مريم: الآيات ٨٨-٩٠. ٢ سورة الواقعة: الآيات ٢٧-٣٠.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ستًّا، لما كان ذلك معيبًا.
القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرًا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.
وإذ انتهينا إلى ههنا وبينَّا أقسام السجع ولبَّه وقشوره، فسنقول فيه قولًا كليًّا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان:
أحدهما: يُسَمَّى "السجع القصير"، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلَّفة من ألفاظ قليلة، وكلما قلت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع.
وهذا الضرب أوعر السجع مذهبًا وأبعده متناولًا، ولا يكاد استعماله يقع إلّا نادرًا.
والضرب الآخر: يسمَّى "السجع الطويل"، وهو ضد الأول، لأنه أسهل متناولًا.
وإنما القصير من السجع أوعر مسلكًا من الطويل؛ لأنَّ المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزَّ مواتاة السجع فيه، لقصر تلك الألفاظ وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه، ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، وكان ذلك سهلًا.
وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ:
وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفًا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة المرسلات: الآيتان ١، ٢. ٢ سورة المدثر: الآيات ١-٥.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومنه ما يكون مؤلفًا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل، فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ٢.
وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضًا في الطول.
فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ٣ فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤.
ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٥.
ومن السجع الطويل أيضًا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط.
التصريع في الشعر:
واعلم أن "التصريع" من الشعراء بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور،
_________________
(١) ١ سورة النجم: الآيات ١-٣. ٢ سورة القمر: الآيات ١-٣. ٣ سورة هود: الآيتان ٩، ١٠. ٤ سورة التوبة: الآيتان ١٢٨، ١٢٩. ٥ سورة الأنفال: الآيتان ٤٣، ٤٤.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشُبِّه البيت المصرَّع بباب له مصراعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام.
فأمَّا إذا كثر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارًا، إلّا أن هذه الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها، إنما يحسن منها في الكلام ما قلَّ وجرى مجرى الغرَّة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب.
فأمَّا إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية، لما فيها من أمارات الكلفة١.
وهو عندي٢ ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري!
فالمرتبة الأولى -وهي أعلى التصريع درجة: أن يكون كل مصراع من البيت مستقلًّا بنفسه في فهم معناه، غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمَّى "التصريع الكامل"، وذلك كقول امرئ القيس:
أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت هجرًا فأجملي
فإنَّ كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه، وعليه ورد قول المتنبي:
إذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم أكلُّ فصيحٍ قال شعرًا متيم٣
المرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلًّا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه، فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطًا به كقول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
_________________
(١) ١ نقل ابن الأثير في كلامه عن "التصريع" رأي ابن سنان الخفاجي، قال "في سر الفصاحة ٢٢٢": فأما إذا تكرر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارًا، وهو عندي يجري مجرى تكرر الترصيع والتجنيس والطباق وغير ذلك.. وإن هذه الأشياء إنما يحسن منها ما قلَّ وجرى منها مجرى اللمعة واللمحة، وأما إذا تواتر وتكرر، فليس ذلك عندي مرضيًّا. ٢ يقصد التصريع. ٣ ديوان المتنبي ٣/ ٣٥٠ وهو مطلع قصيدة يمدح بها سيف الدولة.
[ ١ / ٢٥٩ ]
فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لمَّا جاء الثاني صار مرتبطًا به، وكذلك ورد قول أبي تمام:
ألم يأن أن تُروِى الظماء الحوائم وأن ينظم الشمل المبدَّد ناظم١
وعليه ورد قول المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولٌ وهي المحل الثاني٢
المرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرًا في وضع كل مصراعٍ وضع صاحبه، ويسمَّى "التصريع الموجه" وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي٣:
من شروط الصبوح في المهرجان خفة الشَّرْبِ مع خلو المكان٤
فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأوّل ثانيًا، ومصراعه الثاني أولًا، وهذه المرتبة كالثانية في الجودة.
المرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقرّ بنفسه، ولا يفهم معناه إلّا بالثاني، ويسمَّى "التصريع الناقص"، وليس بمرضي ولا حسن، فممَّا ورد منه قول المتنبي:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني بمنزلة الربيع من الزمان٥
فإن المصراع الأول لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع الثاني.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٢٨٥، وهو مطلع قصيدة يمدح بها أحمد بن أبي داود. ٢ ديوان المتنبي ٤/ ١٧٤ وهو مطلع قصيدة في مدح سيف الدولة. ٣ هو أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن الحجاج، ذكره الثعالبيّ في يتيمة الدهر، قال: وقد اتَّفق من رأيته وسمعت به من أهل البصيرة في الأدب وحسن المعرفة بالشعر على أنه فرد زمانه في فنِّه الذي شهر به، وأنه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه في نمطه، ولم ير كاقتداره على ما يردّه من المعاني التي تقع في طرزه، مع سلاسة الألفاظ وعذوبتها، وانتظامها في سلك الملاحة والبلاغة، وإن كانت مفصحة عن السخافة.. ولكنه على علّاته تتفكّه الفضلاء بثمار شعره، وتستملح الكبراء ببنات طبعه، وتستخف الأدباء أرواح نظمه، ويحتمل المحتشمون فرط رفثه وقذعه، ومنهم من يغلو من الميل إلى ما يضحك ويمنع من نوادره. ٤ يتيمة الدهر ٣/ ٦٥، ورواية الثعالبيّ للشطر الثاني "خفة الشغل مع خلوِّ المكان". ٥ ديوان المتنبي ٤/ ٢٥١ وهو مطلع قصيدة يمدح بها عضد الدولة وولديه أبا الفوارس وأبا دلف، ويذكر طريقه بشعب بوان، وهو موضع كثير الشجر والمياه يعد من جنان الدنيا.
[ ١ / ٢٦٠ ]
المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطًا وقافية، ويسمَّى "التصريع المكرر"، وهو ينقسم قسمين، أحدهما أقرّ حالًا من الآخر:
فالأول: أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين كقول عبيد بن الأبرص١:
فكل ذي غيبةٍ يثوب وغائب الموت لا يئوب
القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها، كقول أبي تمام:
فتىً كان شربًا للعفاة ومُرْتَعى فأصبح للهندية البيض مرتعا٢
المرتبة السادسة: أن يُذْكَر المصراع الأول ويكون معلقًا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني، ويسمَّى "التصريع المعلَّق" فممَّا ورد منه قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فإن المصراع الأول معلَّق على قوله: "بصبح"، وهذا معيب جدًّا، وعليه ورد قول المتنبي:
قد علم البين منا البين أجفانا تدمى وألَّف في ذا القلب أحزانًا٣
فإن المصراع الأول معلَّق على قوله: "تدمى".
المرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفًا لقافيته، ويسمَّى "التصريع المشطور"، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها، فمن ذلك قول أبي نواس:
_________________
(١) ١ أحد شعراء الجاهلية، وهو معدود عند بعض الرواة من أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته: أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب ٢ ديوان أبي تمام ٣٧٤ من قصيدة يرثي بها أبا نصر محمد بن حميد الطائي، ومطلعها: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا وأصبح مغني الجود بعدك بلقعا والعفاة: السائلون، والمرتعى: موضع الرعي، والهندية: السيوف، والمرتع: المسرح. ٣ ديوان المتنبي ٤/ ٢٢٠ وهو مطلع قصيدة في مدح أبي سهل سعيد بن عبد الله، ومعناه أن الفراق قد علم أجفاننا الفراق، فما تلتقي سهرًا، وجعل الفراق يؤلف الحزن.
[ ١ / ٢٦١ ]
أقلني قد ندمت على ذنوب وبالإقرار عدت من الجحود١
فصرَّع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفَّاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلّا قليلًا نادرًا٢.
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ١٧٩، وهو أحد بيتين كتب بهما إلى الفضل بن الربيع، والبيت الآخر: وإن تصفح فإحسان جديد سبقت به إلى شكر جديد وفي الأصل "الذنوب"، و"عن" موضع "من". ٢ هذا عيب من عيوب القوافي سماه قدامة بن جعفر "التجميع"، وعرَّفه بأن تكون قافية المصراع الأول من البيت على رويّ متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت بحسبه، فتأتي بخلافه.
[ ١ / ٢٦٢ ]