أمَّا علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط، وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي، ليأمن معرَّة اللحن، ومع هذا فإنه وإن احتيج إليه في بعض الكلام دون بعض لضرورة الإفهام، فإن الواضع لم يخص منه شيئًا بالوضع، بل جعل الوضع عامًّا، وإلا فإذا نظرنا إلى ضرورته وأقسامه المدونة وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني، ألا ترى أنك لو أمرت رجلًا بالقيام فقلت له: "قوم" بإثبات الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء، وكذلك الشرط لو قلت: "إن تقوم أقوم" ولم تجزم لكان المعنى مفهومًا. والفضلات كلها تجري هذا المجرى، كالحال والتمييز والاستثناء، فإذا قلت: "جاء زيد راكب"، و"ما في السماء قدر راحة سحاب"، و"قام القوم إلا زيد"، فلزمت السكون في ذلك كله، ولم تبيِّن إعرابًا، لما توقف الفهم على نصب الراكب والسحاب، ولا على نصب زيد، وهكذا يقال في المجرورات، وفي المفعول فيه، والمفعول له، والمفعول معه، وفي المبتدأ والخبر، وغير ذلك من أقسام أخر لا حاجة إلى ذكرها.
لكن قد خرج عن هذه الأمثلة ما لا يفهم إلا بقيود تقيده، وإنما يقع ذلك في الذي تدل صيغته الواحدة على معانٍ مختلفة، ولنضرب لذلك مثالًا يوضحه فنقول: اعلم أن من أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلّا بعلامة كتقديم المفعول على الفاعل، فإنه إذا لم يكن ثَمَّ علامة تبيِّن أحدهما من الآخر وإلّا أشكل الأمر٣
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل، والظاهر يقتضي حذف "إلا" أو تقدير جواب للشرط.
[ ١ / ٤١ ]
كقولك: "ضرب زيد عمرو" [بالوقف عليها١] ويكون زيد هو المضروب، فإنك إذا لم تنصب زيدًا وترفع عمرًا، وإلّا لا يفهم ما أردت، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبيِّن الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنه، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بيِّن الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدًا، وما أحسن زيدٍ، وما أحسن زيدٌ٣، علمنا غرضه وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب، فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو، إذ كان ضابطًا لمعاني الكلام، حافظًا لها من الاختلاف.
وأول من تكلَّم في النحو أبو الأسود الدؤلي٤، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: "يا أبت ما أشدُّ الحرّ"، متعجبة، ورفعت "أشد"، فظنها مستفهمة، فقال: شهر ناجر٥، فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك، فأتى علي بن أبي طالب -﵁- فقال: "يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب، ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحل" فقال له: وما ذاك؟ فأخبره
_________________
(١) ١ زيادة عن الفلك الدائر ٨. ٢ سورة فاطر، آية ٢٨. ٣ ما في المثال الأول للتعجب، وفي الثاني للاستفهام، وفي الثالث للنفي. ٤ قال ابن الجمحي: أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي، وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل وكان رجل أهل البصرة، وكان علوي الرأي. وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ -يعنون النحو- قال: لقنت حدوده من علي بن أبي طالب -﵁، وكان أبو الأسود أحد سادات التابعين والمحدثين والفقهاء والشعراء والفرسان والأمراء والأشراف والدهاة، والحاضري الجواب، والصلع الأشراف، والبخر الأشراف، ومن مشاهير البخلاء، وهو من القراء، قرأ على أمير المؤمنين علي -﵁- وشهد معه صفين، وقدم على معاوية فأكرمه وأعظم جائزته، وولي قضاء البصرة، وهو أول من نقط المصحف، وله شعر كثير. مات أبو الأسود بالبصرة سنة ٦٩، وهو ابن خمس وثمانين سنة. ٥ ناجر: قال في القاموس "ناجر رجب أو صفر، وكل شهر من شهور الصيف"، قلنا: إن شهري رجب وصفر وكل الشهور القمرية يتغيِّر موقعها سنة بعد سنة، ولا بُدَّ أن يكون شهرًا بعينه من شهور الصيف، وفي وضع أبو الأسود النحو أقوال كثيرة غير ما رواه ابن الأثير. انظر إنباه الرواة على أنباء النحاة ١/ ١٥.
[ ١ / ٤٢ ]
خبر ابنته، فقال: هلمَّ صحيفة، ثم أملى عليه: "الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى"، ثم رسم له رسومًا فنقلها النحويون في كتبهم، وقيل: إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه١ بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيَّرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم؟ فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلَّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلَّف بنون، مه، ردوا علي أبا الأسود. فردوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئًا٢. ثم جاء بعده ميمون الأقرن٣ فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري٤، فزاد عليه، ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي٥، وأبو عمرو بن العلاء٦ فزادا
_________________
(١) ١ هو زياد بن أبي سفيان، استلحفه معاوية بأبيه، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، ولد عام الهجرة وقيل: يوم بدر، واستعمله عمر بن الخطاب على بعض أعمال البصرة، واستعمله علي على بعض بلاد فارس، ولم يزل معه حتى قتل، وسلم الحسن الأمر إلى معاوية، فاستلحفه بأبيه، وجعله أخًا له، واستعمله على البصرة، ثم أضاف إليه الكوفة، وبقي عليها إلى أن مات سنة ٥٣هـ. ٢ قال أبو حرب بن أبي الأسود: أول باب رسم أبي من النحو باب التعجب، وقيل: أول باب رسم باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم. ٣ هو الإمام المقدَّم في العربية بعد أبي الأسود وعنه أخذ، وأخذ عنه عنبسة بن معدان الفيل في أصح الروايتين، وزاد على أبي الأسود في حدود العربية. ٤ هو عنبسة بن معدان الفيل الميساني، أخذ النحو عن أبي الأسود، قالوا: ولم يكن فيمن أخذ عنه النحو أبرع منه، وروى الأشعار وظرف وفصح، وروى شعر جرير والفرزدق. ٥ هو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، كان قيمًا بالعربية والقراءة إمامًا فيهما، وكان شديد التجريد للقياس، وكان عبد الله بن أبي إسحاق يطعن على العرب، وكان يرد كثيرًا على الفرزدق ويكلمه في شعره، فقال فيه الفرزدق: فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكن عبد الله مولى مواليا وتوفي بالبصرة سنة سبع عشرة ومائة، في أيام هشام بن عبد الملك. ٦ هو العلم المشهور في علم القراءة واللغة العربية، واسمه كنيته، وقيل: إن اسمه زبان، أخذ النحو عن نصر بن عاصم الليثي، وأخذ عنه يونس بن حبيب البصري، والخليل بن أحمد، وعلي بن المبارك، وكان يونس بن حبيب يقول: لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله في كل شيء كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء كله في العربية، ولكن ليس من أحد إلّا وأنت آخذ من قوله وتارك إلّا النبي -ﷺ، وتوفي أبو عمرو بن العلاء في سنة ١٥٤هـ في خلافة المنصور.
[ ١ / ٤٣ ]
عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي١، وتتابع الناس واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك. فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادئ أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرًا.
فإن قيل: أما علم النحو فمُسَلَّمٌ إليك أنه تجب معرفته، لكنَّ التصريف لا حاجة إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، وهذا لا يضر جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالًا كيف اتفق، فنقول: إذا قال القائل: "رأيت سرداحًا٢"، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصلية؛ لأن العرب لم تنطق بها إلّا كذلك، ولو قالت: "سردحًا"، بغير ألف لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول: "سرداحًا"، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج [لا٣] تقتضيه صناعة تأليف الكلام.
فالجواب عن ذلك أنا نقول: اعلم أنَّا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفًا بالمعاني، مختارًا لها، قادرًا على الألفاظ، مجيدًا فيها، ولم يكن عارفًا بعلم النحو، فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام، ويختل عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم.
وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفًا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب، فنقول: أما قولك: إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من المثال
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الرحمن بن أحمد البصري الفرهودي الأزدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، وأخذ عنه سيبويه، وعامَّة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل، وكل ما قاله سيبويه "سألته" أو قال: "قال" من غير أن يذكر قائله فهو الخليل، وأخذ عنه أيضًا النضر بن شميل، ومؤرج السدوسي، وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم، وهو أول من استخرج علم العروض وضبط اللغة، وأملى كتاب العين على الليث بن المظفر، وكان أول من حصر أشعار العرب، توفي سنة ستين ومائة. ٢ السرداح: الناقة الطويلة أو الكريمة أو العظيمة أو السمينة أو القوية الشديدة التامة. ٣ زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٤٤ ]
المضروب، فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثَّلت كلامك في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية؛ لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلّا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضلّ حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي -وكان جاهلًا بعلم التصريف- كيف تصغير لفظة اضطراب، فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك؛ لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتي به، وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته، نحو قولهم في "منطلق": "مطيلق"، وفي "جحمرش"١ "جحيمر"، فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون، إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى، فلذلك لم تحذف وحذفت النون، وأما لفظة "جحمرش" فخماسية لا زيادة فيها، وحذف منها حرف أيضًا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملًا اتكالًا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئًا من التصريف؛ لأن كلًّا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر ومحتاج إليه.
وإنما قلت: إن النحوي إذا سُئِلَ عن تصغير لفظة "اضطراب" يقول: "ضُطَيْرِب"، لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة "اضطراب" الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة -غير الألف- ليست من حروف الزيادة، فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد، فلذلك قلنا: إن النحوي يصغِّر لفظة "اضطراب" على "ضُطَيْرِب"، فيحذف الألف التي هي حرف زائد، دون غيرهما مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقال: "ضتيرب"، فإن هذا لا يعلمه إلا
_________________
(١) ١ الجحمرش: العجوز الكبيرة، والمرأة السمجة، والأرنب المرضع، والخشناء من الأفاعي.
[ ١ / ٤٥ ]
التصريفيّ، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه، فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف، لئلَّا يغلط في مثل هذا.
ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع بن أبي نعيم١، -وهو من أكبر القراء السبعة قدرًا، وأفخمهم شأنًا- قال في "معايش٢" "معائش"، بالهمز؟ ولم يعلم الأصل في ذلك، فأوخذ عليه، وعيب من أجله ومن جملة ما عابه أبو عثمان المازني٣، فقال في كتابه في التصريف: إن نافعًا لم يدر ما العربية، وكثيرًا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها؟ وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحًا ولا طعنًا، وهذه لفظة "معايش" لا يجوز همزها بإجماعٍ من علماء العربية؛ لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينًا، نحو: "سفائن"، وفي هذا الموضع غلط نافع -رحمة الله عليه؛ لأنه لا شك اعتقد أن "معيشة" بوزن فعيلة، وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في "معيشة" "مَعْيِشَة" على وزن مَفْعِلَة، وذلك لأنَّ أصل هذه الكلمة من "عاش" التي أصلها "عيش" على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين "يَفْعِلُ" لتصح الياء، نحو: "يَعْيَش"، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير "يعيش"، ثم يبنى من يعيش مفعول، فيقال: "معيوش به"، كما يقال: "مسيور به"، ثم يخفف ذلك بحذف الواو، فيقال: "معيش به" كما يقال مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير "معيشة".
_________________
(١) ١ نافع بن أبي نعيم أحد القراء السبعة، وهو نافع بن عبد الرحمن، وهو مولى جعونة بن شعوب الشجعي، كان أسود شديد السواد، وأصله من أصبهان، توفي سنة ١٦٩هـ بالمدينة. ٢ في سورة الأعراف ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ آية ١٠ وفي سورة الحجر ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ آية ٢٠. ٣ أبو عثمان المازني هو بكر بن محمد بن بقية، قيل: ابن عدي بن حبيب، نزل في بني مازن فنسب إليهم، وهو بصري. روى عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد، وعنه المبرد والفضل بن محمد اليزيدي وغيرهم. وكان إماما في العربية متسعًا في الرواية. وكان لا يناظره أحد إلّا قطعه لقدرته على الكلام. وقال المبرد: لم يكن بعد سيبويه أعلم بالنحو من أبي عثمان، وله تصانيف كثيرة في النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي. توفي سنة ٢٤٧هـ.
[ ١ / ٤٦ ]
ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي، فإن اللحن الظاهر قد كثرت مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر، واستشعار القدرة عليه، توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه، فيجهل بما يكون عالمًا به. ألا ترى أن أبا نواس١ كان معدودًا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر:
كأن صَغرَى وكُبَرى من فواقعها حصباء درٍّ على أرض من الذهب٢
وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس، فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول أبي نواس "صغرى" "وكبرى" غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو: "حبْلَى"، إلّا أن تكون فُعْلَى أَفْعَلَ مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته.
وقد غلط أبو تمام٣ في قوله:
_________________
(١) ١ أبو نواس هو الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الحكمي، ولد سنة ١٤١هـ في كورة خوزستان، واشتغل في صباه عند عطار حتى تعرَّف إلى والبة بن الحباب، فأعجب به وصحبه إلى الكوفة ثم بغداد، وهناك صحب الشعراء، ودرس على العلماء حتى أصبح من أشعر أهل عصره وأغزرهم علمًا، وطار ذكره في الآفاق، واتَّصل بالرشيد والأمين ومدحهما، ونال منهما الجوائز السنية، وتوفي أبو نواس في الثامنة والخمسين من عمره سنة ١٩٩هـ. ٢ ديوان أبي نواس: ص٢٤٣ "فواقعها" بالواو كما هنا، وأكثر الرواة على أنها "فقاقعها" بالقاف، وهي النفاخات التي تعلو الماء أو الخمر. ومحل الخطأ قوله "صغرى وكبرى" حيث جاء بأفعل التفضيل مؤنثًا، مع كونه مجردًا من أل ومن الإضافة، وكان حقه أن يأتي به مفردًا مذكرًا، فيقول: "أصغر وأكبر". وقد اعتذر بعض العلماء عنه بأنه لم يرد التفضيل، وإنما أراد معنى الوصف المجرد عن الزيادة. ٣ أبو تمام هو حبيب بن أوس الطائي؛ قال الآمدي في الموازنة: والذي عند أكثر الناس في نسب أبي تمام أن أباه كان نصرانيًّا من أهل جاسم -قرية من قرى دمشق- يقال له: تدوس العطار، فجعلوه أوسًا، ولفقت له نسبة إلى طيء، وكان واحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه، وله كتاب الحماسة الذي دلَّ على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن الاختيار، وله مجموع آخر سماه: "فحول الشعراء"، جمع فيه بين طائفة كثيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين، وله كتاب "الاختيارات من شعر الشعراء"، وكان له من المحفوظات ما لا يلحقه فيه غيره، وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع. ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وتوفي بالموصل سنة ٢٣١هـ.
[ ١ / ٤٧ ]
بالقائم الثامن المستخلف اطأدت١ قواعد الملك ممتدًّا لها الطول
ألا ترى أنه قال: "اطَّأدَتْ"، والصواب "اتَّطدت"؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: "اتعد"، ومثله ما ورد في هذا البيت، فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد، فإذا بني منه افتعل قيل: "اتَّطَدَ"، ولا يقال: "اطَّأَدَ"، وأما غير المقيس فقولهم في وجاه: تجاه، وقالوا: "تكلان"٢، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل، فأبدلت الواو تاء للاستحسان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتُتَوَقَّى. على أني لم أجد أحدًا من الشعراء المُفْلِقِين سلم من مثل ذلك، فإما أن يكون لحن لحنًا يدل على جهله مواقع الإعراب، وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدَّم زمانه، كالمتنبي٣ ومن كان قبله، كالبحتري٤، ومن تقدَّمه، كأبي تمام ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
على أن المخطئ في التصريف أندر وقوعًا من المخطئ في النحو؛ لأنه قلَّمَا يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرًا حتى إنه ليشذَّ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه؟ كقول أبي نواس في الأمين محمد -﵀:
_________________
(١) ١ فعله المجرَّد وطد، يقال: وطد الشيء يطده بالتخفيف كوعد يعد، فهو وطيد وموطود، أثبته وثقله كوطَّده فتوطد بالتشديد، ورواية الديوان "اعتدلت" موضع "اطأدت" ص٢٢٧. ٢ تجاه ووجاه مثلثتين تلقاء الوجه. أراد أن كلمة تجاه فيها تاء ليست في الأصل والتكلان: الاسم من التوكل. ٣ المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الشاعر المشهور، من أهل الكوفة، وقدم الشام في صباه، وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين من نقل اللغة، والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يسأل عن شيء إلّا استشهد فيه بكلام العرب، وإنما قيل له المتنبي؛ لأنه ادَّعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسَرَه وتفرَّق أصحابه، وحبسه طويلًا، ثم استنابه وأطلقه، ثم التحق بسيف الدولة بن حمدان في سنة ٣٣٧هـ، ثم فارقه إلى مصر سنة ٣٤٦هـ، ومدح كافورًا الإخشيدي، ولما لم يرضه هجاه، وفارقه ليلة النحر سنة ٣٥٠هـ، ومات مقتولًا سنة ٣٥٤هـ. ٤ البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي ولد بناحية منبج سنة ٢٠٦هـ، وتنقَّل في قبائل طيء وغيرها من البدو الضاريين في شواطئ الفرات، فغلبت عليه فصاحة العرب، واتَّصل بالمتوكل والفتح بن خاقان حتى قتلا، ويمتاز شعره برقة الأسلوب وحسن الخيال وإجادة الوصف والرثاء والعتاب والغزل والمديح، توفي البحتري سنة ٢٨٤هـ.
[ ١ / ٤٨ ]
يا خير مَنْ كان ومن يكون إلا النبيُّ الطاهر الميمون١
فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو، وليس من خافيه في شيء.
وكذلك قال أبو الطيب المتنبي٢:
أرأيت هِمَّةَ ناقتي في ناقةٍ نقلت يدًا سُرُحًا وخفًّا مجمَرَا٣
تركت دُخَان الرمث في أوطانها طلبًا لقومٍ يوقدون العنبرا٤
وتكرَّمت ركباتها عن مبركٍ تقعان فيه وليس مسكًا أذْفَرَا٥
فجمع في حال التثنية، لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا من أظهر ظواهر النحو وقد خفي على مثل المتنبي.
ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتباعهم.
والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول، أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتَّصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحًا في حسن الكلام، لأنه إذا قيل: "جاء زيد راكب"، إن لم يكن حسنًا إلّا بأن يقال: "جاء راكبًا"، بالنصب لكان النحو شرطًا في حسن الكلام، وليس كذلك.
فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور.
وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكنَّ الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام، من أجل إقامة الميزان الشعري.
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ص١١٧، وقد أبقينا لفظ "النبي" مرفوعًا لأن مبنى النقد على ذلك، ويمكن أن يكون منصوبًا ولا خطأ فيه، ويرفع ما بعده على أنه نعت مقطوع. ٢ من قصيدة يمدح بها أبا الفضل محمد بن العميد، ومطلعها: باد هواك صبرت أم لم تصيرا وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى ٣ الديوان: ٢/ ١٦٨ والسرح: السهلة السير، والخف المجمر: الشديد الصلب، أو هو الخفيف السريع من قولهم: "أجمرت الناقة" إذا أسرعت. يخبر عن علوِّ همته؛ لأنه يحمل ناقته على السير. ٤ الرمث: نبت يوقد به، وهو من مراعي الإبل، يقول: تركت الأعراب ووقودهم هذا الرمث، وأتيت قومًا وقودهم من العنبر. ٥ ركباتها: جمع ركبة، وإنما عني الاثنين، وهو كقوله -جل وعلا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وذلك أن أقل الجمع اثنان، فجاز أن يعبر عنهما بالجمع، ودلَّ على أنه أراد التثنية أنه أخبر عنهما بالتثنية فقال: "تقعان"، والأذفر: الشديد الرائحة. يقول: تكرمت ناقتي عن البروك إلّا على المسك الأذفر، لأن العنبر يوقد بحضرة الممدوح، والمسك ممتهن عنده، بحيث تبرك عليه ناقتي.
[ ١ / ٤٩ ]