وهذا اسم كنت سمعته، فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئًا، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صوابًا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلي ما ذكره أبو علي الفارسي١ -رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي.
فأما حد "التجريد"، فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف، إذا نزعته من غمده، و"جردت فلانًا"، إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال -ﷺ: "لا مد ولا تجريد"، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض، وأن تجرد عنه ثيابه: وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان.
وقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى.
فالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابًا لغيرك، وباطنه خطابًا لنفسك، فإن ذلك من باب التوسع، وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.
_________________
(١) ١ هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار محمد بن أبان الفارسي النحوي، ولد بمدينة فساد، واشتغل ببغداد، ودخل إليه سنة ٣٠٧، وكان إمام وقته في علم النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيفي الدولة بن حمدان مدة، وكان قدومه إليها سنة ٣٤١، وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فارس، وصحب عضد الدولة بن بويه، وتقدم عنده، وعلت منزلته، حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي على في النحو، وكان مولده سنة ٢٨٨هـ، ووفاته ببغداد سنة ٣٧٧هـ.
[ ٢ / ١٢٨ ]
والفائدة الثانية: وهي الأبلغ، وذاك أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح، أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبًا بها غيره، ليكون أعذر وأبرأ من العهدة، فيما يقوله غير محجور عليه.
وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين:
أحدهما: تجريد محض.
والآخر: تجريد غير محض.
التجريد المحض:
فالأول -وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، وذلك كقول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص١ في مطلع قصيدة له:
إلام يراك المجد في زي شاعر وقد نحلت شوقًا فروع المنابر
كتمت بعيب الشعر حلمًا وحكمة ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس مقال ومحيي الدارسات الغوابر
وإنك أعييت المسامع والنهى بقولك عما في بطون الدفاتر
فهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب إلى غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الفضائل التائهة.
وكل ما يجيء من هذا القبيل، فهو التجريد المحض.
_________________
(١) ١ هو أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي، الملقب شهاب الدين، المعروف بحيص بيص، الشاعر المشهور، كان فقيها شافعي المذهب، تفقه بالري: ثم غلب عليه الأدب ونظم الشعر، فأجاده مع جزالة اللفظ، وله رسائل بليغة، وكان أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغتهم، وكان فيه تيه وتعاظم، ولا يخاطب أحدا إلا بالكلام العربي، وكان يلبس زي الأعراب. ويتقلد سيفا، وقيل له: الحيص بيص؛ لأنه رأي الناس مرة في حركة مزعجة وأمر شديد، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ أي في شدة واختلاط، فبقي عليه هذا اللقب توفي سنة ٥٧٤هـ ببغداد، ودفن في الجانب الغربي في مقابر قريش.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وأما ما قصد به التوسع خاصة، فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة١:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع؛ لأنه قال:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا٢
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا وما أحسن المصطاف والمتربعا
فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى، ومعرة العشق، لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولًا إلى خطاب النفس.
وعلى هذا الأسلوب، ورد قول أبي الطيب المتنبي٣:
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
واجز الأمير الذي نعماه فاجئة بغير قول ونعمى القوم أقوال
وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكًا الإخشيدي بمصر، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة، وهي من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح.
_________________
(١) ١ كان شريفا ناسكا عابدا غزلا شاعر مقلا من شعراء الدولة الأموية، والأبيات في ديوان الحماسة "٢-٥٤". ٢ رواية ديوان الحماسة تجعل هذا البيت آخر الأبيات التي اختارها أبو تمام جميعا، "وتورد البيت الذي بعده قبل هذا البيت بخمسة أبيات. ٣ ديوان المتنبي ٣-٢٧٦ مطلع قصيدة له في مدح أبي شجاع فاتك سنة ثمان وأربعين وثلثمائة.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس، ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع لاغير.
التجريد غير المحض:
وأما القسم الثاني: وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر.
وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدًا؛ لأن التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد؛ لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئًا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك.
فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة١:
أقول لها وقد جشأت وجاشت رويدك تحمدي أو تستريحي٢
وكذلك قول الآخر٣:
أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يدي أصابتني ولم ترد٤
وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابًا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.
_________________
(١) ١ هو عمرو بن الإطنابة أحد بني الخزرج، ومعنى الإطنابة المظلة، واسم أم عمرو هذا، وهو أحد من ملك الحجاز في الجاهلية، وكان شاعرًا مجيدًا. ٢ انظر شرح التبريزي ديوان الحماسة ٢-٢٧٣، وقد رواه "مكانك" موضع "رويدك"، وقد تمثل بالبيت معاوية في إحدى وقعاته مع الإمام علي، وكاد ينهزم، فما لبث أن ثبت مكانه. ٣ أحد بيتين اختارهما أبو تمام في ديوان الحماسة ١/ ٧٣، ونسبهما لأعرابي قتل أخوه ابنًا له، والبيت الآخر: كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي ٤ التأساء هي ما يؤتسى به من الحزن، والتعزية حسن الصبر وقوله: "إحدى يدي أصابتني"، أجراه على المثل والمجاز "والمعنى: أناجي النفس بهذا القول طلبا للتأسي، وحبذا بالقول طلبا للتأسي، وحسن الصبر".
[ ٢ / ١٣١ ]
وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي -﵀- فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئًا منفصلًا عنه أو متميزًا منه.
ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه، حتى كأنه يقاول غيره، كما قال الأعشى:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل١
وهو الرجل نفسه لا غيره.
هذا خلاصة ما ذكره أبو علي ﵀.
والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه، وهو يريدها.
وأما الأول، وهو قوله: "لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر"، فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه.
وبيان ذلك أنك تقول: "لئن لقيت فلانًا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثم شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية.
ويبطل على أبي علي قوله أيضًا من وجه آخر، وذاك أنه قال: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها
_________________
(١) ١ هذا عجز مطلع قصيدته المشهورة، وصدر البيت: ودع هريرة إن الركب مرتحل وبعدها بعض الرواة إحدى المعلقات.
[ ٢ / ١٣٢ ]
مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو"، كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ولئن لقيته لتلقين منه الموت، فإن الصورة التي أوردها في الإنسان، وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد، فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل.
وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة:
وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق على غيرك، ولا يكون هو المراد، وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب هو هو لا غيره، فلا يطلق عليه إذًا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف لموضوعه.
فإذا قال القائل: "لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، لم يجرد عن المقول عنه شيئًا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته، وتارة بالبحر في سخائه.
وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي -﵀- حتى خلطه بالتجريد، وأجراه مجراه؟
وأما قوله: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته، ومحصوله"، فأقول: وغير العرب أيضًا تعتقد ذلك!
فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب خاصة، وانفرد باستخراجه أبو علي ﵀!
وإن عني بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال الذي ذكره، حتى يشبه بالأسد تارة، وبالبحر أخرى، فليس الإنسان مختصًا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان، ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في بعض
[ ٢ / ١٣٣ ]
الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنظة أخذها في منقاره، وطاف بها على الدجاج، حتى يضعها في منقار واحدة منهن.
فالأخلاق إذًا مشتركةٌ بين الإنسان، وبين غيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها.
وما أعلم ما أراد أبو علي -﵀- بقوله: "إن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله"، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.
على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة، والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، إذ لا يقال في حده: "حيوان شجاع، ولا سخي"، بل يقال: "حيوان ناطق"، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم، والصنائع هو حقيقة الإنسان.
فبطل إذًا قول أبي علي رحمه الله تعالى في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء.
فالخطأ توجه في كلامه من وجهين:
أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارةً عن خلقه.
والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه.
وهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل.
[ ٢ / ١٣٤ ]