وأما النوع الثالث فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام.
وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم، فإن منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضًا ما لا يحسن استعماله.
وكنت جرَّدت من كتاب الأمثال للميداني١ أوراقًا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال، وسبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلّا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشدَّ اختصارًا.
وسبب ذلك ما أذكره لك، لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر٢" وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه -كما قال المفضل بن محمد: أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبَّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكمًا٣، فقال واحد٤ منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم٥: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر"، فذهبت مثلًا.
ومن المعلوم أن قول القائل: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر" إذا أُخِذَ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به، والأسباب التي قيل من أجلها، لا يعطي المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد،
_________________
(١) ١ الميداني: هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، كان أديبًا فاضلًا، عارفًا باللغة، اختَّص بصحبة أبي الحسن الواحديّ صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن فن العربية خصوصًا اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب مجمع الأمثال، ولم يعلم مثله في بابه، وكتاب السامي في الأسامي. المتوفَّى سنة ٥١٨هـ بنيسابور، والميداني نسبة إلى "ميدان"، وهي محلة في نيسابور. ٢ مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٠. ٣ رواية مجمع الأمثال "فتراضوا برجل جعلوه بينهم". ٤ رواية مجمع الأمثال "فقال رجل منهم". ٥ رواية مجمع الأمثال "فقال العدل".
[ ١ / ٥٤ ]
ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر" ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل كان يفهم من هذا القول معنى مفيد؛ لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدًا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختلّ المعنى، ليس بمستقيم.
فلمَّا كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني تلويحًا، صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارًا.
ومن أجل ذلك قيل في حد المثل: إنه القول الوجيز المرسَل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة، فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.
وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك.
ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلًا له، فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه، فإنه يكون في غاية الحسن والرونق، هذا لا خفاء به.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصَّة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبيِّن لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها: فمن ذلك أنه ورد عن النبي -ﷺ- حديث بيعة الحديبية١ تحت الشجرة، وكان أرسل عثمان -﵁- إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله -ﷺ- بيده الشمال على اليمين وقال: "هذه عن عثمان وشمالي خير من يمينه".
_________________
(١) ١ خرج النبي -ﷺ- في آخر سنة ست معتمرًا لا يريد حربًا، واستنفر العرب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحربٍ أو يصدوه عن البيت، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن القرشيون حربه، لكن قريشًا لما علمت بمقدمه خرجت للقائه، وبعثت مندوبين عنها، فأخبرهم الرسول بأنه قدم زائرًا للبيت، وعاد المندوبون إلى قريش فاتهمتهم وسفَّهتهم، فأراد النبي أن يبعث عمر بن الخطاب موفدًا عنه إلى قريش ليؤكد لهم أن المهاجرين والأنصار إنما قدموا زوَّارًا لا محاربين، فاعتذر عمر؛ لأنه خشي على نفسه من عدوان قريش عليه؛ إذ ليس بمكة من بني عدي أحد يحميه، وأشار على النبي أن يرسل عثمان بن عفان، فأرسله النبي، فاحتبسته قريش عندها، وعلم النبي بذلك فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وعلى ألّا يفروا، ثم جاء الخبر إلى النبي أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
[ ١ / ٥٥ ]
وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعد البرُّ برًّا حتى يلحق الغيث بالحصور١، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور، فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله -ﷺ- عن يمين عثمان. ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومَنْ يليه مِن العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثيّ، فمضى إلى يرفأ مولى عمر، وسأله عمَّا يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء٢، وخفًّا مطابقًا، وحضر بين يديه في جملة العمَّال، فصوَّب عمر نظره وصعَّده، فلم يقع إلّا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: "وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله، فإن الأحوال تنتقل تنقُّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد".
فانظر كيف فعلت في هاتين القصَّتين؟ وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته؟ وامض أنت على هذا النهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.
وعُرِضَ عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني -﵀، عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب -﵀، إلى ديوان الخلافة ببغداد، في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية٣، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال.
ولمَّا تأمَّلته وجدته كتابًا حسنًا قد وفَّى فيه الخطابة حقها، إلّا أنه أخلَّ بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلّا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي -ﷺ- مكة، فإنه قصدها عام
_________________
(١) ١ الحصور من معانيه: الهيوب المحجم عن الشيء، والمراد: أن هذا الممدوح يشمل بعطاياه من لم يطلبوا منه شيئًا. ٢ ملونة بالدسم. ٣ الدولة العلوية هي الفاطمية، النسبة الأولى إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، والنسبة الثانية إلى السيدة فاطمة ابنته.
[ ١ / ٥٦ ]
الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.
وقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابًا إلى ديوان الخلافة معارضًا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي -﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب -﵀- فقلت: "ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها منبر وسرير، وقالت: منَّا أمير ومنكم أمير، فردَّ الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسيته بها من زَهْوِ أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي -ﷺ- من قريته، وقذف الشيطان على حقها بباطله، وعلى صدقها بغويته، ثم طوتها الليالي طي السجل١ للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغرَّبت الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات٣ ثلاث كلها ذوات غروب٤، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخَّض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام كعام حديبيته، وعمرة قضائه، وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس الأقلام٥، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرَّخ فيه معاد نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي، وهذه ليلة قدرها".
فهذا فصل من فصول الكتاب، فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة؟ وذكرت أيضًا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي -ﷺ: منا أمير ومنكم أمير، وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح -﵃- في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن
_________________
(١) ١ السجل: الكاتب. ٢ أجفان السيوف: أغمادها، والأجفان: أغطية العيون من أعلى وأسفل. ٣ غربات ثلاث: ثلاث سفرات ورحلات. ٤ غروب: جمع غرب، والمراد هنا حد السيف، أي: إن المرات الثلاث، فيها قتال. ٥ المراد من طبع الأسنة في رءوس الأقلام أنَّ الأقلام التي تذكر أخبار هذا الفتح تصوِّر معارك رهيبة فكأنَّ في رءوس الأقلام أسنة رماح.
[ ١ / ٥٧ ]
المنذر: منَّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر -﵁: "بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور.
وعجبت من عبد الرحيم بن عليّ البيساني مع تقدُّمه في فنِّ الكتابة كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه؟
وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدَّم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمَّنه فصولًا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقَّب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر لدين الله، فلمَّا وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابًا حسنًا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزًا إلّا في هذا الفصل الذي يتضمَّن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله: "ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام"، وشيئًا من هذا النسق، وكان الأليق والأحسن أن يحتجَّ بحجة فيها روح، ويذكر كلامًا فيه ذلاقة ورشاقة.
وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك فسألني عمَّا كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: "قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله -ﷺ- ذلك في أشياء نصَّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوِّغ لأمير المؤمنين أن يختَّص بأمر يكون به مشهورًا، وعلى غيره محظورًا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميَّزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرَّت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل وحرج التحريم، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقي ما فرط منك بالمتاب، ولا تُحْوِجَ فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسِهِ باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمَّن أتى الشيء خطًأ لا عمدًا، وقَبِلَ التوبة ممن أخذ على نفسه الإخلاص عهدًا".
فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدًا على هذا الموضع؟ ولا يمكن أن يحتجّ في مثل ذلك إلّا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذَّ عن ابن زياد أن يأتي به، مع أنه كان كاتبًا مغلقًا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن؟
[ ١ / ٥٨ ]