اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاصا والآخر عاما، فإن استعمال العام في حالة النفي أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي.
ومثال ذلك الإنسانية والحيوانية، فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية، وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي الإنسانية، ولا يوجب إثباتها إثبات الإنسانية.
ومما ينتظم بذلك الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها، وبين واحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ.
وكذلك يتصل بهذا النوع الصفتان الواردتان على شيء واحد، فإنه إذا لزم من وجود إحداهما وجود الأخرى اكتفي بها في الذكر، ولم يحتج إلى ذكر الأخرى؛ لأنها تجيء ضمنا وتبعا، أو يبدأ بها في الذكر أولًا، ثم تجيء الأخرى بعدها.
وأما الصفات المتعددة فإنه ينبغي أن يبدأ في الذكر بالأدنى مرتبة، ثم بعدها بما هو أعلى منها إلى أن ينتهي إلى آخرها.
هذا في مقام المدح، فإن كان في مقام الذك عكست القضية.
فالأول -وهو الخاص والعام- نحو قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ١، ولم يقل: ذهب بضوئهم، موازنا لقوله: ﴿فَلَمَّا
_________________
(١) ١ سورة البقرة: الآية ١٧.
[ ٢ / ١٦٦ ]
أَضَاءَتْ﴾؛ لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا؛ لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ١، فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءًا.
فالغرض من قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، إنما هو إزالة النور عنهم أصلًا، فهو إذا أزاله، فقد أزال الضوء.
وكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ولم يقل: "أذهب نورهم"؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به؛ لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه، وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال معنى الاحتجار عنه.
ومما يحمل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم من وصف أحدهما الآخر، ولا يلزم عكس ذلك، ومثاله قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٢، فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول للمعنى الذي أشرنا إليه، والمراد بذلك أنه إذا كان هذا عرضها، فكيف يكون طولها؟
وهذا في حالة الإثبات، ولو أريد حالة النفي كان له أسلوب غير ما ذكرناه، وهو أنه كان يخص به الطول دون العرض.
وأما الأسماء الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح ﵇:
_________________
(١) ١ سورة يونس: الآية ٥. ٢ سورة آل عمران: الآية ١٣٣.
[ ٢ / ١٦٧ ]
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾، ولم يقل ليس بي ضلال، كما قالوا؛ لأن نفي الضلالة أبلغ من نفي الضلال عنه، كما لو قيل: ألك تمر؟ فقلت في الجواب: ما لي تمرة، وذلك أنفى للتمر، ولو قلت: "ما لي تمرة" لما كان يؤدي من المعنى ما أداه القول الأول.
وفي هذا الموضع دقة تحتاج إلى فضل تمام، فينبغي لصاحب هذه الصناعة مراعاته، والعناية به.
فإن قيل: لا فرق بين الضلالة والضلال، وكلاهما مصدر قولنا: ضل يضل ضلالا، وضل يضل ضلالة كما يقال: لذ يلذ لذاذا ولذاذة!
فالجواب عن ذلك: أن الضلالة تكون مصدرًا كما قلت، وتكون عبارة عن المرة الواحدة، تقول: ضل ضلالة، أي مرة واحدة كما تقول: ضرب يضرب ضربة، وقام وأكل يأكل أكلة:
والمراد بالضلالة في هذه الآية إنما هو عبارة عن المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرار الكثيرة.
وأما الصفتان الواردتان على شيء واحد، فكقول الأشتر النخعي٢:
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآيتان ٦٠ و٦١. ٢ هو مالك بن الحارث، أحد بني النخع، والأشتر لقب له، كان شاعرًا يمنيا من شعراء الصحابة، شهد حرب القادسية أيام عمر الخطاب التي كانت بين المسلمين والفرس، وكان لعلي في حروبه مثل ما كان علي لرسول الله -ﷺ، كتب له بولاية مصر، فخرج يريدها، وبلغ ذلك معاوية، فعظم عليه الأمر، فبعث إلى المقدم على الخراج بالقلزم يعده، ويمنيه إن كفاه شر مالك فلما انتهى الأشتر إلى القلزم استقبله ذلك الرجل، وعرض عليه النزول عنده فنزل فأتاه بطعام فأكل، ثم جاءه بعسل وضع فيه سما فشربه فمات، وذلك سنة ثلاث وثلاثين للهجرة، فقال معاوية لما بلغه ذلك: إن لله جنودا منها العسل.
[ ٢ / ١٦٨ ]
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس١
إن لم أشن على ابن حرب غارة لم تخل يوما من نهاب نفوس٢
خيلا كأمثال السعالي شزبا تعدو ببيض في الكريهة شوس٣
حمي الحديد عليهم فكأنه لمعان برق أو شعاع شموس٤
ألا ترى أنه رقى في التشبيه من الأدنى إلى الأعلى، فقال: "لمعان برق أو شعاع شموس"؛ لأن لمعان البرق دون شعاع الشموس؟!
ومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ٥، فإن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة.
وعلى القياس المشار إليه أولًا، فينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ لأنه إذا لم يغادر صغيرة، فمن الأولى ألا يغادر كبيرة.
وأما إذا لم يغادر كبيرة، فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن الصغيرة فيقضي القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة، فيجوز أن يعفو عن الصغيرة.
غير أن القرآن الكريم أحق أن يتبع، وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره.
_________________
(١) ١ في الأصل "حلقت وفدي" موضع "بقيت وفري" والوفر المال، يقول: بقيت مالي، ولم أنفقه فيما يكسبني الذكر الجميل. ٢ يدعو على نفسه بما يكسبه السوء إن لم يشن أي يفرق الغارة على ابن حرب يعني معاوية بن أبي سفيان. ٣ في الأصل "شرما" موضع "شزبا" والتصويب عن الحماسة ١/ ٤٩، والسعالى الغيلان، وقيل: هي بنات الغيلان، والشزب الضمير، والبيض من البياض كناية عن الكرم ونقاء العرض، والشوس جمع أشوس، وهو الغضبان أو المتكبر، ونصب "خيلا" على أنه يدل على غارة في البيت قبله. ٤ في ديوان الحماسة "١/ ٤٩"، "ومضان برق" موضع "لمعن برق". ٥ سورة الكهف: الآية ٤٩.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ ١؛ لأن التأفيف أدنى درجة.
وقد تقدم قولي في أول هذا النوع أنه إذا جاءت صفتان يلزم من وجود إحداهما وجود الأخرى أن يكتفى بذكرها دون الأخرى؛ لأن الأخرى تجيء ضمنا وتبعا، وأن يبدأ بها في الذكر، ثم تجيء الأخرى بعدها وعلى هذا، فيقال: أولًا: فلا تنهرهما ولا تقل لهما أف، لكن إذا لم يقل لهما أف امتنع أن ينهرهما.
وقد كان هذا هو المذهب عندي، حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، وحينئذ عدت عما كنت أراه وأقول به.
وأما الصفات المتعددة الواردة على شيء واحد، فكقول أبي عبادة البحتري في وصف نحول الركاب٢:
يترقرقن كالسراب قد خضن غمارا من السراب الجاري
كالقسي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار
ألا ترى أنه رقى في تشبيه نحولها من الأدنى إلى الأعلى، فشبهها أولًا بالقسي، ثم بالأسهم المبرية، وتلك أبلغ في النحول، ثم بالأوتار، وهي أبلغ في النحول من الأسهم.
وكذلك ينبغي أن يكون الاستعمال في مثل هذا الباب.
وقد أغفل كثير من الشعراء ذلك، فمن جملتهم أبو الطيب المتنبي في قوله٣:
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ليت الشرى يا حمام يا رجل
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآية ٢٣. ٢ ديوان البحتري ٢/ ٣٠ من قصيدة له في مدح أبي جعفر بن حميد، ومطلعها: أبكاء في الدار بعد الدار وسلوا بزينب عن نوار ٣ ديوان المتنبي ٣/ ٢١٥ من قصيدة يمدح فيها بدر بن عمار، وقد فصد لعلة مطلعها: أبعد نأي المليحة البخل في البعد مالا تكلف الإبل
[ ٢ / ١٧٠ ]
وينبغي أن يبدأ فيه بالأدنى فالأدنى، فإنه إذا فعل ذلك كان كالمرتفع من محل إلى محل أعلى منه، وإذا خالفه كان كالمنخفض من محل إلى محل أدنى منه.
فأما قوله: "يا بدر" فإنه اسم ممدوح، والابتداء به أولى، ثم بعده فيجب أن يقول: يا رجل، يا ليث، يا غمامة، يا بحر، يا حمام؛ لأن الليث أعظم من الرجل، والبحر أعظم من الغمامة، والحمام أعظم من البحر، وهذا مقام مدح فيجب أن يرقى فيه من منزلة حتى ينتهي إلى المنزلة العليا آخرا، ولو كان مقام ذم لعكس القضية.
وعلى مثله ورد قول أبي تمام يفتخر١:
سما بن أوس في الفخار وحاتم وزيد القنا والأثرمان ورافع٢
نجوم طوالع جبال فوارع غيوث هوامع سيول دوافع٣
فإن السيول دون الغيوث، والجبال دون النجوم، ولو قدم ما أخر لما اختل النظم بأن قال:
سيول دوافع غيوث هوامع جبال فوارع نجوم طوالع٤
وهذا عندي أشد ملامة من المتنبي؛ لأن المتنبي لا يمكنه تقديم ألفاظ بيته وتأخيرها، وأبو تمام متمكن من ذلك، وما أعلم كيف ذهب عليه هذا الموضع مع معرفته بالمعاني!!
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٤٧٩ من قصيدة له يصف فيها قومه، ويفتخر بهم، ومطلعها: ألا صنع البين الذين هو صانع فإن تلك مجزاعا فما البين جازع ٢ بين هذا البيت والبيت الذي يليه: وكان إياس ما إياس وعارف وحارثة أوفى الورى والأصابع ٣ "طواليع" موضع "طوالع" و"هواميع" موضع "هواميع". ٤ هذا على رواية ابن الأثير، أما على رواية الديوان، فإن النظم يختل بالتقديم، والتأخير على النحو الذي افترضه ابن الأثير.
[ ٢ / ١٧١ ]