وأما النوع الثامن: وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض وما يجوز فيه من الزحاف١ وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه.
ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه، فإن النَّظم مبنيٌّ على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل٢ لجاء شعره متكلفًا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض؛ لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات ويكون ذلك جائزًا في العروض، وقد ورد للعرب مثله.
فإذا كان الشاعر غير عالم به، لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز،
_________________
(١) ١ الزحاف على وزن كتاب في الشعر أن يسقط بين الحرفين فيزحف أحدهما إلى الآخر، وهو تغيير مختص بثواني الأسباب، جمع سبب، وهو عند العروضيين متحرك بعده ساكن، ويسمُّونه السبب الخفيف نحو: قَدْ، ومتحركان نحو: بِكَ، ويسمونه السبب الثقيل. ٢ المعروف أنها "تفاعيل" بالتاء جمع لتفعيلة، وهي الألفاظ التي يوزن بها أيّ بحر من بحور الشعر.
[ ١ / ٦١ ]
وكذلك أيضًا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات، ليعلم الرويّ١ والردف٢، وما يصح من ذلك وما لا يصح.
فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات، وكان ذا طبع مجيب وقريحة مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفُّح لما أودعناه من حقائق علم البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر، ومعرفته ضرورية لا بُدَّ منها.
وههنا أشياء هي كالتوابع والروادف، وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا؟
والسبب في ذلك أنه مؤهل؛ لأن يهيم في كل وادٍ، فيحتاج أن يتعلق بكل فن.
_________________
(١) ١ الروي من القافية، وهو الحرف الذي تُبْنَى عليه القصيدة. ٢ الردف من حروف القافية، وهو حرف مدّ قبل حرف الروي.
[ ١ / ٦٢ ]