علم أن التجنيس غرَّةٌ شادخة في وجه الكلام، وقد تصرَّف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنَّف الناس فيه كتبًا كثيرة، وجعلوه أبوابًا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض، فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسن١الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم.
وإنَّما سُمِّيَ هذا النوع من الكلام مجانسًا؛ لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.
وحقيقته أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا.
وعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقيّ في شيء، إلّا أنه قد خرج من ذلك ما يسمَّى تجنيسًا، وتلك تسمية بالمشابهة؛ لا لأنها دالّة على حقيقة المسمَّى بعينه.
وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجري مجراه، فوجدته ينقسم إلى سبعة أقسام، واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف، وستة أقسام مُشَبَّهة.
_________________
(١) ١ في الأصل "أبو الحسين"، وهو القاضي عليّ بن عبد العزيز الجرجاني صاحب "الوساطة بين المتنبي وخصومه".
[ ١ / ٢٦٢ ]
التجنيس الحقيقي:
فأمَّا القسم الأول: فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ١ وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها.
ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجليّ زمامه، فقال رسول الله -ﷺ: "خلوا بين جرير والجرير" أي: دعوا زمامه.
ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام:
فأصبحت غُرَرُ الأيام مشرقةً بالنصر تضحك عن أيامك الغرر
"فالغُرَرُ" الأولى استعارة من غُرَرِ الوجه، "والغرر" الثانية مأخوذة من غرة الشيء: أكرمه، فاللفظ إذًا واحد والمعنى مختلف، وكذلك قوله:
من القوم الجعد أبيض الوجه والندى وليس بنانٌ يُجْتَدَى منه بالجعد٢
فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط٣، فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل. وكذلك قوله:
بكل فتىً ضرب يعرِّضُ للقنا محييًّا محلّى حليه الطعن والضَّرب٤
فالضَّرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف: في الحرب، وكذلك قوله:
عداك حَرّ الثُّغُور المستضامة عن برد الثُّغور وعن سلسالها الخصب٥
_________________
(١) ١ سورة الروم: الآية ٥٥. ٢ ديوان أبي تمام ١٣١ من قصيدة يمدح بها حفص بن عمر الأزدي، ومطلعها: عفت أربع الحلالت للأربع الملد لكل هضيم الكشح مجدولة القد ٣ في الأصل "البسيط" والسبط المرسل. ٤ ديوان أبي تمام ٣٣ وهو من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، ومطلعها: لقد أخذت من دار ماوية الحقب انحل المغاني للبلى هي أم نهب والحقب الدهور، والنحل العطاء بلا عوض، والمغاني المنازل. ٥ ديوان أبي تمام ١٠ من قصيدته التي يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمورية، والتي مطلعها: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحيد بين الجد واللعب
[ ١ / ٢٦٣ ]
فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضًا البلد الذي على تخوم العدو، ثم قال في هذه القصيدة:
كم أحرزت قضب الهندي مصلتةً تهتز من قُضُبٍ تهتز في كثب
بيضٌ إذا انتضيت من حجبها رجعت أحق بالبيض أبدانًا من الحجب
فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلّق به أحد، وكذلك قوله:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا صدور العوالي في صدور الكتائب١
فلفظ "الصدور" في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف، وكذلك قوله:
عاميّ وعام العيس بين وديقةٍ مسجورةٍ وتنوفةٍ صيهود
حتى أغادر كل يومٍ بالفلا للطير عيدًا من بنات العيد٢
فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام.
وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره، فمنه ما أغرب فيه فأحسن، كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريهًا مستثقلًا كقوله:
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت من المنية رشقًا وابلًا قصفا٣
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٤٢ من قصيدة يمدح بها أبا دلف القاسم بن عيسى العجليّ مطلعها: على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب ومعنى جابت: قطعت، والقسطل: الغبار، وصدعوا: شققوا، والعوالي: الرماح، والكتائب: الجيوش. ٢ ديوان أبي تمام ٨٢ من قصيدة مطلعها: أرأيت أي سوالف وخدود عنت لنا بين اللوى وبرود والعيس: النوق، والوديقة: شدة الحر، والسجورة: الموقودة، والتنوقة: الفلاة البعيدة الأطراف، والصيهود: الفلاة لا ينال ماؤها، وبنات العيد: النوق. ٣ ديوان أبي تمام ٢٠٢ من قصيدة في مدح أبي دلف، ومطلعها: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا فلا تكفن عن شانيك أو يكفا وأرشق: اسم جبل، والوابل: المطر الكثير.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكقوله:
يا مضغنًا خالدًا لك الثُّكل إن خلَّدَ حقدًا عليك في خلده١
وكقوله:
وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزرٌ أنجاهم منك في الهيجا ولا سند٢
وكقوله:
مهلًا بني مالكٍ لا تجلبُنَّ إلى حيٍ الأراقم دؤلول ابنة الرَّقْم٣
ثم قال فيها:
من الردينية اللائي إذا عسلت تشم بوَّ الصغار الأنف ذا الشمم٤
وكقوله:
قرت بقرَّان عين الدِّين واشتترت بالأشترين عيون الشرك فاصطلما٥
وله من هذا الغثِّ البارد المتكلَّف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلًا يستدل به على أمثاله.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٩٤ من قصيدة مطلعها: ما لكثيب الحمى إلى عقده ما بال جرعائه إلى عقده والمضغن: الحاقد، والنكل: الفقد، والخلد: القلب والنفس. ٢ ديوان أبي تمام ٩٩ من قصيدة مطلعها: يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا هي الصبابة طول الدهر والسهد ماقوا: حمقوا، والوزر: الملجأ، والهيجاء: الحرب. ٣ ديوان أبي تمام ٢٦٩ من قصيدة يمدح بها مالك بن طوق، ومطلعها: سلم على الربع من سلمى بذي سلم عليه وسمِّ من الأيام والقدم وحي الأراقم: بنو تغلب، والدؤلول والرقم: من أسماء الداهية. ٤ الردينية: الرماح، وعسلت: اشتد اهتزازها، والبوّ: ولد الناقة، أو جلد يحشى تبنًا فيقرب من أمه إذا فقدته فتشمه فتدر، والشمم: ارتفاع الأنف. ٥ ديوان أبي تمام ٣٠٢ من قصيدة في مدح إسحاق بن إبراهيم المصبعي مطلعها: أصغى إلى البين مغترًّا فلا جرمًا إن النوى أسأرت في عقله لمما وقران: محل، واشترت: انشقَّت، واصطلم: قطع من أصله.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:
عباس عباس إذا احتدم الوغى والفضل فضلٌ والربيع ربيع١
وكذلك قوله:
فقل لأبي العباس إن كنت مذنبًا فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل
فلا تجحدوني وُدَّ عشرين حجةً ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل٢
وعلى هذا النهج ورد قول البحتري:
إذا العين راحت وهي عين على الجوى فليس بسرٍّ ما تسر الأضالع٣
فالعين: الجاسوس، والعين: معروفة. وكذلك ورد قول بعضهم:
وترى سوابق دمعها فتواكفت ساقٌ تجاوبُ فوق ساقٍ ساقا
فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمريّ من الطيور.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري، في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها:
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ونحن في حفر الأجداث أحيانا
ثم قال في أبياتها:
تقول أنت امرؤٌ جافٍ مغالطةً فقلت لا هوَّمت أجفان أجفانا
وكذا قال في آخرها:
لم يبق غيرك إنسانًا يلاذ به فلا برحت لعينٍ الدهر إنسانًا
_________________
(١) ١ ديوان أبي نواس ٩٦. ٢ ديوان أبي نواس ١١٠ وقبل البيتين: أأسلمتني يا جعفر بن أبي الفضل فمن لي إذا أسلمتني يا أبا الفضل وأيّ فتًى في الناس أرجو مقامه إذا أنت لم تفعل وأنت أخو الفضل وأبو الفضل: الربيع بن يونس وزير المنصور، والفضل في قافية البيت الأول: الكرم، والفضل في الثاني: ابن الربيع، وفي الثالث: السماحة، وفي الرابع: ضد النقص. ٣ ديوان البحتري ١/ ٤٥ من قصيدة في مدح الفتح بن خاقان مطلعها: ألمَّت وهل إلمامها لك نافع وزارت خيالًا والعيون هواجع وفي الأصل "الهوى" موضع "الجوى".
[ ١ / ٢٦٦ ]
ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابًا، وسماه: "رد الأعجاز على الصدور" خارجًا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فممَّا روى الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم:
ونشري بجميل الصنـ ـع ذكرًا على طيب النشر
ونفري بسيوف الهنـ ـد من أسرف في النَّفر
وبحري في شرى الحمد على شاكلة البحر
وكذلك قول بعضهم في الشيب:
يا بياضًا أذرى دموعي حتى عاد منها سواد عيني بياضا
وكذلك قول البحتري١:
وأغرّ في الزمن البهيم محجَّلٍ قد رحت منه على أغرِّ محجل
كالهيكل المبني إلّا أنه في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل
وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصبَّ نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرناها داخلًا في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه وهو أشهر من فلق الصباح.
وربما جهل بعض الناس، فأدخل في التجنيس ما ليس منه، نظرًا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى، فمن ذلك قول أبي تمام٢:
أظن الدمع في خدي سيبقي رسومًا من بكائي في الرسوم
وهذا ليس من التجنيس في شيء، إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معًا.
وهذا مما ينبغي أن ينبَّه عليه ليعرف.
ومن علماء البيان من جعل له اسمًا سمَّاه به، وهو "الترديد"، أي: إن اللفظة الواحدة
_________________
(١) ١ ديوان البحتري ٢/ ٢١٧ من قصيدة يمدح بها محمد بن علي بن عيسى القمي الكاتب، ومطلعها: أهلًا بذلكم الخيال المقبل فعل الذي نهواه أو لم يفعل ٢ ديوان أبي تمام ٢٨٨ من قصيدة يمدح بها بعض بني عبد الكريم الطائيين، ومطلعها: أرامة كنت مألف كل ريم لو استمتعت بالأنس المقيم
[ ١ / ٢٦٧ ]
رددت فيه. وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابًا أفرده بالذكر فيه.
ما يشبه بالتجنيس:
وأما الأقسام الستة المشبَّهة بالتجنيس:
فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فممَّا جاء من ذلك قول النبي -ﷺ:$"اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّنْ خُلُقِي" ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخَلْقِ والخُلُقِ من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلّا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن "الخَلق" فعلٌ -بفتح الفاء، ووزن "الخُلق" فعل بضم الفاء.
ومن هذا القسم قول بعضهم: "لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر" وقال البحتري:
وفرَّ الخائن المغرور يرجو أمانًا أيَّ ساعة ما أمان
يهاب الالتفات وقد تهيَّا للحظة طرفه طرف السنان١
وكذلك ورد قول الآخر:
قد ذبت بين حشاشةٍ وذماء ما بين حرِّ هوىً وحرِّ هواء
القسم الثاني: من المشبَّه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس.
فمما جاء قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد، إلّا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ديوان البحتري ١/ ٩٣ من قصيدة يمدح بها المعتز بالله ومطلعها: رويدك إن شأنك غير شاني وقصرك لست طاعة من نهاني وفي الأصل "الخائن" موضع الحائن"، ورواية الديوان "للفتة طرفه" موضع "للحظة طرفه". ٢ سورة القيامة: الآيتان ٢٢، ٢٣. ٣ سورة الأنعام: الآية ٢٦.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ١.
وعلى نحو من هذا ورد قول النبي -ﷺ: "الخيل معقودٌ بنواصيها الخير"، وقال بعضهم: "لا تنال المكارم إلا بالمكاره".
وقال أبو تمام:
يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب٢
وقال البحتريّ:
من كل ساجي الطَّرف أغْيَد أجيدٍ ومهفهف الكشحين أحوى أحور٣
وكذلك قوله:
شواجر أرماحٍ تقطَّع بينهم شواجن أرحامٍ ملومٍ قطوعها٤
القسم الثالث: من المشبَّه بالتجنيس: وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة غافر: الآية ٤٥. ٢ ديوان أبي تمام ٤٢ من قصيدة يمدح بها أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي، ومطلعها: عن مثلها من أربع وملاعب أديلت مصونات الدموع السواكب وفي الأصل "قواضم" موضع "قواضب" وهو تحريف. ٣ ديوان البحتري ١/ ١٩ وهو ثاني أبيات قصيدة في مدح المتوكل مطلعها: إن الظباء وغداة سفح محجر هيجن حرجوي وفرط تذكر ٤ ديوان البحتري ١/ ٣ من قصيدة في مدح المتوكل ومطلعها: متى النفس في أسماء لو تستطيعها بها وجدها من غادة وولوعها ويقال: شجره بالرمح، أي: طعنه، وشواجر الأرحام: روابطها، وهي رواية الديوان، وفي الأصل "شواجن"، وعلى رواية الديوان لا يكون في البيت محلّ شاهد على هذا القسم. ٥ سورة القيامة: الآيتان ٢٩، ٣٠. ٦ سورة الكهف: الآية ١٠٨.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وكذلك ورد قوله -ﷺ: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده".
ودخل ثعلب صاحب كتاب "الفصيح" على أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومجلسه غاصٌّ، فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه، وقال: "أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين، ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين، فقال له أحمد: "الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له". وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد -﵀- في قوله: "يحاسب" و"يحتسب له".
وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل الطبع.
فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمَّن ذكر الجهاد فقلت:
"وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلَّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلّا لأنَّ العدو إذا طلب تقمَّص ثوب إذلاله، وتنصل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت:
"وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمىً لمن جنى عليه زمانه، وجارٌ لمن بعد عنه جيرانه".
ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:
"ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يَعْمَى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدلَّ به على صلاح أخراه، فهو المركَب المنجِّي، والعمل المرجوّ لا المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتابٍ إلى بعض الإخوان، وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت:
_________________
(١) ١ سورة النور: الآية ٦٣.
[ ١ / ٢٧٠ ]
"نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يُمْنِ نقيبته وأمانة غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة".
ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتابٍ إلى بعض الإخوان، فقلت:
"الكتب وإن عدَّها قوم عرضًا من الأعراض، وتقالَّوها حتى قالوا: هي سواد في بياض، فإنَّ لها عند الإخوان وجهًا وسيمًا، ومحلًّا كريمًا، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميمٌ حميمًا، ومن أحسنها كتاب سيدنا ".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن هذا القسم قول أبي تمام:
أيام تدمي عينه تلك الدُّمى فيها وتقمر لُبَّه الأقمار١
وكذلك قوله:
بيضٌ فهنَّ إذا رمقن سوافرًا صورٌ وهنَّ إذا رمقن صوار٢
وكذلك قوله:
بدرٌ أطالت فيك بادرة النَّوى ولعًا وشمسٌ أولعت بشماس٣
وكذلك قوله:
كادوا النبوة والهدى فتقطَّعت أعناقهم في ذلك المضمار
جهلوا فلم يستكثروا من طاعةٍ معروفةٍ بعمارة الأعمار٤
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ١٤٥ من قصيدة في مدح أبي سعيد الثغري، ومطلعها: لا أنت أنت ولا الديار ديار خف الهوى وتولّت الأوطار ومعنى تقمَّر: تغلب، واللب: العقل. ٢ من القصيدة السابقة، ومعنى رمقن: أطيل النظر إليهن، والسوافر: المكشوفات، والصوار: قطيع بقر الوحش. ٣ ديوان أبي تمام ١٧٣ من قصيدة في مدح أحمد بن المعتصم، ومطلعها: ما في وقوفك ساعة من باس تقضي ذمام الأربع الأدراس ورواية الديوان "خطأ" موضع "ولعًا"، والبادرة الخطأ، والنوى: الفراق، والشماس: العصيان. ٤ ديوان أبي تمام ١٥٤ من قصيدة يمدح فيها المعتصم، ويذكر إحراق الأفشين، ومطلعها: الحقّ أبلج والسيوف عوار فحذار من أسد العرين حذار
[ ١ / ٢٧١ ]
وكذلك قوله:
إن الرماح إذا غرسن بمشهدٍ فجنى العوالي في ذراه معالي١
وكذلك قوله:
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا بلا نعمةٍ أحسنت أن تتطولا٢
وكذلك قوله:
أي ربعٍ يكذب الدهر عنه وهو مُلْقَى على طريق الليالي
بين حالٍ جنت عليه وحولٍ فهو نضو الأحوال والأحوال
شدَّ ما استنزلتك عن دمعك الأظـ ـعان حتى استهلَّ صوب العزالي
أيُّ حسن في الذاهبين تولَّى وجمالٍ على ظهور الجمال
ودلالٍ مخيَّمٍ في ذرا الخـ ـيم وحجلٍ معصَّم في الحجال٣
فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعًا.
_________________
(١) ١ ديوان أبي تمام ٢٦٤ من قصيدة يمدح فيها المعتصم، ويذكر أخذ بابك، ومطلعها: آلت أمور الشرك شر مآل وأقرَّ بعد تخبط وصيال والتخمط: التكبر، والصيال: التسلط، والجني: الثمر، والعوالي: الرماح، وذراه: ظله. ٢ ديوان أبي تمام ٢٥٢ من قصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات، مطلعها: لهان عليها أن تقول وتفعلا ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا ويواية الديوان "بلا مِنَّة" موضع "بلا نعمة". ٣ رويت هذه الأبيات في الديوان "ص٤٥٨" على النحو الآتي: شدما استنزلتك من ربعك الأظـ ـعان حتى استهلَّ دمع الغزال أيُّ حسن في الذاهبين تولَّى وجمال على ظهور الجمال ودلال مخيَّم في ذرا الخيـ ـم وحجل معذَّب في الحجال ومهامن مها الخدور وآجا ل ظباء يسر عنَّ في الآجال عادك الزور ليلة الرمل من رمـ ـلة بين الحمى وبين المطال ثم فما زارك الخيال ولكنـ ـك بالفكر زرت طيف الخيال والأظعان: الهوادج فيها نساء، واستهل: سكب، الذرى: فناء الدار، والخيم: جمع خيمة، والحجل: الخلخال، والحجال: جمع حجلة، وهي موضع يزين بالثياب والستور للعروس، والعزالي: جمع عزلاء وهو مصبّ الماء من الراوية.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة١:
وكم لك من يومٍ رفعت بناءه بذات جفونٍ أو بذات جفان
وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:
قسمت صروف الدهر بأسًا ونائلًا فمالك موتورٌ وسيفك واتر
وهذا من المليح النادر.
ومن هذا القسم قول البحتري:
جديرٌ بأن تنشقَّ عن ضوء وجهه ضبابة نقعٍ تحتها الموت ناقع٢
وكذلك قوله:
نسيم الروض في ريحٍ شمالٍ وصوب المزن في راحٍ شمول٣
وذمَّ أعرابي رجلًا فقال: "كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوَّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال".
القسم الرابع: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المعكوس".
وذلك ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.
فالأول: كقول بعضهم: "عادات السادات سادات العادات"، وكقول الآخر: "شيم الأحرار أحرار الشيم".
ومن هذا النوع مما ورد شعرًا قول الأضبط بن قريع٤ من شعراء الجاهلية:
_________________
(١) ١ علي بن جبلة هو المشهور بالعكوك، ولد سنة ١٦٠هـ، وتوفي سنة ٢١٣هـ، وكان ضريرًا مسرفًا في المدح مغاليًا في معانيه. ٢ ديوان البحتري ١/ ٤٦ من قصيدة مطلعها: ألمت وهل إلمامها لك نافع وزارت خيالًا والعيون هواجع ٣ ديوان البحتري ١/ ٣٠ من قصيدة مطلعها: أكنت معنفي يوم الرحيل وقد لجَّت دموعي في الهمول ٤ هو من بني عوف بن كعب بن سعد، رهط الزبرقان بن بدر، وكان قومه أساءوا مجاورته، فانتقل عنهم إلى آخرين، فأساءوا مجاورته، فانتقل إلى آخرين، فأساءوا مجاورته، فرجع إلى قومه، وقال: بكل وادٍ بنو سعد، قال ابن قتيبة: وهو قديم، وكان أغار على بني الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع، ثم بنى أطما، وبنت الملوك حول ذلك الأطمّ مدينة صنعاء.
[ ١ / ٢٧٣ ]
قد يجمع المال غير آكله ويأكل المال غيرُ من جَمَعَه
ويقطع الثوب غيرُ لابسه ويلبس الثوب غيرُ من قَطَعَه١
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ مالُه ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُه
وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذمّ فيها الزمان:
أسفَّ بمن يطير إلى المعالي وطار بمن يسفّ إلى الدنايا
وكذلك قول الآخر:
إن الليالي للأنام مناهلٌ تُطْوَى وتنشر بينها الأعمار
فقصارَهُنَّ من الهموم طويلةٌ وطوالُهُنَّ من السرور قِصَار
وأحسن من هذا كله وألطفه قول ابن الزَّقاق الأندلسي:
غيرتنا يد الزَّما ن فقد شِبْتُ والتحى
فاستحال الضحى دجى واستحال الدجى ضحى
وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب "التبديل"، وذلك اسم مناسب لمسمَّاه؛ لأنَّ مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدَّمًا في جزء من كلامه الأول مؤخَّرًا في الثاني، وبما كان مؤخَّرًا في الأول مقدَّمًا في الثاني، ومثَّله قدامة بقول بعضهم: "اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك"٣.
ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ من أبيات مطلعها: يا قوم من عاذري من الخدعة والمسى والصبح لا فلاح معه وانظر الشعر والشعراء ١/ ٣٤٣. ٢ ديوان المتنبي ٢/ ٢٣ من قصيدة في مدح كافور مطلعها: أود من الأيام مالًا توده وأشكو إليهما بيننا وهي جنده ٣ كتاب "جواهر الألفاظ" لقدامة بن جعفر: ص٣، ٤، واسمه عنده: "عكس اللفظ" أو "عكس ما نظم من بناء". ٤ سورة آل عمران: الآية ٢٢.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وكذلك ورد قول النبي -ﷺ: "جار الدار أحق بدار الجار".
وكتب عليّ بن أبي طالب -﵁- إلى عبد الله بن عباس -﵁- كتابًا، فقال: "أما بعد، فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة بطول أمل، وكأنْ قد، والسلام".
وروى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان، وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
أهُنَّ عوادي يُوسُفٍ وصواحبه١
وأنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العَمَيْثل هذا الابتداء، وقالا: "لِمَ لا يقول ما يفهم" فقال: "لم لا يفهما ما يقال"؟! فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه.
وقد جاءني شيء منه.
كقولي في فصل من كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:
"فكم كان من افتراع عذرة الحصن من عذرة حَصَان، وكم حيِّز به من سنان لحظٍ استرقَّه لحظ سنان".
وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو:
"الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلًا، وتوسعه العفاة أملًا، وترى الخول به ملوكًا والملوك خولًا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ صدر بيت وتمامه: فعزمًا فقدمًا أدرك السؤل صاحبه وانظر ديوان أبي تمام ٤٣. ٢ سورة الملك: الآية ٢.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وكذلك ورد قولي أيضًا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت:
وقد صدق الله لهجة المُثْني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تُضْرَب به الأمثال، والمهذَّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكةً فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقوي الأمين.
وأما الضرب الثاني من هذا القسم -وهو عكس الحروف- فهو كقول بعضهم:
أهديت شيئًا يقل لولا أحدوثة الفال والتَّبرُّك
كرسي تفاءلت فيه لما رأيت مقلوبه يَسُرُّك
وكذلك قول الآخر:
كيف السرور بإقبالٍ وآخره إذا تأمَّلته مقلوب الإقبال١
وأجود من هذا كله قول الآخر:
جاذبتها والريح تجذب عقربًا من فوق خدِّ مثل قلب العقرب
وطفقت ألثم ثغرها فتمنعت وتحجَّبت عنِّي بقلب العقرب
وإذا قلب لفظ "عقرب" صار "برقعًا".
وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابًا.
القسم الخامس: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المجنب"، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم:
أبا العباس لا تحسب بأني لشيءٍ من حُلَى الأشعار عاري
فلي طبعٌ كسلسال معينٍ زلال من ذُرَا الأحجار جاري
وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألَا ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلّا جزء من اللفظ، وهو
_________________
(١) ١ مقلوب "إقبال" هو كلمة "لا بقاء".
[ ١ / ٢٧٦ ]
أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك، لأنَّ العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله: "الأشعار" و"عار"، الجيم والراء في البيت الثاني في قوله "الأحجار" و"جار".
القسم السادس: من المشبَّه بالتجنيس، وهو ما يساوي وزنه تركيبه، غير أنَّ حروفه تتقدَّم وتتأخَّر، وذلك كقول أبي تمام:
بيض الصَّفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب١
فالصفائح والصحائف مما تقدَّمت حروفه وتأخَّرت:
وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله -ﷺ- في فضيلة تلاوة القرآن الكريم: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ".
فقوله -ﷺ: "اقرأ" و"ارق" من التجنيس المشار إليه في هذا القسم.
_________________
(١) ديوان أبي تمام ٧ من قصيدة يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمورية، ومطلعها: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب وبيض الصفائح يراد بها: السيوف.
[ ١ / ٢٧٧ ]